lundi 24 décembre 2012
samedi 23 juin 2012
vendredi 22 juin 2012
جـيفارا : إن من يقول أن نجم الثورة قد أفل، فإما أن يكون خائناً أو متسلطاً أو جباناً

((( أقوال لاتُنسى )))
"إن من يقول أن نجم الثورة قد أفل، فإما أن يكون خائناً أو متسلطاً أو جباناً....فالثورة ماضية كالبرق، قوية كالفولاذ، متأججة كاللهب، عميقة كحبنا الوحشي للوطن....ولكن شجرة الحرية لا تروى إلا بالدماء .. وما قدمناه لم يكن سوى بذرة تلك الشجرة".
إرنســـتو تشي جـيفارا
Ernesto Che Guevara
samedi 3 mars 2012
تركيا: نظام الأسد يرتكب جرائم حرب
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- أدانت تركيا بشدة، يوم السبت، ما وصفته بالفظاعة التي يرتكبها نظام الرئيس السوري بشار الأسد ضد نشطاء المعارضة التي تطالب بإسقاط حكمه منذ نحو عام.
ونقلت وكالة أنباء الأناضول عن وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو قوله إن "على المجتمع الدولي أن يقول للنظام السوري أن الفظاعة هذه لا يمكن أن تستمر."
وقال أوغلو يوم السبت إن حملة الرئيس السوري ضد معارضيه تحمل سمات جرائم حرب، مضيفا أن النظام السوري "يرتكب جريمة ضد الإنسانية كل يوم."
وأضاف أوغلو خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الايطالي جوليو تيرتسي في إسطنبول، أن على تلك الفظائع أن تتوقف.. وأن الحكومة السورية يجب أن هذه الرسالة القوية يمكن إيصالها عبر أساليب مختلفة."
وأشار الوزير التركي إلى أن بلاده تجري استعدادات لتنظيم اللقاء الثاني لمجموعة "أصدقاء سوريا" خلال شهر مارس/آذار الجاري.
وتستضيف أنقرة قيادات الجيش السوري الحر الذي تكون من ضباط وجنود منشقين عن الجيش النظامي، كما تستضيف عددا من نشطاء المعارضة، وتنسق مع الغرب لإيجاد مخرج للأزمة السورية.
vendredi 17 février 2012
mercredi 16 novembre 2011
نزلت وقلت أنا مش راجع
نزلت وقلت أنا مش راجع
وكتبت بدمى فى كل شارع
سمعنا اللي مكنش سامع
واتكسّرت كل الموانع
سلاحنا كان أحلامنا
وبكرة واضح قدامنا
من زمان بنستنى
بندور مش لاقيين مكاننا
فى كل شارع فى بلادى
صوت الحريه بينادى
فى كل شارع فى بلادى
صوت الحريه بينادى
رفعنا راسنا فى السما
والجوع مبقاش بيهمنا
أهم حاجة حقنا
ونكتب تاريخنا بدمنا
لو كنت واحد مننا
بلاش ترغى وتقول لنا
نمشى ونسيب حلمنا
وبطل تقول كلمة أنا
فى كل شارع فى بلادى
صوت الحريه بينادى
فى كل شارع فى بلادى
صوت الحريه بينادى
مطلوب زعيم : بالاختصاااااار مطلوب دكر
مطلوب زعيم
مطلوب زعيم
لشعب طول عمره عظيم
لشعب كان فاعل زمان
لكنه هان
حتى انه ثار
بإيدين كبار وإيدين صغار
مفعول به بيقسموا ويفرقوا
و يقطعوا فى عين اللي جابوا
واللى جابوا ابوه
علشان يموت او ينتهى
مطلوب زعيم
لشعب حكامه خانوه
وتوهوه وغيبوه واللي انتبه منه
وفاق غموله عينه كمموه
وسلموه فى المعتقل
لكلاب جعانه يقطعوه
لكنه رغم القهر قام زئر وزام
وفى اسبوعين زلزل حصون الجلادين
هد النظام فوق راس جميع المفسدين
مطلوب زعيم
يحمى الحدود
يعدل ما بين الناس تمام زى الفاروق
ويكون حنين على الفقير
وع اللي فاسد يفترى
يهدم على دماغه الشقوق
ويعقله فى المشنقه
او يرفعوا على راس خذوق
مطلوب زعيم
ميقولش على الخواف حكيم
ويكون كمان سمعه سليم
يسمع لنبضة قلبنا
ويكون مكانه فى وسطنا
ما يعيشى ابدا فى القصور
والبعض منا للأسف ساكنين قبور
يشرب و ياكل اكلنا
و يعيش كواحد مننا
يسمعلنا ويشور وياخد راينا
وقت الخطر نتلم حواليه كلنا
ونضحى وياه بعمرنا
مطلوب زعيم
ع المسؤليه يكون امين
ويكون جرئ ويكون شجاع
مش امعه وحته بتاع
يعرف يقول للظلم لأ
ويموت ولا يفرق فى حق
مطلوب زعيم
نقدر نحاسبه بالقانون
اونعزله لو للامانه يوم يخون
لا يشترط للشكل ايه
لا يشترط للسن ايه
لا يشترط للمله ايه
شرطه الوحيد يكون بشر
بالاختصاااااار مطلوب دكر
samedi 12 novembre 2011
سفير الأسد يوجه ألفاظًا نابية ضد العربي
وخلال المؤتمر الصحفي عقب ختام الاجتماع، رفض حمد الرد على تجاوزات السفير السوري، ضده وضد الأمين العام للجامعة.
