Affichage des articles dont le libellé est احمد منصور. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est احمد منصور. Afficher tous les articles

jeudi 8 septembre 2011

احمد منصور : إسرائيل بين مصر وتركيا

161

المظاهرات الصاخبة التى قام بها جمع من الشعب المصرى أمام السفارة الإسرائيلية فى القاهرة ردا على قيام إسرائيل بقتل عدد من الجنود المصريين على الحدود بدم بارد والتى انتهت بإنزال العلم الإسرائيلى من على مبنى السفارة ورفع العلم المصرى كصورة رمزية لرفض الوجود الإسرائيلى على أرض مصر، عكست روحا جديدة ورسالة قوية إلى إسرائيل بأن الشعب المصرى له رأى آخر يختلف عن رأى الحكومات التى وقعت اتفاقيات كامب ديفيد وتنازلت عن جزء من السيادة المصرية مقابل الحصول على امتيازات أغلبها شخصية لمن كانوا يحكمون مصر قبل الثورة، وبدلا من أن تقوم الحكومة المصرية بمراجعة مواقفها من تلك الاتفاقيات المهينة واستخدام الغضب الشعبى كورقة ضغط على إسرائيل، كما يفعل معظم حكومات الدنيا، فإنها تقوم الآن ببناء جدار عازل حول السفارة الإسرائيلية كى تحجب عن الناس مبنى السفارة وتحميها من أى تحركات شعبية قادمة، كما أن رد الفعل الرسمى المصرى كان مليئا بالتهاون والتخبط إلى حد كبير. فى المقابل نجد دولة تقيم علاقات مع إسرائيل منذ قيامها على أنقاض فلسطين عام 1948، وهى تركيا، تقوم برد فعل عكسى تماما لرد الفعل المصرى، وذلك للتعبير عن رفضها تقرير الأمم المتحدة الذى أيد ما قامت به إسرائيل ضد أسطول الحرية الذى سعى إلى كسر الحصار عن غزة فى شهر مايو من العام الماضى 2010، وأدى إلى مقتل بعض الأتراك، وقد وصف الرئيس التركى عبد الله جول التقرير بأنه «باطل وكأن لم يكن» وفوق ذلك قامت الحكومة التركية برد فعل قوى للغاية تمثل فى إعلان وزير الخارجية التركى أحمد داوود أوغلو طرد السفير الإسرائيلى من أنقرة وتجميد الاتفاقات العسكرية مع إسرائيل وهذا من أشد الإجراءات التى تقوم بها الدول فى العرف الدبلوماسى، ولم يكن هذا ردا على تقرير الأمم المتحدة فحسب بل كان ردا على التعنت الإسرائيلى برفض الاعتذار عن تلك الجريمة التى ارتكبت بحق الأتراك. تركيا لم تقف عند حد طرد السفير الإسرائيلى، بل قررت أن تتحدى ما وصفته بـ«البلطجة الإسرائيلية فى شرق البحر المتوسط» وأعلنت أن سلاح البحرية التركى سيوسع نشاطه فى شرق المتوسط، علاوة على قيام السفن التركية بتأمين قوافل المساعدات الإنسانية المتجهة إلى قطاع غزة، وذلك فى تحد عسكرى لإسرائيل غير مسبوق، وكما هو معلوم فقد كانت المؤسسة العسكرية فى تركيا تحتفظ بعلاقات قوية واتفاقات عسكرية مميزة مع إسرائيل لكن إصدار قرار سياسى قوى فى هذا الاتجاه يعزز دور الحكومة التركية حتى من الناحية العسكرية ويحسم جدلية العلاقة بين العسكر والسياسيين فى تركيا، كما قررت تركيا حسب وزير الخارجية التركى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية فى لاهاى لكى تقرر فى شأن مشروعية الحصار الذى تفرضه إسرائيل على قطاع غزة من 31 مايو عام 2010، وهذا يفتح تحديا ومعركة قانونية وإنسانية وجنائية ضد إسرائيل فى المحافل الدولية، وأكد أن تركيا لن تتنازل عن مطالبها فى ما يتعلق بحل أزمة أسطول الحرية.

الموقف التركى يضع إسرائيل للمرة الأولى فى مواجهة مع دولة حليفة لها، ويضيق الخناق عليها إلى حد كبير، ويؤكد أن المصلحة الوطنية التركية ودماء الأتراك فوق كل اعتبارات سياسية أو مصالح آنية، وهذا مأزق لن تستطيع إسرائيل أن تتجاوزه بسهولة فى ظل التحديات الداخلية والتردى القائم لمصالحها فى الدول المجاورة لها والتى سعت سواء عبر اتفاقات مكتوبة أو شفهية إلى أن تحول كثيرا من هذه الدول إلى حماة لأمنها وعجرفتها وتعديها على كل الأعراف والقوانين الدولية، فالثورة المصرية رغم أن نجاحها واكتمالها لم يتم بعد فإنها وضعت صانع القرار الإسرائيلى فى مأزق كبير، علاوة على الثورات فى كل من تونس وليبيا وسوريا واليمن، كلها تؤكد أن مستقبل إسرائيل لن يكون مثل ماضيها كما أن تجاسرها على خرق القوانين واستباحة الدماء والأراضى أمر لن يمر دون عقاب فى المستقبل. الموقف التركى يضع الحكومة المصرية المتخبطة سواء فى سياساتها الداخلية أم الخارجية أمام تحد كبير، ويوفر لها فرصة تاريخية لتضغط على إسرائيل لمراجعة الاتفاقات الهزيلة التى سبق أن وقعها النظام السابق مع إسرائيل، علاوة على رفع الحصار عن غزة، وتأمين حدود مصر وطلب تعويض كبير على ما قامت به إسرائيل من انتهاكات سابقة، وذلك حتى تأتى حكومة منتخبة ومفوضة من الشعب تقرر مصير كل شىء تماما مثل الحكومة التركية الحالية. إن أبسط الرسائل التى يمكن أن ترسلها الحكومة المصرية الحالية إلى إسرائيل هى أن مستقبل مصر غير ماضيها، وإذا كان الماضى قد صنعته حفنة من اللصوص سرقت مصر وشعبها وسياستها وأمنها طوال العقود الماضية فإن المستقبل سوف يصنعه الشعب الذى قام بثورة استرد من خلالها سيادته على بلاده ومصيره ومقدراته، ومن ثم فليس أمام إسرائيل سوى أن تلتزم وتحترم الإرادة المصرية أو أنها ستواجه تحديات مع مصر ربما تفوق ما قامت به تركيا.

lundi 8 août 2011

يوميات ميدان التحرير (6)

a7md

اليوم السادس عشر يستقبل كافة شرائح المجتمع

دخلت الثورة الشعبية في مصر أسبوعها الثالث، ورغم رهان النظام على عامل الوقت ، فإن الثوار لم تفتر همتهم ، بل ازدادوا إصرارا وعزما على إكمال المسيرة التي بدأوها ، وتحقيق مطالبهم ، فأبدعوا أدواتا وطرقا جديدة تمكنهم من التعايش مع الواقع الثوري المستمر الذي يعيشونه، فداخل ميدان التحرير حياة كاملة وقد أصبح الميدان قبلة يحج إليها الثوار والمتظاهرين من جميع أنحاء البلاد، فقد تجمع في ميدان التحرير جموع من أبناء محافظتي شمال وجنوب سيناء،وكذلك السويس،والدقهلية ،والمنوفية، والشرقية،الفيوم ،وبني سويف وأسيوط، وأسوان .

تحولت جميع أيام التحرير إلى مليونيات تقريبا، فرغم أن الأربعاء ليس يوما مليونيا إلا أن الميدان استقبل ما يقرب من المليون متظاهر ، من كافة فئات وشرائح المجتمع ، وطوائفه متحدين في جرأة تهديدات النظام التي اعتبرها المتظاهرون بالمستفزة والتي جاءت على لسان نائب الرئيس حينما صرح بأن النظام لن يحتمل تظاهرات لفترة طويلة ملوحا باستخدام العنف ضد الثوار.

استمر الاعتصام أمام مجلسي الشعب والشورى ، ومجلس الوزراء وقد أحاطت الدبابات وأفراد القوات المسلحة المعتصمين.

استمرت الشرطة في الواحات والوادي الجديد ،في الاعتداء على المتظاهرين ، وقد أصابوا عدد كبير بين قتيل وجريح.

في محافظات القاهرة والجيزة وحلوان اندلعت عدة تظاهرات مطلبية حيث تظاهر حوالي 3500من موظفي الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء بمدينة نصر بالقاهرة ، كما تظاهر في محافظة الجيزة حوالي 1500من عمال وموظفي شركة الخدمات البترولية والتجارية بتروتريد،وفي محافظة حلوان فقد تظاهر ثلاثة آلاف وخمسمائة عامل بشركة الكوك للكيماويات الأساسية للمطالبة بزيادة أجورهم .

وقد أضرب حوالي 200 طبيب وممرضة وإدارى بمستشفى كفر الزيات العام عن العمل، احتجاجا على عدم صرف حوافزهم منذ 3 أشهر.

شهد ميدان التحرير اليوم عدة ظواهر جديدة منها أن زار الميدان عدد غير قليل ممن يدخلوه لأول مرة للوقوف على حقيقة الشائعات التي روجها النظام عبر إعلامه الرسمي وأبواقه والتي شوهت الثوار وقد عبر هؤلاء المدققين عن دهشتهم لما سمعوه،وقد أعلن عدد غير قليل منهم أنهم سوف يشاركون في التظاهر في الأيام القادمة ، ورغم ذلك لازالت حرب الشائعات مستمرة لكن يبدو أن أثرها بات أقل ، وحلت نغمة أخرى محلها تقول بأن استمرار التظاهر سبب قطع أرزاق البعض وتعطيل الأشغال.

انتشر في ميدان التحرير مظاهر حياة كاملة تدل على الاستمرار ، فقد انتشرت فيه الإذاعات الميدانية ،وقام أبناء المحافظات بنصب الخيام لتحميهم من البرد وللمبيت داخلها ، وأقيمت معارض الصور ، ورسوم الكاريكاتور ، وحفلات السمر، كما انتشر الباعة فيما يشبه سوق للمنطقة يشتري منها المعتصمين المأكولات والمشروبات وحتى التسالي فقد أعلن الجميع الاستقرار والقرار في أماكنهم حتى رحيل النظام.

بعد مواجهة الشائعات ، وتصدي الثوار للفزاعات التي أشهرها النظام بوجههم ، جاء الرد على اتهام الثوار بتخريب الاقتصاد من البورصة المصرية إذ أعلنت في لافتة كبيرة أن البورصة المصرية تؤيد مطالب الثوار من أجل بورصة بلا فساد.

لأول مرة، يظهر في المظاهرات أحد رجال الدين المسيحي ، بزية الكنسي ، ويمسك بأيدي مسلمين ويرددوا جميعا “إيد واحدة ” في مشهد يدلل على الوحدة الوطنية .

من أبرز أحداث اليوم زيارة عدد من الفنانين منهم تامر حسني ، الذي تم مهاجمته من الثوار بسبب تأييده لنظام مبارك، فيما رحبوا بالفنان أحمد حلمي المؤيد لمطالب الثورة.

أبدع الثوار اليوم مزيد من الشعارات، والرسوم ،التي تعبر عن مطالبهم ،وسخريتهم ،وإصرارهم على رحيل النظام ،وعدم التسامح مع عناصره ،والاصرار على محاكمتهم.

وردنا خبر عن إطلاق مبادرة لحل الأزمة المصرية ، يطلقها عدد من النشطاء الحقوقيين غدا الخميس من أحد الفنادق القريبة من ميدان التحرير.

تتحرك غدا الخميس مسيرة سلمية للمحامين المصريين من أمام نقابتهم بشارع عبد الخالق ثروت، مرتدين أرواب المحاماة ، باتجاه قصر عابدين، وكان الخبر المعلن سابقا يقول باتجاه المسيرة إلى قصر العروبة ، لكن يبدو أن هناك تغيير لدى منظميها.

بذلك تكون ثمة نقلة نوعية وكيفية في تحرك الثوار انتقلوا فيه إلى موقف المبادرين والبادئين ربما تعجل بانتهاء الأزمة.

يوميات ميدان التحرير (5)

a7md

اكثر من عشرة ملايين متظاهر في اليوم الخامس عشر

في اليوم الخامس عشر لاندلاع الثورة الشعبية المصرية، تدفق منذ الصباح آلاف المتظاهرين ليحتشدوا بميدان التحرير، الذي أصبح البقعة الساخنة وسط القاهرة، جاءوا للمشاركة في المظاهرة المليونية الثانية في أسبوع الصمود، ورغم بطء حركة التفتيش التي يقوم بها أفراد القوات المسلحة، واللجان الشعبية عند المداخل المؤدية لميدان التحرير، والتي أعاقت البعض عن الدخول للميدان، فقد اصطف القادمون صفوفا طويلة حتى يتمكنوا من الالتحام بالحشود داخل ميدان التحرير .

احتشد عشرات الآلاف ليس في ميدان التحرير فحسب، وإنما في جميع الطرق المؤدية إلى منظقة وسط البلد، حيث امتدت المظاهرات إلى أمام وحول مبنى وزارة الداخلية بمنطقة لاظوغلي وكذلك شارع القصر العيني حيث تظاهر عشرات الآلاف أمام مجلسي الشعب والشورى ومجلس الوزراء، وكذلك أمام مبنى التليفزيون المصري، وقد التحم بجمهور المتظاهرين كافة فئات الشعب ومثقفيه، فقد خرجت مظاهرة حاشدة من نادي أعضاء هيئة التدريس بحي المنيل بالقاهرة ،تضم ما يزيد على عشرين ألف متظاهر من أساتذة الجامعة، كما تظاهر بشارع رمسيس أعدادا غفيرة من الموظفين بالشركة المصرية للاتصالات، في تظاهرة قوامها حوالي ألفي متظاهر، فضلا عن مظاهرة أخرى أمام نقابة المهندسين بشارع رمسيس أيضا، تضم حوالي ألف متظاهر جميعهم يحملون لافتات كتب عليها مطالبهم التي ينادي بها المتظاهرين في كافة أنحاء مصر.

ساعد بدء سير القطارات على قد على قدوم أعدادا كبيرة من المدن والمحافظات القريبة من القاهرة للانضمام إلى المتظاهرين فيها، وقد علت هتافات الجماهير الملتهبة وأثار حماسهم ظهور وائل غنيم وسط المتظاهرين ،مما زاد الثوار الشباب زخما، جعل الكثير من الشباب ينضم للمظاهرات لأول مرة بعد مرور خمسة عشر يوما على اندلاعها، وقد أصبحت شخصيية التية غنيم هي الشخصية التي أجمع عليهاشباب الثوار للتحدث بأسمائهم رغم اختلافهم على جميع الأسماء التي تم طرحها سابقا.