جاءت إساءات السفير السوري عقب صدور قرار خاص بتعليق عضوية سوريا، اعتبره يوسف بأنه "خيانة وتمهيد للتدخل الأجنبي في بلاده".
وقال بن جاسم، ردا علي سؤال بهذا المعني خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد بعد ظهر اليوم بمقر الجامعة بالقاهرة "تربيت بطريقة لا تسمح لي بمجاراة مندوب سوريا بهذا الأسلوب"، وأكد أن سوريا دولة "عزيزة" لأنها من المؤسسين لجامعة الدول العربية وقال: "نحن ليس لنا مصلحة ولا للمجلس ولا لأي دولة عربية في تنفيذ أي مخططات ضد سوريا ولسنا مندوبين أو نتحرك لمصلحة أي جهة أجنبية".
وتابع بن جاسم، مؤكدا على ضرورة التصرف بحكمة في مثل هذه الظروف من أجل التواصل إلى حل يحفظ سوريا وشعبها وليس التصرف بعصبية وتشنج، بحسب قوله، في مثل هذا الوضع الحساس البالغ التعقيد.
ونفي الدكتور نبيل العربي، الأمين العام للجامعة العربية، وجود أي طلب للتدخل الأجنبي في سوريا وقال: إن كل ما ادعاه المندوب السوري في هذا الصدد لا أساس له من الصحة، مشيرا إلى إعطاء سوريا أربعة شهور كمهلة وأن الجامعة تحركت خلال هذه الفترة لكن، النظام السوري لم يتوقف عن العنف والقتل.
وقال العربي: إنه إذا إلتزمت سوريا بهذه القرارات والوقف الفوري للممارستها، فسوف يعيد المجلس النظر في قراراته.
lundi 7 novembre 2011
الرفيقان جيفارا وكاسترو... أسقطا الظلم والاستبداد
في تاريخ كل أمة رجال عظماء قادوا النضال والكفاح في سبيل تحرير أوطانهم والوصول بها إلى بر الأمان... واستطاعوا بما لديهم من قدرات خاصة وموهبة في القيادة وشجاعة وإقدام أن يحققوا أهداف وطموحات شعوبهم، وأيضا نجوم ومشاهير قدموا الكثير وحفروا أسماءهم في ذاكرة الناس وصفحات التاريخ كل في مجاله، فنالوا كل تكريم واحترام وحفظهم التاريخ في ذاكرته.
وفي حياة كل عظيم «رجل ثان» كان معه يشد من أذره ويسانده ويدعمه ويقف بجواره في أصعب المواقف وأحرج اللحظات وكان له بمثابة الذراع اليمنى... ومن هؤلاء من اكتفى بهذا الدور وارتضى أن يظل دائما في الظل وربما ينساه التاريخ، ومنهم من أراد أن يحقق ذاته هو الآخر وأن يقفز إلى مكانة الرجل الأول ووصل بعضهم بالفعل إلى هذه المكانة، ولكنهم احتفظوا بولائهم واحترامهم لزعمائهم، وساروا على دربهم وأكملوا مسيرتهم... ومنهم من ضعف إيمانه وانساق وراء شيطانه وانقلب على زعيمه فقتله أو عزله واحتل مكانه ليحقق ذاته أو عن اقتناع منه بأنه هو السبب في كل ما تحقق من إنجازات، ومن ثم يرى نفسه الأحق باحتلال الصدارة.
«الراي» في سلسلة حلقات «الرجل الثاني في حياة العظماء والمشاهير... رجل ثان» تلقي الضوء على حياة هؤلاء الرجال وكيف كانوا سببا في ما وصل إليه بعض العظماء من مجد وشهرة بفضل مساندتهم المخلصة لهم. وكيف تحول بعضهم إلى عظماء هم أيضا وصنعوا لأنفسهم تاريخا لا يقل عن تاريخ العظماء الذين اتبعوهم في بداية حياتهم .
كما ترصد في دقة تفاصيل العلاقة التي تجمع بين الاثنين من البداية وحتى النهاية، وتستعرض مسيرة الرجل الثاني منذ ولادته، وكيف تعرف على الرجل الأول أو زعيمه، والاسباب التي دفعته للانضمام إليه ومرافقته كفاحه الطويل ، وبعض المواقف التي برز دوره فيها بوضوح.