ظهر في المظاهرة المليونية اليوم، والتي تعد الأضخم منذ بدء الانتفاضة عدد كبير من الشخصيات العامة من القيادات ،والمفكرين، والكتاب، والفنانين، والإعلاميين، كما تظاهر صحفيو بعض الصحف القومية منضمين إلى مطالب الثوار ضد سياسات مؤسساتهمالتي يعملون بها، فقد تظاهر صحفيومؤسسة روزاليوسف منضمين إلى مطالب الجماهير، وقد قام عدد من موظفي ومذيعي التليفزيون المصري بالاستقالة والانضمام لصفوف الجماهير منددين بسياسة الإعلام المصري الذي يقوده أنس الفقي ووصفوه بأنه إعلام مضلل وكذاب وبالتعتيم ،وقد شكلوا ما أطلق عليها ” جبهة شرفاء ماسبيرو”

شكل بعض المحامين لجنة لإعادة الثروات المصرية المنهوبة

في تصريح لنائب رئيس الجمهورية أثار غضبة المتظاهرين، في اجتماعه مع رؤساء تحرير الصحف القومية، والحزبية والمستقلة، قرر سليمان أن الاستقرار في مصر يكون بالحوار والتفاهم بين الدولة وقوى المعارضة، والشباب المتظاهرين أو الانقلاب الشامل، كما قرر أن طلب رحيل مبارك يشكل إهانة ليس للرئيس فحسب، وإنما للشعب المصري، وقد اعتبر المتظاهرون ما جاء بتصريح سليمان بمثابة تهديد غير مقبول لهم، وأصروا على تنفيذ مطالبهم، وتمسكهم برحيل مبارك، وبالرغم ما أعلنه سليمان عن تشكيل لجنة دستورية للقيام بإجراء تعديلات دستورية، وعن وضع خارطة طريق محددة وفق جدول زمني من أجل انتقال السلطة سلميا ،فإن ذلك لم يفلح في تهدئة الجماهير الثائرة .

يرى الثوار أن الجدل الدائر حول عدم إمكانية تنحي مبارك، ورحيله حتى يتم تعديل الدستور هو بمثابة مماطلة ومراوغة من النظام للالتفاف على مطالب الثورة.

وصلتنا أنباء عن قيام قوات الأمن بإطلاق رصاص حي ومطاطي على المواطنين في محافظة الوادي الجديد مما أدى إلى إصابة عدد كبير من المواطنين.

في الإسكندرية، استمرت المظاهرات الحاشدة، حيث تجمع المتظاهرون أمام مسجد القائد إبراهيم، وقد غزداد عدد المتظاهرين بعد انتهاء مواعيد العمل الرسمية حتى بلغ ما يزيد عن المليون متظاهر، وتحركت المظاهرة إلى ميدان محطة سيدي جابر، وإلى محطة مصر، ثم اتجهت المظاهرة إلى منطقة جليم حيث مبنى الإذاعة والتليفزيون، وقد أعلن المتظاهرين أنهم ينتون الاتجاه إلى قصر رأس التين، في مظاهرتهم المليونية يوم الجمعة القادم.

تظاهر حوالي ثلاثمائة ألف متظاهر في مدينة المنصورة للمطالبة برحيل مبارك وبنفس مطال الثورة .

استمرت المظاهرات بمحافظة الغربية في مدينة طنطا والمحلة التي كانت أكثر كثافة كعادتها، رافعين لافتات ” معتصمون معتصمون حتى يرحل الفرعون “، كما استمرت التظاهرات في البحيرة، والقليوبية والشرقية والسويس ومحافظات صعيد مصر .

في اليوم الخامس عشر للثورة الشعبية زاد عدد المتظاهرين عن عشرة ملايين، هل ينتظر النظام المصري على موقفه حتى يتظاهر ثمانين مليون مصري ؟ ربما !

يوميات من ميدان التحرير(4)

a7md

اليوم الرابع عشر

هذه هي مطالب جماهير ثوار 25 يناير، والتي لايزالون يصرون عليها، ولا يحيدون عنها، علقوها في أكثر من مكان في ميدان التحرير الذي شهد ولازال يشهد ثورتهم واعتصامهم المفتوح حتى رحيل النظام .

بدأت اليوم الحياة تعود بشكل واضح إلى شوارع ومدن مصر، فقد انتظمت الأعمال، وفتحت المحال التجارية أبوابها لاستقبال الرواد، وكذلك البنوك والمحاكم، ووانتظمت حركة المرور في معظم شوارع العاصمة القاهرة عدا القريبة من ميدان التحرير، ورغم ذلك احتشد المتظاهرون والمعتصمون في الميدان، فمنهم من ذهب إلى عملة وعاد لموقعه في الميدان، ومنهم من ظل مرابطا به طوال الوقت وقد اكتظ الميدان بهم حيث تجمع به في الصباح المبكر حوالي نصف مليون، ازدادوا ظهرا حتى وصل عددهم ما يقترب من المليون، ووصل العدد بعد مواعيد العمل الرسمية إلى ما يزيد عن مليون شخص في ميدان التحرير وميدان طلعت حرب وشوارع وسط المدينة المؤدية جميعها إلى ميدان التحرير.

كان الحديث الذي يفرض نفسه على ساحة الميدان اليوم، هو استنكار الحوار الذي جرى بين بعض الأشخاص الذين يمثلون المعارضة الرسمية وبين عمر سليمان نائب رئيس الجمهورية الذي شغل منصبه حديثا عقب انتفاضة 25 يناير .

استنكر بعض شباب حركة 6 أبريل وقياديها الحوار الذي تم ورفضهم لكل ما تم فيه وأعلنوا موقفهم أنه لا تفاوض إلا بعد رحيل مبارك، وكذلك بعض قيادي حركة كفاية، وبعض الحقوقيين المستقلين وأعضاء المكتب السياسي للحزب الناصري، وبعض النساء الحقوقيات والصحفيات .

قام المتظاهرون والمعتصمون عقب صلاة الظهر بصلاة الغائب على الصحفي أحمد محمود – الصحفي بجريدة الأهرام، ثم قامو بتشييع جنازة رمزية له ، في حضور زوجتة الصحفية السيدة إيناس عبد العليم وابنته الطفلة، حمل الصحفيون نعشا رمزيا للصحفي الشهيد جابوا به الميدان، وقد علت هتافاتهم ” حسني مبارك يا خسيس دم الشهدا مش رخيص، حسني مبارك يا خسيس دم الصحفي مش رخيص، يا شهيد نام وارتاح واحنا نواصل الكفاح، ارحل ارحل، باطل حسني مبارك باطل….إلخ

تحدث من مقر الإذاعة الميدانية عدد من القيادات السياسية والصحفية، ومنها الأستاذ مجدي حسين الذى خرج من المعتقل بعد أن قضى سنتين فيه إثر تسلله لدخول غزة ،وكذلك تحدثت أرملة الشهيد وبعض الصحفيين الذين أعلنوا استقلالهم عن نقابة الصحفيين كما أعلنوا رفضهم لنقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد الذي وصفوه بالعمالة، وفي كلماتهم التي وجهوها للثوار أعلنوا أنه لاحوار ولا تفاوض مع النظام بكل عناصره، وأنه أصبح هناك دم الشهداء يقف حائلا بين الثوار وبين النظام، كما أكدوا على تمسكهم برحيل حسني مبارك ومحاكمته ومحاكمة عناصر النظام.

استمر النظام في تقديم بعض الخطوات التي تمثل استجابة لمطالب الثوار والتي لا ترضيهم، فقد حددوا مطالبهم ويصرون عليها، حتى بعد أن جمد النظام أرصدة بعض القيادات الفاسدة وإحالتهم للمحاكمة، فقد تم التحفظ على شركة حديد عز المملوكة لأحمد عز الذي يعتبر من أكبر العناصر الفاسدة بلجنة السياسات بالحزب الوطني والمسئول عن تزوير الانتخابات البرلمانية السابقة.

لم تقتصر كراهية مبارك ونظامه على شيوخ ،وكهول، وشباب مصر فحسب، فالأطفال عبروا عن كراهيتهم فالطفل الذي لم يتجاوز عمره عدة سنوات تكاد تكون ثلث فترة حكم نظام مبارك حمل على الأكتاف يهتف ” يا جمال قول لابوك 80 مليون بيكرهوك .

ومن اللافت تواجد المشايخ ضمن المتظاهرين، يقومون بدورهم ويدعون الجموع للاستمرار في الاعتصام، والتظاهر، ورفض الحوارقبل تحقيق المطالب، ينتشرون بكثافة داخل الميدان .

توجس معظم المتظاهرون من محاولات اعتلاء ثورتهم وتفجيرها ، خاصة بعد أن قام البعض باتحاور أو التفاوض الذي لم يسفر عن نتيجة باسمهم دون تفويض من أحد، ومن ثم ظهرت عدة مبادرات للتحذير من ذلك .

أصدر الحزب العربي الديمقراطي الناصري بيانا، أعرب فيه عن موقفه الرافض للحوار الذي أجراه بعض الأحزاب والقوى السياسية مع عمر سليمان نائب رئس الجمهورية مؤكدين أن الشرعية الثورية التي تولدت مع ثورة 25 يناير قد أسقطت الدستوروالنظام وأنهت عهد مبارك كما أعلن الحزب تمسكه برحيل مبارك، وبمطالب الثورة .

ظلت الأعداد تتزايد حتى نهاية اليوم استعدادا لمظاهرة مليونية حاشدة غدا الثلاثاء وبات المعتصمون في الخيام التي نصبوها في الميدان.

استمرت اليوم المظاهرات متأججة في الإسكندرية والسويس والمنصورة والمحلة فيما كانت أهدأ في طنطا

وأخيرا لخص بشكل موجز الثوار رؤيتهم في عبارة من كلمات بسيطة وموجزة للزعيم غاندي تقول: في البداية سيتجاهلونك ثم سيحاولون قتلك ثم يفاوضونك ثم يتراجعون وفي النهاية ستنتصر.

يوميات من ميدان التحرير (3)

a7md

ما إن وصلت إلى ميدان عبد المنعم رياض ركضا من شارع رمسيس حتى هالني ما رأيت، فقد كان الميدان ساحة حرب حقيقية بكل المعايير، وكان منقسما إلى نصفين النصف الأول عبارة عن قوات كثيفة من الأمن موجودة باتجاه المتحف وميدان التحرير والنصف الثاني أعداد هائلة من الثوار في الجانب الآخر بجوار هيلتون رمسيس وعمارة دوحة ماسبيرو التي يقع بها مبنى مكتب قناة الجزيرة وقنوات تليفزيونية أخرى.

كانت قوات الأمن تقذف المتظاهرين من الثوار بالقنابل المسيلة للدموع وتطلق الرصاص المطاطي بينما كان الثوار يدافعون عن أنفسهم بالحجارة، ووجدت نفسي وسط الميدان وحدي بين الجانبين، وكان واضحا أن المعركة على أشدها فقد كانت هناك عربتان لقوات الأمن المركزي تحترقان في آن واحد تحت كوبري السادس من أكتوبر الذي يخترق وسط الميدان.

وقفت استطلع الموقف لبرهة حتى أحدد مساري ثم شققت طريقي من أقصى اليمين ركضا بكل ما استطيع من قوة متوجها ناحية الثوار الذين كانوا موجودين بكثافة أمام عمارة دوحة ماسبيرو بينما كان دخان القنابل المسيلة للدموع يغطي المكان وأصوات الرصاص المطاطي من قبل رجال الشرطة لا تتوقف، ما إن وصلت وسط الثوار حتى تعرفوا علي واجتمعوا حولي وأخبروني بسقوط أول شهيدة في صفوفهم بينما كان آخرون كثيرون مصابون لكنهم لم يغادروا ساحة المعركة وعالجوا بعضهم بإسعافات أولية، وبينما كان البعض ملتفا حولي سمعنا هتافات لمجموعات الثوار الذين كانوا في المقدمة هجموا بعدها بصدور عارية على قلب رجل واحد تجاه قوات الأمن فذهلت حينما وجدت قوات الأمن المدججة بالأسلحة والمدرعات تفر أمام المتظاهرين كالفئران المذعورة تجاه ميدان التحرير، وظل هذا المشهد سيد الموقف إلى نهاية اليوم كر وفر واستدراج من قبل الثوار لقوات الأمن ثم هجوم مضاد يفر الجنود والضباط أمامهم فيه كالفئران.

لم أكن أصدق ما أراه بعيوني، وكان الزملاء يبثون هذا على الهواء مباشرة على شاشة الجزيرة بعدما تغلبنا على قيام السلطات المصرية بقطع وصلة البث المباشر عنا، صعدت إلى المكتب ركضا في الطابق الخامس من المبني، وما إن دخلت حتى التف الزملاء حولي وكنت منهكا إلى حد بعيد كما أن غاز القنابل المسيلة للدموع كان قد أصاب عيوني بالتهاب شديد وعدم قدرة على أن أفتحها كما أن حلقي كان ملتهبا إلى حد بعيد من الغاز وأشعر أنه يحترق، ولم أكن حتى اللحظة أعرف كيف أتعامل مع غاز القنابل المسيلة للدموع، كان زميلي عبد الفتاح فايد على الهواء مباشرة ولكن عبر الهاتف مع الجزيرة، وما إن رآني حتى أبلغ الزملاء في الدوحة أني قد أفرج عني وأني وصلت إلى المكتب، كنت مجهدا ومتعبا ويملؤني الغضب مما رأيته من ممارسة قوات الأمن ضد الشباب الثائرين، لكن بطولات الشباب في المقابل لا تكاد تصدق وجعلتني أنسى تعبي وهمومي وأعيش همومهم وبطولاتهم التي سيسطرها التاريخ .

أحضر لي الزملاء بيبسي كولا وخلا وطلبوا مني أن أغسل عيوني بالبيبسي وأن أشم الخل وسرعان ما بدأت أستعيد وعيي وطاقتي بعد قليل، واتضح لي بعد ذلك أن معظم الشباب في الشوارع كانوا يحملون زجاجات البيبسي والخل وكانت هي الدواء الناجع لغاز القنابل المسيلة للدموع، بعدما استعدت بعض طاقتي قررت النزول للشارع مرة أخرى حتى أجمع معلومات لزملائي عما يحدث فقد كانت السلطات قطعت عن مكتب الجزيرة كل الهواتف الأرضية كما كانت الهواتف الخليوية في كل مصر معطلة أيضا، ولم يكن هناك سوى هاتف أرضي واحد يعمل في المكتب لم تلتفت السلطات إليه كان هو وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع مكتب الجزيرة في الدوحة، ومن ثم فإن الحصول على المعلومات أصبح أمرا بالغ التعقيد.

طلبت أن يصحبني أحد الزملاء للنزول إلى الشارع فلم أجد أحدا ورغم اعتراضهم على نزولي وحدي إلا أني في النهاية قررت النزول وحدي، وما إن رآني الثوار في الشارع حتى اجتمعوا حولي يروون لي تفاصيل مذهلة عما تقوم به قوات الأمن، وقد أكد لي كثيرون منهم أن قوات الأمن لا تستخدم الرصاص المطاطي فقط وإنما يستخدمون الرصاص الحي وأن كثيرا من الجرحى والشهداء قد سقطوا برصاص حي.