وخلال «15» حلقة نتناول عددا من الشخصيات المؤثرة في التاريخ سواء في أوطانهم أو على المستوى العالمي... منهم الساسة والقادة العسكريون ورجال الفكر والأدب.
كذلك تعرض الحلقات لبعض قصص النجاح في الوسط الفني التي كان الرجل الثاني فيها سببا مباشرا في سطوع نجم الفنان وبلوغه قمة المجد والشهرة.
رغم أن عمره كان قصيرا، فإنه حقق شهرة عالمية غير مسبوقة ولايزال حتى الآن رمزا من رموز النضال في العالم أجمع... عرف عنه الإخلاص والتفاني من أجل نصرة رفاقه، فكان خير داعم ومساند للعديد من الثورات... إنه «تشي جيفارا» الذي لعب الدور الأبرز في مساندة ومؤازرة رفيقه الثائر الكوبي «فيدل كاسترو»... وظل خلفه إلى أن انتصرا معا على الظلم والطغيان، وعندما وصل الأخير إلى الحكم لم يتركه رفيقه جيفارا، بل ظل بجواره أيضا يضع معه خطط النهوض بالبلاد ويروج لأفكار الثورة في العالم، وهو ما نجح فيه بفضل «الكاريزما» المميزة له، وبذلك كان «تشي» بمثابة الرجل الثاني في حياة ونضال الزعيم الكوبي كاسترو، وإليه يرجع الفضل في نجاح ثورته.
النشأة
ولد أرنستو جيفارا دي لا سيرا في الأرجنتين في 14 مايو من العام 1928 - وبحسب موقع ويكيبيديا الإلكتروني - كان والده مهندسا معماريا، أما أمه فكانت بريطانية الأصل وتدعى «سيرينا لاسيليا دي»، وعندما بلغ الثانية من عمره أصيبت رئتاه بالربو، وكانت والدته في حرصها على حياته، تلف جسده بالقطن خوفا من الشمس والرطوبة والهواء، وكانت تسهر معه الليالي، فتعلق الصغير بها في شدة، وعندما اعتقلت الشرطة الأرجنتينية والدته وهو في الرابعة عشرة من عمره، كانت صدمة قاسية أن يرى أمه التي أمضت السنوات وهي تلازمه لحظة بلحظة خوفا على صحته، وتسهر الليالي قربه سجينة القضبان وتعذب على أيدي بعض القساة من دون أن يستطيع أن يفعل شيئا، ومن هنا أدرك معنى الظلم وشعر كم هو قاس أن يكون مظلوما.
ومن هنا بدأت الميول الثورية تتفتح لدى الفتى. وبعد إطلاق الأم استكملت تعليم ابنها الأساسي في المنزل، فعلمته الفرنسية إلى جانب الإسبانية، وحرص على القراءة منذ الصغر مستغلا مكتبة والده الضخمة، وأجمعت آراء من اقتربوا منه على أنه كان يحمل داخله تناقضا عجيبا بين الجرأة والخجل، وكان دافئ الصوت، كما كان جذابا وفوضوي المظهر في الوقت ذاته.
اضطرت العائلة إلى ترك العاصمة الأرجنتينية والانتقال إلى مكان أكثر جفافا؛ لأجل صحة الفتي العليل، وفي أثناء ذلك كان اللقاء الأول بين أرنستو والفقر المدقع والوضع الاجتماعي المتدني في أميركا اللاتينية.
في مارس 1947 عادت الأسرة إلى العاصمة ليلتحق الفتى بكلية الطب، وعند نهاية المرحلة الأولى لدراسته حين كان في الحادية والعشرين من عمره، قام بجولة طويلة استمرت نحو «8» أشهر على الدراجة البخارية نحو شمال القارة مع صديقه «البيرتو جرنادو»، وكان خط الرحلة من أميركا اللاتينية إلى بلدان عدة منها: بوليفيا، وبيرو، والإكوادور، وبنما، وكوستاريكا، وجواتيمالا، وعايش معاناة الفلاحين والطبقة الكادحة من العمال، وفهم طبيعة الاستغلال الذي يعانون منه، بعدها أدرك أن مهنته الحقيقية ليست الطب... ويعود جيفارا إلى المنزل، ويقول لوالده إنه لن يمارس الطب، ولن يفتح عيادة، ولن يستقبل الزبائن، ولن يتزوج ويستقر في بيت هادئ، ولن ينجب الأطفال، بل سيرحل... ونام أرنستو تلك الليلة وفي الصباح غادر المنزل.
لقاء كاسترو
سافر جيفارا في العام 1953 إلى كولومبيا ليتعرف على الثورة التي كانت مشتعلة فيها، ثم هاجر إلى المكسيك التي كانت ملجأ للثوار من أميركا اللاتينية، وفي العام 1955 قابل «هيلدا» المناضلة اليسارية من «بيرو» في منفاها في جواتيمالا، فتزوجها وأنجب منها طفلته الأولى، هي التي اعتنت به وقدّمته لـ «نيكو لوبيزا» أحد ملازمي الثائر الكوبي «فيديل كاسترو»، وسمع منه عن أهداف الثورة الكوبية والنضال الذي يقوده كاسترو من أجل الحصول على الحقوق المسلوبة وتوفير الحياة الكريمة للشعب... أعجب جيفارا بهذا التفكير الذي تطابق إلى حد بعيد مع تفكيره، واشتاق للقاء كاسترو وهو ما حدث بالفعل في العام 1955، وكان لقاء مميزا واستمر لأكثر من «8» ساعات كاملة، تعرف كل منهما على تفكير الآخر الثوري وشرح كاسترو لجيفارا الأسباب التي دفعته للقيام بعدة ثورات ضد النظام الحاكم في بلاده، موضحا أنه حضر إلى المكسيك كي يعد رجاله للعمل الحاسم.
نجاح الثورة
كان كاسترو وجيفارا من بين الناجين من المعركة، وعندما اقتربا من الفلاحين الفقراء بدأ كل منهما يبث أفكاره فيهم ويبصرهم بحقوقهم ومدى الظلم الواقع عليهم، وفي هذه الفترة برز دور جيفارا الداعم والمساند لرفيقه كاسترو، فلم يتركه يوما ولم يتخل عنه أبدا... واستطاع الاثنان إقناع الفلاحين بمبادئ وأهداف ثورتهم، وكانت كلمات جيفارا قوية شديدة التأثير في نفوس الكثيرين، وكانت تضرب على حماسهم وشعورهم بالظلم الكبير الذي يتعرضون له، ويذكر له كلمة « الثورة حمراء كالجمر، قوية كالسنديان، عميقة كحبنا الوحشي للوطن»، فانضم إليهما المئات وتم تدريبهم على استخدام السلاح، وبدأت الثورة تحقق النصر تلو الآخر إلى أن دخل جيفارا العاصمة هافانا في اليوم لأول من العام 1959، قبل أن يدخلها كاسترو، وهرب باتيستا ونجحت الثورة الكوبية، وفي حفل شعبي ضخم تم تنصيب فيدل كاسترو رئيسا للبلا، وبالطبع لم ينس رفيقه ومؤيده الأول والرجل الثاني في حياته ونضاله تشي جيفارا، فكرمه أفضل تكريم ومنحه الجنسية الكوبية وأعطاه رتبة «ميجور»، ثم عينه سفيرا متجولا وممثلا شخصيا لكاسترو بهدف الترويج للثورة الكوبية وجذب التأييد العالمي لها، وفي هذه الفترة زار العديد من البلدان غير المنحازة والتقى قيادتها مثل عبدالناصر في مصر، ونهرو في الهند، وتيتو في يوغوسلافيا، وسوكارنو في إندونيسيا، كما زار إيطاليا، واليابان، وباكستان وغيرها، ثم عين جيفارا رئيسا للمعهد الوطني للأبحاث الزراعية ثم وزيرا للصناعة ورئيسا للمصرف المركزي العام 1961، وعقد هو وكاسترو تحالفا مع الاتحاد السوفيتي. ومن خلال مناصبه تلك قام الـ «تشي» بالتصدي بكل قوة لتدخلات أميركا؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو ما أغضب الولايات المتحدة فشددت الحصار المفروض على كوبا، وهو ما جعلها تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي وقتها.
وذهب «تشي» لأفريقيا مساندا للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بالـ «تشي» في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة. وبعد إقامة قصيرة في كوبا اتجه جيفارا إلى بوليفيا التي وجد فيها نقطة انطلاق لحرب ثورية مناهضة للتوسع الأميركي.
نهاية بطل
وصل جيفارا إلى بوليفيا ونجح في البداية نجاحا رائعا بطرق مشابهة لما اتبعه في كوبا، ومعه ثلة من رفاق كفاحه القدماء، ولكن أميركا تعلمت الدرس هذه المرة، فأرسلت المستشارين العسكريين ودعمت ودربت الجيش التابع للرئيس العميل بارينتوس، وذلك عن طريق فريق الـ «سي آي إيه» المعروف بالجرين بيريز، وأصبحت المسألة مسألة وقت لا أكثر للتخلص من هذه الشوكة في خاصرتهم.
وفي يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة، هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فرداً، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل وقد استمر «تشي» في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته «م-2» وضاع مخزن مسدسه، وهو ما يفسر وقوعه في الأسر حيا، نُقل «تشي» إلى قرية «لاهيجيرا»، وبقي حيا لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه، وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف «ماريو تيران» تعليمات ضابطيه: «ميجيل أيوروا» و«أندريس سيلنيش» بإطلاق النار على «تشي».
دخل ماريو عليه مترددا فقال له «تشي»: «أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل»، لكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر، حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته.
وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزاراً للثوار من جميع أنحاء العالم.
ثم اندلعت أزمة بعد عملية اغتياله وسميت بأزمة «كلمات جيفارا» أي مذكراته. وقد تم نشر هذه المذكرات بعد اغتياله بـ 5 أعوام وصار جيفارا رمزا من رموز الثوار على الظلم.