لم يكن لدي دليل حتى ذلك الوقت حتى أبث هذا الخبر لكن الحقيقة بعد ذلك أن الرصاص الحي استخدم وكثير من الشهداء سقطوا بالرصاص الحي، التحمت هذه المرة بصفوف الثوار ففوجئت بأنهم ليسوا فقط من شباب الجامعات أو المثقفين أو المتعلمين الذين دعوا إلى التظاهرات بداية عبر شبكات الانترنت، ولكني وجدت بينهم الفلاحين والعمال البسطاء ومن كل طبقات المجتمع ومن كل الأعمار رجالا ونساء شيبا وشبانا وحتى أطفالا يافعين، بعضهم قال لي إنه جاء من الصعيد وبعضهم جاء من أحياء القاهرة الأخرى وبعضهم جاء من المنصورة وطنطا وغيرها من المدن والمحافظات الأخرى، وأنهم جاؤوا للمشاركة في تظاهرة يوم جمعة الغضب مناصرة للثوار من الشباب.

اقترب مني أحدهم وقال لي “أنا سائق غلبان من الصعيد كرهت الظلم من الحكومة وسأقف إلى جانب هؤلاء وأناصرهم ضد الحكومة الظالمة” اقترب مني آخر وقال: “كل من تراهم هنا لهم مظالم ضد هذا النظام الفاسد” وأذكر أن هذا الرجل وكان في الخمسين من عمره التقاني بعد ذلك في ميدان التحرير وذكرني بنفسه وقال هل تصدق أني جامعي وأعمل في توصيل الطلبات في أحد المطاعم وأنا في هذا السن، جاء بعد ذلك رجل يركض نحوي وهو يحمل طفلا ويبكي قائلا : “هؤلاء الكفرة -ويقصد رجال الأمن- أطلقوا علينا ومعنا نساء وأطفال قنابل الغاز والرصاص المطاطي التجأنا إلى محطة مترو الأنفاق بأطفالنا ونسائنا فهجموا علينا وقذفوا علينا القنابل المسيلة للدموع داخل المحطة، لقد اختنق أطفال كثيرون ومات بعضهم من قنابل الغاز، اطلبوا لنا سيارات الإسعاف“.

كنت أشعر بعجز وضعف شديد أمام ما يحدث حولي، للأسف لم تكن الهواتف تعمل وكان المكان ساحة معركة وكر وفر وتألمت كثيرا لحال الأطفال لكن ماذا يمكن أن أفعل وأين سيارات الأسعاف الآن بل إن السيارات العادية لم تكن تستطيع السير في هذه المنطقة، كل هذا كان يحدث وسط معركة طاحنة بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي من قبل قوات الأمن من جهة وطوب الثوار من جهة أخرى لكن الأمر تطور وفوجئت برجال الأمن يرمون الطوب والزجاجات الفارغة على الثوار أيضا، لكن شيئا عجيبا رصدته في هذا اليوم سواء في ساحة ميدان عبد المنعم رياض أو شارع رمسيس أو بعد ذلك حينما كنت أرصد من مكتب الجزيرة التظاهرات القوية التي كانت على كوبري قصر النيل حيث كان الهواء يأتي مندفعا بقوة من جهة الثوار الذين يريدون الوصول لميدان التحرير باتجاه رجال الأمن الذين كانوا في الجهة الأخرى وهذا كان يعني شيئا مهما جدا في مصلحة الثوار، فقد كان الهواء يرد دخان الغاز للقنابل المسيلة للدموع باتجاه الجنود، كانت القنابل تسقط وسط الثوار لكن الهواء كان يأخذ الغاز في الاتجاه العكسي جهة الجنود وكثيرا ما كانت القنابل تسقط بجوار الجنود فيذهب الغاز كله عليهم، وكان المشهد بحق آية من آيات الله، وكان الغاز في أغلبه يأتي من الجهة الأخرى من النهر من ناحية المهندسين والدقي حيث كانت هناك تظاهرات أخرى وتجمعات كبيرة للثوار، فكان الهواء الذي يحمل الغاز من تلك الجهات حينما يعبر نهر النيل ويأتي للمتظاهرين كان خفيفا إلى حد بعيد صحيح أنه كان يؤثر على العيون والحلق أيضا لكن تأثيره كان أقل من الغاز المباشر الذي كان يصطلي به الجنود، أيضا نجح الثوار و تفننوا في استخدام قنابل الغاز التي كانت تقذف عليهم بحيث يجعلون ضررها يقع على الجنود فقد كان بعضهم يجيد إعادة إلقاء القنبلة على الجنود بعدما يلتقطها بيده من على الأرض فتسقط في وسطهم يساعده الهواء على ذلك، وكان آخرون يحملون دلاء فارغة ودلاء بها ماء أما الفارغة فكانوا يغطون بها القنبلة ويحصرون الغاز داخل الدلو ثم يرفعون الدلو بعد مدة فيكون الغاز قد تبخر وأصبح اثره أقل وآخرون يلقون الماء على القنبلة عندما تسقط فكنت أراها تنطفئ مثل إلقاء الماء على النار، وأذكر أني من خلال تغطيتي للحروب كنت أجد المقاتلين البسطاء يتفننون كذلك في وسائل المواجهة مع الأسلحة العاتية وبسرعة يكتشفون ما يبطلها وقد كان المتظاهرون يتفننون في التعامل مع قنابل الغاز لكنهم لم يكن لهم حيلة مع الرصاص المطاطي والرصاص الحي .

نكمل …

يوميات من ميدان التحرير (2)

a7md

كنت تماما وسط المعركة حينما قررت العودة للمكتب -بعدما قضيت ما يزيد عن ساعة ونصف الساعة وسط التظاهرات- حتى أنقل للزملاء ما يدور في المنطقة، وما رأيته حتى ينقلوه للزملاء في الدوحة في نشرة الساعة الثالثة التي كان قد اقترب وقتها.

قال مرافقي من الأفضل أن نسير بمحاذاة دار القضاء العالي ونقابة المحامين والصحفيين حتى نتجنب الصدامات التي كانت قائمة بين المتظاهرين في شارع الجلاء وقوات الأمن أمام جمعية الشبان المسلمين؛ وبالفعل تحركنا.. لكن، ما إن وصلنا أمام نقابة المحامين حتى وجدت أحد الضباط بلباس مدني يركض نحوي من الجهة المقابلة للشارع وحوله عصابته من الشرطة السرية بلباس مدني، وكان واضحا من طريقته في الهجوم علي أنه قد عرفني لأن آخرين غيري كانوا يمشون في الشارع بشكل عادي دون أن يسألهم أحد عن شيء طالما أنهم لا يشاركون في التظاهرات.

وقف الضابط أمامي وأخذ يصرخ في وجهي بهستيريا وصوت مرتفع عدة مرات متلاحقة: “من أنت ولماذا جئت إلى هنا؟ بينما أحاط بي رجاله من الشرطة السرية من كل جانب ولم أعد أرى أحدا سواهم ،حتى مرافقي لم أعرف أين ذهب؟ قلت له بهدوء: طالما سألتني من أنا فمن المؤكد أنك تعرفني؟ قال: أعطني هويتك الصحفية؟ مددت يدي في جيبي حتى أخرج هويتي فأطبق رجاله الخناق علي وبدأ بعضهم بالاعتداء علي، قاومتهم رغم كثرتهم وصرخت فيه قائلا: “من يضربني سوف أضربه أيها الجبناء”، وكررتها أكثر من مرة بصوت عال غاضب.