فيديل كاسترو يتحدث عن أزمة الصواريخ النوويّة (3)
ترجمة: زاهر بولس
*أثناء ذلك، اعتقد، أن الطائرات الأمريكية كانت تحلّق في أجواء كوبا؟
- اجل. استمرّوا بإرسال طائرات بيون من طراز U-2. وبدأوا بتنفيذ طلعات جويّة استكشافيّة على ارتفاع منخفض. ونحن من جهتنا قررنا إطلاق النار على هذه الطائرات. التحليق المنخفض يمكّن هجوماً مفاجئاً. طرحنا الموضوع أمام القادة السوفييت الذين تواجدوا هنا. قلنا لهم انه يجب عدم السماح بالتحليق المنخفض، وأبلغناهم عن نيّتنا في إطلاق النار. وفعلاً، باشرنا بإطلاق النار مستخدمين صواريخاً مضادة للطائرات. عندها، في السابع والعشرين من أكتوبر، قامت بطّاريّة صواريخ سوفييتيّة مضادة للطائرات من طراز سام بإسقاط طائرة أمريكية من طراز بيون U-2 في مقاطعة اوريينتا. حينها كانت اللحظة الأشد توتّراً. طيّار أل u-2 ، الضابط الأمريكي رودولف أندرسون، قتل. في كل لحظة كان من الممكن أن تتحوّل حادثة أخرى إلى حرب. واسمح لي أن أقول لك أن الناس هنا كانوا هادئون.
*هل كان هنالك لحظات اعتقدت فيها أن الحرب واقعة لا محالة؟
- انظر، كانت تلك لحظات توتر شديد. ظننا أن المواجهة واقعة لا محالة، وكنّا مصرّين على تحمّل مسؤوليّة المخاطرة . ولم نكن على استعداد للتنازل. كان لدينا الحق الكامل في الدفاع عن سيادتنا.
*لكن السوفييت تنازلوا.
- في تلك اللحظة، اللحظة الأشد توترًا، أرسل السوفييت اقتراحاً إلى الولايات المتحدة. دون استشارتنا، اقترحوا سحب الصواريخ في مقابل سحب صواريخ جوبيتر الأمريكية من تركيّا. وافق كينيدي على الاقتراح التوافقي في الثامن والعشرين من تشرين الأول، وعندها سحب السوفييت صواريخ أل أس- أس 4 من كوبا. لم ننظر بعين الرضا إلى هذا القرار، استأنا منه كثيراً.
*أكان لديك انطباع أن القرار اتخذ بالالتفاف عليكم؟
- علمنا باقتراح السوفييت من خلال وسائل الإعلام. لم يبحثوا معنا هذه القضيّة. لم نعترض على الحل، لان الأمر الأهم من الناحية التاريخيّة هو منع مواجهة نوويّة، لكن كان على السوفييت استشارتنا. الحديث هنا يدور عن مبدأ. كان عليهم أن يقولوا للأمريكان: "علينا التباحث مع الكوبيين". لربما، لو أننا شاركنا في المباحثات، لكنا حسّنّا من صيغة الاتفاق. لما ظلّت القاعدة البحريّة، غوانتانمو، بأيديهم، ولما استمرّت طلعاتهم الجويّة التجسّسيّة على ارتفاعات عالية. كل هذا أثار شديد استياءنا. احتججنا. فحتّى بعد الاتفاق استمرّينا بقصف الطائرات الأمريكية التي حلّقت على علو منخفض لحين اضطرارهم إيقاف الطلعات. تراجعت علاقتنا بالاتحاد السوفييتي وتأثّرت على مدى سنوات.
*في أيلول 1991 أدار الرئيس الروسي بوريس يلتسين مباحثاتاً مع الولايات المتحدة، وأخرجت موسكو على إثرها ما تبقّى من القوّات السوفييتيّة من كوبا. هل تشاوروا معكم حول قرارهم؟
- ما الداعي! إنهم لا يتشاورون أبدًا.
*أريد توضيحًا حول هذا الأمر، حين اخرجوا في العام 1991 ما سمّي "وحدة إرشاد جيش المشاة المهيّأة" من كوبا...
- لقد تفاوضوا مع الولايات المتحدة دون استشارتنا. تفاوضوا على كل شيء دون استشارتنا. واتفقوا على سحب الوحدة بجبن وغلاظة انتهازيّة. وفي كل الأحوال لم تكن لهذه الوحدة أية أهمية عسكريّة. فعلى الرغم من أن أفراد الجيش الروسي مدرّبون جدًا من الناحية التقنيّة، ويتحلّون بالشجاعة كما اثبتوا ذلك في الحرب العالميّة الثانية، فقد عانت هذه الوحدة من حالة الإحباط ولا تمتلك القدرة على خوض معركة حتى لمدّة ساعتين.
*أفي هذه الحالة أيضا كان من الممكن إخراج الولايات المتحدة من قاعدة غوانتانمو في مقابل إخراج الوحدة السوفييتيّة؟
- حسنًا، إن هذا الأمر كان ممكنًا فقط في أزمة أكتوبر. كان من الممكن نيل ذلك بسهولة بقليل من هدوء الأعصاب، لان العالم لم يكن مهيّأً لخوض حرب عالميّة. وكان بالإمكان نيل مطالب أخرى، فمن بين ما طلبناه إلغاء الحصار البحري ووقف الهجمات الإرهابية وإعادة قاعدة غوانتانمو. كان بالإمكان الحصول على كل ذلك بسهولة، فأنا على يقين أن أحدا لن يشارك في حرب عالميّة من اجل حصار بحري أو هجمات قرصنيّة أو من اجل السيطرة بشكل غير قانوني على قاعدة عسكريّة بعكس إرادة شعبنا.
من المهم التشديد على انّه لم يكن أي شيء غير قانوني في الاتفاقيّة التي عقدناها مع السوفييت والتي استناداً إليها تم نصب الصواريخ في كوبا. فالولايات المتحدة نصبت صواريخ جوبيتر في تركيّا وايطاليا ولم يتدخل احد في ذلك. لم تكن الأزمة في الحيّز القانوني، وإنما في أداء خروتشوف بإدارة الأزمة. حين بدأ بالمحادثات حول الموضوع، أنكر أن السلاح استراتيجيّاً وتورّط في الكذب. في المعركة السياسيّة لا تستطيع أن تسمح لنفسك بالتخلي عن الأخلاقيات، وهذا ما اضعف خروتشوف. أعيد واكرر أن خطوتنا كانت قانونيّة حتى أقصى حد، وشرعيّة وذات مصداقيّة، لكن الذي أعطى كينيدي مظلّة أخلاقية كذب السوفييت وتناقض المعلومات التي استغلّها. فقد كان بيد كينيدي الإثبات المؤكّد، والتي حصل عليها الأمريكان من الجو، من خلال الصور التي التقطتها طائرات U-2. وقد حصلوا على هذه المعلومات بسبب غباء السوفييت على المستوى العسكري. فحين تنصب صواريخاً فانك لا تستطيع أن تسمح بطلعات جوّيّة فوق أراضيك. الولايات المتّحدة لا تسمح بطلعات جوّيّة فوق أراضيها لدولة عظمى معادية، وفي المقابل سمح السوفييت بذلك. ولا شك انّه كان هنالك الكثير من الأخطاء السياسيّة والعسكريّة. على أي حال، لم نصادق في أكتوبر 1962 على إخراج الصواريخ السوفييتيّة، ولكننا لم نتّخذ أي خطوة لمنع ذلك. ففي نهاية المطاف، فيما لو فعلنا ذلك، كنا سنشعل حرباً ضد دولتين عظميين، وهذا يفوق قدراتنا.
*من المؤكّد أن هذا فوق طاقة الاحتمال!
- كان لدينا نحو ثلاثمائة ألف مسلّح. فيما لو قرّرنا الرفض، لما حرّك السوفييت صاروخًا واحدًا. لكن عملا من هذا القبيل هو الجنون بعينه، ويفتقد للمنطق السليم. وبعد انقضاء سنوات، تحديدًا في أكتوبر 2001، بلّغ الروس عن قرارهم بإغلاق مركز الأبحاث الالكترونيّة، وحتى بما يتعلّق في هذا الشأن انفردوا بالقرار وحدهم.
*رغم أزمة أكتوبر لا تزال لديك نظرة ايجابيّة لكينيدي.
- في هذه الأزمة وسّع كينيدي صلاحياته واظهر قوّة إرادة. لو أننا اشتركنا في المباحثات، لقمنا بذلك بشكل بنيوي. فلو سنحت هذه الإمكانية لربما منعنا الكثير من المشاكل التي واجهتها دولنا لاحقاً. أما بالنسبة لكينيدي، فحين آتي لأحكم سياساته، علي أن اخذ بالحسبان الفترة التي عايشناها، ومناهج التفكير التي سادت حينها، والتشويش المتوقّع من دولة ثوريّة راديكاليّة تقطن على بعد 145 كيلومتراً عن الولايات- المتّحدة. فما بالك حين تكون الثورة بقرار مستقل منا، فنحن لم نأخذ من السوفييت في أيام النضال ولا حتّى قرش واحد، ولا حتّى بندقيّة واحدة، فحتّى العام 1959 لم أكن قد تعرّفت على أي سوفييتي.
*يبدو أن أخاك راؤول قد تعرّف على بعض السوفييت.