فى هذه اللحظة لمحني ضابط آخر، ويبدو أنه عرفني، لأنه صاح فيهم لا تضربوه، لكني رفعت صوتي عليهم وأهنتهم وكدت أضربهم بعدما خففوا الخناق عني لولا أن أحد الذين أمسكوا بي صاح فيهم: ابتعدوا لا تضربوه واتركوه لي.. بينما أخذ الضابط الأول بطاقتي الصحفية وأخذ يركض تجاه ضابط أكبر منه يرتدي الزي المدني، وسمعته يقول له: “أبلغ القيادة” فقد كنت صيدا ثمينا بالنسبة لهم، أوقفوني في البداية وسط سيارات الأمن المركزي التي كانت تقف على جانب الشارع بينما طلب ضابط الأمن المركزي إبعادي عن السيارة، لكن الضابط الذي كان يرافقني طلب من رجال الأمن الذين كانوا يرافقونني أن أبقى مكاني. كنت قريبا من ضباط الأمن وأسمع كلامهم وتوجيهاتهم للقوات وشعرت أنهم في حالة هيستريا وفقدان للتوازن، حيث تكثر الشوارع الجانيبة في تلك المنطقة التي كان الشباب يفرون إليها ثم يفاجئون رجال الأمن بالخروج من شارع آخر، وفي كل مرة كان ضباط الأمن يطلبون مزيدا من القوات وقاذفات القنابل ليخرجوا لمواجهة مزيد من التظاهرات.

بالنسبة لي يبدو أنهم حينما اتصلوا بالقيادة طلبوا منهم إبقائي رهن الاعتقال، وهذا كان اختطافا لأني صحفي أقوم بواجبي وعملي وليس من حق أحد اعتقالي أو احتجازي أثناء قيامي بأداء عملي، لم أكن أعلم شيئا عن مرافقي لكني علمت بعد ذلك أنه أفلت بذكاء شديد من بين أيديهم حينما وجدهم مشغولين باعتقالي وكأني صيد ثمين بالنسبة لهم وذهب إلى مكتب قناة الجزيرة وأبلغ الزملاء بالاعتداء علي واختطافي من قبل رجال أمن بلباس مدني وبث الخبر مباشرة على شاشة الجزيرة.

بعد قليل طلب الضابط من رجال الأمن الذين كانوا يحيطون بي أن يدخلوني إلى العمارة رقم 47 شارع رمسيس وأن يحتفظوا بي في المدخل بعدما كان كثير من الناس الذين يمشون في الشارع يتعرفون علي وبعضهم كان يتجه نحوي للسلام علي ثم يفاجأ أني بقبضة البوليس السري.

ومن الطرائف التي أذكرها هنا، أن أحد الناس الذين كانوا يمرون في الشارع لمحني من بعيد فاعتقد أني أقف في الشارع فجاء نحوي مسرعا وحياني وقال لي: هل تسمح لي بصورة معك؟ قلت له: أنا مقبوض علي ومحتجز من قبل الأمن، امتقع المسكين وهرول بعيدا وهو يلملم أطراف نفسه، وطرفة أخرى أن أحد رجال الأمن جاءني وأنا رهن الأعتقال وقال لي هل يمكن أن تعطيني بطاقة لك أريد أن أفخر أمام أهلي أني قابلتك، قلت له: يمكنك أن تفخر أمامهم أنك شاركت في اعتقالي، استحى الرجل وقال لي : لو كان الأمر بيدي لأطلقت سراحك فورا فأنت تستحق التقدير لا الاعتقال.

بقيت في مدخل العمارة أرقب ما يدور وأستمع لما يحدث في المنطقة واعتبرتها جزءا من مهمتي في رصد ما يحدث وشاهدت أشياء كثيرة من أهمها أن رجال الأمن الذين كانوا يرتدون اللباس المدني ويتحركون للقبض على المتظاهرين واعتقالهم مع الضباط معظمهم من المجرمين والبلطجية ورجال السوابق ومرشدي الأمن الذين يعمل بعضهم في وظائف مدنية عادية، كما أن الكثير من سائقي سيارات الميكروباص الذين يعملون معهم كانوا موجودين بسياراتهم حتى يضعوا المقبوض عليهم في السيارات حينما تضيق سيارات الأمن الكبيرة بهم.

وسمعت أحد رجال الأمن وهو يقول للآخر، كلما مر ضابط ومعه عصابته حوله، “فلان بيه وعصابته”، وبعد قليل يمر آخر فيقول “فلان بيه وعصابته”، فأدركت أن معظم هؤلاء الضباط مجرمون يستخدمون مجرمين لمهاجمة الشباب وتجاوز كل حقوق الإنسان والتعدي على الشعب.

لم أتخيل مطلقا أن أجد ضابطا مصريا يقتل مصريا بغل وحقد وكراهية كما شاهدت هؤلاء الضباط الذين كانوا يطلقون الرصاص المطاطي والقنابل على المتظاهرين الذين كانوا يتساقطون جرحى فيحملون بعضهم إلى الصفوف الخلفية ثم إلى المستشفيات وكأنما هم جنود في معركة بينما يواصل الآخرون مواجهة رجال الأمن الذين يحمون النظام الفاسد.

وقلت في نفسي من المستحيل أن يقوم ضابط مصري بإطلاق النار على أخيه المصري بهذه الطريقة إلا بعد أن يتم شحنه نفسيا بالكراهية والحقد والغل، وأيضا منح الامتيازات المالية والوعود والأماني حتى يمارس القتل والاجرام لصالح الفاسدين الكبار، وكأنه مرتزق مأجور بدلا من أن يحمي الناس يقتلهم.

مر علي حوالي ساعة ونصف الساعة وأنا في حالة الاختطاف هذه، أو الاعتقال، لم أتبرم لأني كنت أشاهد بقية المشهد الدامي وأعرف المزيد من التفصيلات من خلال متابعتي لرجال الأمن الذين دخلوا مرحلة من الارهاق والتشتت من المؤكد أنهم لم يحسبوا حسابها، لا سيما مع الشجاعة المذهلة التي وجدتها من الشباب وهم يواجهون الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع بصدور عارية وشجاعة متناهية وبسالة مذهلة.

لاحظت أن الضباط يستخدمون الحمام الخاص ببواب العمارة التي كنت محتجزا فيها ومن ثم كانوا يدخلون تباعا إلى العمارة ليقضوا حاجتهم، إلى أن جاء ضابط يبدو عليه أنه من ضباط أمن الدولة وحينما وجدني كأنما فوجئ بوجودي، كنت ممتلئا من داخلي بالغضب على ما يحدث للشباب وحينما تكلم معي صببت عليه جام غضبي وكأني غاضب لنفسي وليس لهم، وقلت له أني لن أتهاون مع هذا الضابط الذي اختطفني من الشارع ولن أتسامح مع من اعتدوا علي وإذا لم تخرجوني فورا من المكان فإني أحملكم مسؤولية سلامتي لا سيما وأني قد عرفت أسماءهم جميعا ومناصبهم وسوف ألاحقهم.

قابل هذا الضابط غضبي بإنصات وهدوء، وحاول أن يمتص غضبي وتفهم وطلب مني أن أهدأ ووعدني أن يرد إلي حقي خلال دقائق، وأبلغني أنه يتابع برامجي هو ووالده وقد تعلم كثيرا منها لا سيما “شاهد على العصر” وقال لي: سوف تخرج فورا لكن سأرد إليك حقك أولا لأنك “شخص محترم ويجب على الجميع احترامك”.