- راؤول عرف واحدًا، عرف نيقولاي ليونوف. كان حينئذ سوفييتيًّا صغيرًا وقد شارك الاثنان في مؤتمر للشبيبة الشيوعيّة في فيينّا عام 1951. كنت قلت لك أن راؤول انضم لصفوف الشبيبة الشيوعيّة، وكان ذلك بدون أدنى شك يعتبر انجازًا بالنسبة للسوفييت. ولكن هذا أقصى ما كان. فالاشتراكيّة لم تصلنا بالاستنساخ ولا بالإخصاب الصناعي. لقد تطوّرت لدينا في مسار آخر، ويجب اخذ هذا في الاعتبار عند المقارنة ما بين كوبا وبين مسارات أو تجارب بناء الاشتراكيّة في دول أوروبا الشرقيّة، والتي تحاول اليوم بناء نظام رأسماليّ. فإلى جانب التطوّرات التاريخيّة، والى جانب المسار العام الموضوعي، توجد عوامل ذاتيّة تؤثّر على الأحداث بشكل قويّ. في واقع كوبا، لا يوجد أدنى شك أن تضافر العوامل الذاتيّة مع العوامل الموضوعيّة سرّع من مسار الثورة.
كل هذا أدّى إلى المواجهة مع الولايات المتّحدة والى أزمة الصواريخ في العام 1962. ولكن كما ذكرت لك، أبدى كينيدي توجّهًا ايجابيًّا. هو لم يشأ تعقيد الأمور، فقد أمر بوقف الطلعات الجوّيّة المنخفضة وأمر كذلك بوقف حملة مانغوستا. قرارات كينيدي هذه أثارت حفيظة أعداء الثورة الكوبيّة، فهو لم يصدر أوامر للأسطول الأمريكي للتدخل المباشر في خليج الخنازير دعمًا للمرتزقة، ولم يمتطِ أزمة أكتوبر كذريعة لاجتياح كوبا كما أشار عليه العديد من الجنرالات وكثرٌ من أعدائنا. وربما كانوا هم ذاتهم من يقف وراء اغتياله، لكني لا أملك إثبات ذلك.
*حين اغتالوا كينيدي، في 22 تشرين الثاني 1963، اتّهموا لي هارفي اوسوالد بقتله وادّعوا انه من المتحمّسين لكوبا. أتعتقد أنهم أرادوا توريط كوبا بهذا الادّعاء؟
- جيّد انه لم تعط تأشيرة دخول لزيارة كوبا لهذا النموذج. كان بمستطاعهم استغلال ذلك لاتهام كوبا. وفي الواقع، حين بوشر بالتحقيق أعطينا كل ما كان بحوزتنا من معلومات حول القضيّة.
*ما هو تقييمك بالنسبة للصيغة الرسميّة لاغتيال كينيدي؟
- هنالك أمر غريب. من خبرتي التي اكتسبتها في التصويب الدقيق للهدف، لا يمكن استيعاب كيف يتم إطلاق الرصاص سريعًا وبدقّة من بندقيّة ذات منظار تلسكوبي. عندما تطلق النار مستعينًا بمنظار تلسكوبي، يختفي الهدف بفعل الإطلاق. أنت تصوّب على هدف على بعد خمسمائة أو ستمائة متر، ومع الحركة بسبب الإطلاق يختفي الهدف عن العين وتصبح مجبرًا على البحث عن الهدف من جديد. وبعد إطلاق النار عليك شحن الذخيرة من جديد، وبعدها عليك البحث مرّة ثانية عن الهدف ومن ثم إطلاق النار. البحث عن هدف متحرّك بوساطة منظار تلسكوبي أمر صعب جداً، وفوق هذا إطلاق ثلاث رصاصات بدقّة خلال بضع ثوان، أمر يصعب استيعابه.
*أتعتقد بوجود أكثر من مطلق رصاص؟
- لا استطيع أن أفسر لذاتي كيف يمكن لشخص واحد أن يطلق كل هذه الرصاصات. ما استطيع أن أقوله يستند فقط إلى تجربتي باستعمال سلاح ذي منظار تلسكوبي، واستنادًا إلى تجربتي لا استطيع إلا أن أقول أن الرواية الرسميّة حول الاغتيال، ببساطة، غير ممكنة.
*أنت لا تصدّق الصيغة الرسميّة؟
- حقًا. أنا لا اصدّق بالمرّة الصيغة الرسميّة حول كيفيّة إطلاق اوسوالد النار على كينيدي. ولكنّي لا امتلك الإثباتات، وليس بإمكاني إلا التخمين.
كاسترو: نريد لأبنائنا، من أعماق قلوبنا، أن يكونوا مثل تشي جيفارا *
![]()
في أحد أيام تشرين أول من عام 1967، ألقي بجثة مشوهة في قبر جماعي،وتمنى القتلة ألا يأتي أحد لإعادة الاعتبار للقبر المجهول.اعتقدوا أنهم بتحطيم الرجل سيحطمون أسطورته، ولكنهم كانوا على خطأ. عام 1968، غضب شبان العالم وخرجوا إلى الشوارع معلنين انهم يستطيعون إنهاء الحروب وتغيير ملامح العالم. وقد تحول هذا الرجل الثائر بعد موته إلى شهيد لقضاياهم. أصبح يمثل أحلام ورغبات الملايين ممن يحملون صوره.