هدأت كثيرا بعد كلماته وما هي إلا دقائق معدودة حتى وجدته يعود إلي ومعه بطاقتي الصحفية والضابط الذي اختطفني من الشارع؛ وقال لي “لقد أحضرته حتى يعتذر إليك”، قلت له بغضب شديد: “لن أقبل اعتذاره وأنا أعرف وجهه وعرفت اسمه وسوف آخذ حقي منه في ما بعد لأني لن أتسامح مع من اعتدوا علي، أخذ الضابط الذي اختطفني يلح علي في قبول الاعتذار وحاول أن يقبل رأسي فأبعدته ولم أجبه وتوعدته، قال الضابط الآخر الذي أفرج عني: إلى أين تريد أن تذهب؟ قلت سأعود إلى مكتب قناة الجزيرة في ميدان عبدالمنعم رياض” قال : لن تستطيع فهناك اشتباكات شديدة ومشتعلة هناك والأفضل أن تتجه لشارع رمسيس أو منطقة العتبة، قلت له لا حاجة لي بشارع رمسيس أو العتبة ولا بد أن أعود إلى المكتب فزملائي ينتظرونني، قال لي: أريد أن أؤمن خروجك من هذا المكان حتى لا أتحمل أية مسؤولية تجاهك. قلت له أنا أعرف طريقي وسوف أذهب. قال إذن اسمح لي أن أرسل لك مرافق من مساعدي يصحبك إلى هناك، ونادى على أحد مساعديه حتى يصحبني لكن قنابل الغاز المسيل للدموع التي يحملها الهواء القادم من ناحية ميدان عبد المنعم رياض لم تمكنا من المسير أكثر من عشرة أمتار، فقد كانت كثيفة وغزيرة وعبأت الهواء كله بالرذاذ حتى الجنود كانوا لم يستطيعوا تحملها.

بقيت بعض الوقت في شارع رمسيس، لكن برغبتي هذه المرة وحينما طلب مني أحد الضباط أن أمشي قلت له: أنا محتجز من قبلكم حتى يتركني فابتعد عني. لكني كنت أقف حتى أرصد باقي المشهد فوجدت رجال الأمن في وضع بائس أمام بطولات الشباب وصمودهم.

جاءني الضابط الذي أفرج عني مرة أخرى وقال: سأحضر سيارة حتى تنقلك إلى شارع رمسيس. لكني رفضت وقلت له سأعود لمكتب الجزيرة مهما كان الثمن، حينما لاحظ تصميمي قال لي: إذن اسمح لي أن أصحبك وبالفعل جاء معي ولكن لعدة أمتار فقط فقد كان غاز القنابل المسيلة للدموع القادم من ناحية ميدان عبد المنعم رياض لم يتوقف وكان كثيفا بشكل مريع، التجأت إلى أحد المباني في الطريق وقلت له: سأواصل أنا الطريق ويمكنك أن تعود، حاولت طوال نصف ساعة من الوقت أن أتوجه لميدان عبد المنعم رياض لكن المعركة بين الشباب وقوات الأمن كانت حامية الوطيس، ومثلها في شارع الجلاء وشارع رمسيس حتى كانت قوات الأمن مشتتة وتخوض معارك طاحنة ضد شباب أعزل لكنه قرر أن يشتري حريته بدمائه وأن يحرر مصر من اللصوص الذين سطوا عليها.

حتى هذه اللحظة لم أكن أعرف كيف أتعامل مع الغاز المسيل للدموع، لكني قررت أن أتوجه ركضا إلى ميدان عبد المنعم رياض، وأن أحتمل الغازات ما استطعت حتى أصل للمكتب، لكني ما إن وصلت للميدان حتى هالني ما رأيت

يوميات من ميدان التحرير : يوم الجمعة الدامي (1)

332

خرجت مثل مئات الآلاف من المصريين في ذلك اليوم الجمعة الثامن والعشرين من يناير عام 2011 لأشارك المصريين في يوم الغضب، وذلك امتدادا لثورة الشباب التي انطلقت في الخامس والعشرين من يناير -والتي لم أكن محظوطا للمشاركة في بدايتها حيث كنت خارج مصر-، ولأن الصحفيين شهود يؤدون شهادتهم للتاريخ فقد حرصت من اللحظة الأولى أن أكون وسط الناس أنقل نبضهم وأسجل مطالبهم.

ذهبت صباحا إلى مكتب قناة الجزيرة في ميدان عبد المنعم رياض، المواجه لميدان التحرير حتى أشارك الزملاء تغطيتهم لهذا الحدث المهم، وقد تم ترتيب الزملاء وتقسيمهم إلى مجموعات انطلقت إلى أماكن مختلفة في القاهرة لتصوير التظاهرات التي كانت ستنطلق من المساجد بعد صلاة الجمعة لتتوجه جميعها في النهاية إلى ميدان التحرير.

وبعد مشاورات مع الزملاء أجمعوا على ألا أذهب بعيدا لأني سأكون هدفا لقوات الأمن حسب تقديراتهم والأفضل أن أصلي معهم قريبا من المكتب، قررت أن أذهب لأداء الصلاة في مسجد عمر مكرم الذي يقع في ميدان التحرير الذي حدده شباب الثورة ليكون مكانا لتجمع المظاهرات، لكني فوجئت بأن الميدان مغلق من قبل قوات الأمن وأبلغوني أن صلاة الجمعة ألغيت في مسجد عمر مكرم وأمروني كما أمروا الجميع بالعودة.

ذهبت لأقرب مسجد بجوار مكتب قناة الجزيرة قريبا من مبنى التليفزيون وأديت الصلاة في الشارع مع جموع الناس، وكان معي بعض الزملاء الذين قرروا العودة للمكتب فأخبرتهم أني سأذهب إلى شارع رمسيس لمتابعة التظاهرات القريبة لا سيما عند نقابة المحامين بعدما تم تفريغ نقابة الصحفيين من المتظاهرين فيها بالقوة -يوم الخميس- وأجمع لهم بعض المعلومات عما يدور هناك، فأنا صحفي ميداني ولا أحب الحصول على المعلومات في المكاتب، وأخبرتهم أني إذا لم أعد خلال ساعتين فعليهم أن يدركوا أني قبض علي أو أصبحت مفقودا، لم أجد أحدا في البداية يصاحبني فقررت الذهاب وحدي رغم مخاطر ذلك لكن أحد الزملاء قرر في اللحظة الأخيرة أن يصاحبني.

ما إن دخلنا إلى شارع رمسيس من ناحية ميدان عبد المنعم رياض حتى وجدنا حشودا هائلة من قوات الأمن محتشدة إلى جوار معهد الموسيقي العربية وجمعية الشبان المسلمين، فيما كانت قوات أخرى تحيط بنقابة المحامين التي كان فيها مجموعات من المحامين محاصرة لا يستطيع أحد أن يدخل إليهم وهم لا يستطيعون الخروج إلى الشارع، وسط الحشود الهائلة لقوات الأمن التي كانت متحفزة كانت هناك سيارتان لقوات الأمن مدرعتان من قاذفات القنابل تقفان في مواجهة نقابة المحامين مستعدتان للتوجه إلى أي مظاهرة تتحرك في المنطقة.

كان هناك عدد كبير من سيارات الأمن المركزي تقف في شارع رمسيس وشارع 26 يوليو بينما كان المئات من رجال الأمن بالزي المدني الذي يرتديه عامة الناس يقفون مجموعات حول ضباط المباحث وضباط أمن الدولة الذين يرتدون الملابس المدنية غير التشكيلات التي كانت ترتدي الزي العسكري، وكانت كل مجموعة من هؤلاء الذين يرتدون الملابس المدنية يحملون الهروات الخشبية بينما آخرون لا يحملون شيئا وعلمت أن هؤلاء يندسون وسط المتظاهرين ويختطفونهم بينما كان الكثيرون منهم ينتشرون في الطرقات يتنصتون على الناس ويرصدون تحركاتهم.

كان زميلي يعرف كثيرا من السيناريوهات التي تتم في مثل هذه المواجهات، لذا طلب مني أن أتمالك نفسي ولا أنفعل لأي شيء أراه أمامي، وأن أحرص أن أكون هادئا، وفي النهاية فإني صحفي جئت لنقل الحقيقة إلى الناس. ثم طلب مني أن أخرج بطاقتي الصحفية وأن أضعها في جيب متاح لأنها ستطلب مني كثيرا في ظل هذا العدد الهائل من رجال الشرطة السرية ورجال الأمن الذين من السهل عليهم التعرف علي ومحاولة إبعادي عن المكان.

كنت ألتزم بما يقوله لي لأني في النهاية أريد البقاء والاطلاع على كل ما يحدث لأعود للزملاء بحصيلة كبيرة من المعلومات كشاهد عيان نقدمها للمشاهدين رغم عدم وجود كاميرا معي.

ما أن وصلنا إلى تقاطع الإسعاف حتى سمعنا صوت أول تظاهرة قادمة من شارع رمسيس باتجاهنا ويبدو أنها كانت قادمة من مسجد قريب سرعان ما تحرك نحوها رجال الشرطة السرية فأحاطوا بها، وكان كثيرون منهم مندسين داخلها ومن آن لآخر كانت كل مجموعة منهم يخرجون بأحد الشباب يحيطون به ويضربونه ثم يأخذوه إلى سيارة أمن مركزي كبيرة يدخلونه فيها وقد رأيت معظم الشباب يقاومون رجال الأمن بقوة ويمشون بعد ذلك بعزة رافعي الرؤوس تجاه سيارات الأمن، وحينما وصلنا أمام سيارة الأمن كانوا يدخلون لها أحد الشباب وصاح الضابط قائلا: “هذا رقم 25″.

لا أنكر أني كنت أفور من داخلي وهممت أكثر من مرة أن أهجم عليهم حتى أخلص أحد الشباب من بين أيديهم، بينما كان زميلي يلح علي أن أتمالك نفسي حتى نكمل مهمتنا.

كان رجال الأمن يتعاملون بهستيريا مع الجميع ويضربون الصحفيين ويكسرون كاميراتهم، حتى أني وجدتهم يضربون شخصا يحمل كاميرا بقسوة تبين لي أنه غربي وحينما حملوه إلى الضابط أخرج جواز سفره فتركوه بعدما أوسعوه ضربا، ثم جاء ناحيتي وهو يلهث ويلملم نفسه قلت له: من أين أنت؟ قال من فرنسا؟ قلت له هل أنت صحفي؟ تلعثم لا أعرف خوفا مني أن أكون من الشرطة السرية أم من الضرب المؤلم الذي تعرض له في كل أجزاء جسده، قلت له: لا تخف أنا صحفي مثلك وأخرجت له هويتي حتى يطمئن، لكن صراخ رجال الأمن فينا أن نتحرك بسرعة من المكان جعله يلملم حاجاته ويختفي، كنت أدرك أن أوامر صارمة صدرت لرجال الأمن أن يقتلوا الحقيقة عبر مهاجمة الصحفيين والاعتداء عليهم وكسر كاميراتهم من اللحظة الأولى.

بعد اختطاف عدد كاف من الشباب صدر الأمر للسيارتين اللتين تقذفان القنابل أن تتوجها للمسيرة وبالفعل جاءت السيارتان ووقفتا بمحازاتنا تماما، حيث كنا على أطراف التظاهرة من ناحية رجال الأمن، وسرعان ما بدأتا تمطران المتظاهرين بوابل من القنابل المسيلة للدموع بشكل هستيري حاقد وكأنهم يقاتلون أعداء وليسوا أخوانا لهم في الوطن، وكانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها بشكل مباشر مثل هذه المواجهات القاسية من قبل رجال الأمن تجاه المتظاهرين، حيث كانت بالفعل حربا غير متكافئة.

لقد غطيت عدة حروب، ورأيت كيف يتعامل السوفييت مع الأفغان والأمريكان مع العراقيين والصرب مع مسلمي البوسنة والهرسك، لكنها كانت المرة الأولى لي التي أرى فيها مصريين يطلقون فيها القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي القاتل، وبعد ذلك الرصاص الحي على مصريين مثلهم، وهذا ما كان يجعل الدماء تغلي في عروقي وتلح علي أن أتجاوز الموقف كشاهد إلى مشارك مع المتظاهرين، لكن بطولة الشباب وعنادهم ومواجهتهم البطولية لرجال الأمن كانت تشفي غليلي وتملأ نفسي بالأمل واليقين أن الدولة الأمنية في مصر تسقط أمامي، الآن في هذا اليوم المجيد، طالما أن المصريين قرروا أن يحرروا بلادهم من مختطفيها الذين يحكمونهم، يحرروها بدمائهم التي بدأت تسيل أمامي في يوم الجمعة الدامي. تفرق الشباب بعد إطلاق الغاز المسيل للدموع عليهم بكثافة رهيبة ودخل كثيرون منهم شارع سوق التوفيقية المتفرع من شارع رمسيس وشوارع جانيبة أخرى.

أذهلني ما رأيت بعد ذلك فقد تحركت إحدى السيارتين القاذفتين للقنابل ووقفت على رأس الشارع وخرج منها ضابط برتبة نقيب وأخذ يطلق الرصاص المطاطي بشراسة وحقد دفين على المتظاهرين وبشكل مباشر مع كم هائل من القنابل المسيلة للدموع وصاح رجال الأمن فينا أن نتحرك بعيدا.

بعدما بدأ التوتر الشديد يخيم على المشهد، طلب مني مرافقي أن نبتعد لكني طلبت منه أن نبقى قليلا ووقفنا بالفعل لنجد شيئا زاد ذهولي، فقد تجمع الشباب مرة أخرى وبسرعة فائقة وقاموا وهم عزل بهجوم مضاد على رجال الأمن الذين وجدتهم يتقهقرون أمامهم كالفئران المذعورة رغم ما في أيديهم من سلاح وعتاد وقوة، ثم تراجع الشباب مرة أخرى بعدما فر رجال الأمن ولا أدري أين ذهبوا لكني سرعان ما وجدت السيارات القاذفة للقنابل تتحرك تجاه شارع 26 يوليو مع أعداد كبيرة من رجال الشرطة السرية والضباط وحتى الجنود، وقال مرافقي من المؤكد أن هناك مظاهرة أخرى قادمة من هذا الشارع، لكني فوجئت بأن الشباب لديهم خطة مدروسة وهي إنهاك رجال الأمن في هذه الشوارع الفرعية الكثيرة الموجودة في تلك المنطقة ـوهذا ما قاموا به بالفعل- لأني سرعان ما سمعت أصوات تظاهرة أخرى قادمة من جهة بولاق أبو العلا وصحيفة الأهرام اتجهت نحوها قوة أخرى من رجال الأمن وبعض السيارات ثم ظهر تجمع ثالث قادم من ناحية مسجد الفتح في شارع رمسيس، فأسقط في يد الأمن وأصبح يتعامل بهستيريا وقسوة شديدة مع الموقف ولا يعرف من أين يمكن أن يلاحق التظاهرات التي جاءت من كل مكان.

أخذت قوات الأمن تتبعثر فيما كان الضباط يصدرون الأوامر بسهتيريا إلى الجنود الاحتياطيين الذي كانوا لا يزالون في السيارات أن ينزلوا ويشاركوا زملاءهم الهجوم على التظاهرات التي كانت تنشق الأرض من كل شارع وتخرج تهتف بسقوط مبارك ونظامه، فيما بدأت القوات تتبعثر وتطلق القنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي بغزارة شديدة فأصبحنا في ساحة حرب حقيقية أبطالها شباب مصري عزّل خرج يحرر بلاده من الفاسدين الذين سطوا عليها ويحكموها وجنود هذا النظام الفاسد الذي كان يتعامل مع المصريين بامتهان واستلاب لثرواتهم وآدميتهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة.

أصبح دخان القنابل المسيلة للدموع يغطي المكان بشكل مريع لا سيما وأن الهواء كان يحرك كما هائلا من الدخان من ناحية ميدان عبد المنعم رياض، الذي نظرت إليه فوجدته مشتعلا بتظاهرات أخرى وقوات أخرى من الأمن تواجهه، تتمركز في ناحية المتحف المصري وميدان التحرير.