في الأول من كانون الثاني من العام 1959 انتصرت ثورة فيديل كاسترو في كوبا. انتشر الآلاف في شوارع هافانا لاستقبال أبطال الاشتراكية، الذين أطاحوا بالنظام العسكري الفاسد الذي تدعمه أمريكا.
تمكن كاسترو من صنع المستحيل، وذلك بمعونة ساعده الأيمن تشي جيفارا. فنشأت بينهما روح الأخوة التي تعمدت بالنار. تمكنت ثورة كاسترو من تحقيق النصر بالاعتماد على تكتيك حرب العصابات.
أثبت جيفارا بين الثوار في الجبال الكوبية، براعته القتالية و كفاءته القيادية في مواجهة الخطر باستعداد ألهم الجنود من حوله. أدرك كاسترو قدرة تشي على القتال، فكانت هذه الكفاءة مفتاح تحقيق النصر عام 1959.
حقق فيديل كاسترو حلمه عند انتصار الثورة. أما حلم جيفارا، فكان ما يزال في بدايته بعد.
تخطت أحلام هذا الشاب الأرجنتيني الثائر حدود جزيرة كوبا، فقد كان يحلم ببناء جنة اشتراكية عالمية، انطلاقا من أمريكا اللاتينية. أراد رفع علم المساواة في العالم أجمع.
عندما كان يدرس الطب جال في أرجاء القارة، وتأثر جدا بما رآه من فقر منتشر بين سكانها.
كان يحلم بتحرير جميع هؤلاء الناس، وبعد ثلاثة أسابيع من انتصار فيديل، أعلن أنه يريد مغادرة كوبا، لنشر الثورة في العالم. تعامل كاسترو مع مشاريعه باحترام، ولكنه وجد أولوياته في حماية الثورة وتنميتها على أرض الوطن.
اعتمد الاقتصاد الكوبي الذي ورثه فيديل على تصدير السكر، وتحديدا إلى أمريكا. أراد كاسترو إنهاء هذه التبعية، وإعادة بناء كوبا كدولة إنسانية متقدمة.
وجد جيفارا نفسه فجأة وزيرا للاقتصاد. فاتبع سياسة غير رسمية في عمله، يمكن اختصارها بالطريقة البسيطة التي وقع فيها العملة الكوبية الجديدة. تشي. بساطته وتواضعه ووسامته، جعلت منه وزيرا غير اعتيادي للاقتصاد.
أثناء محاولات واشنطن اغتيال كاسترو بالسيجار المسمّم، كان السوفييت يعززون تحالفهم مع كوبا، لتنشأ علاقة أسهم تشي بتطويرها، على اعتبار أن الاتحاد السوفييتي يحمل النماذج الفكرية والاقتصادية التي يسعى لتطبيقها في كوبا.
رغم أن جيفارا المحارب والقائد والزعيم، لم يكن اقتصاديا، إلا أن مساعيه زرعت روح العمل الجماعي التي ما زالت سائدة حتى اليوم، وما زال الاقتصاد الك وبي يواجه العوائق الصعاب ا لناجمة عن نحو خمسين عاما الحصار الأمريك ي المجحف ضد كوبا.
كانت ملامح جيفارا الهادئة تتناقض مع كيانه الداخلي الثائر، فقد عرفت عنه المثابرة في العمل ولكن عفته الشخصية جعلته يصلح لممارسة العمل الاقتصادي بنقاء ونظافة كفه التي قلما تتوفر اليوم في وزراء الغرب وأتباعه.
في الثامن والعشرين من تشرين أول من عام 1962، حبس العالم أنفاسه أثناء خوض كندي في لعبة الروليت الروسية. حين علم بأن خروتشوف قد وضع صواريخ نووية على أرض كوبا، أصدر تهديدا نهائي بإعلان حرب نووية إن لم يتم انتزاع تلك الصواريخ. بعد الاتفاق مع واشنطن نزع خروتشوف الصواريخ وأعادها إلى روسيا دون التشاور مع كوبا.
غضب جيفارا لما اعتبره استخفافا من قبل خروتشوف لتخطيه سيادة كوبا وزعامتها. كما أغضب ذلك فيديل كاسترو أيضا، ولكنه نجح كسياسي في ضبط مشاعر الغضب لديه وتسخيرها لتعزيز التحالف مع السوفييت لما فيه مصلحة كوبا ومستقبل الثورة فيها.
بقي جيفارا على عهده في مقارعة الأمريكيين ومساعيهم التوسعية في أرجاء العالم مسلطا الأضواء على جميع تحركاتهم المشبوهة في أرجاء العالم، وفي بداية ستينيات القرن الماضي ألقى في أحد المحافل الدولية خطابا حذر فيه واشنطن من مغبة الاستمرار في محاولات الهيمنة الجارية في افريقيا فقال:
"والآن تسعى القوات الأمريكية إلى التدخل في الكونغو، ولماذا؟ للتورط في فييتنام أخرى، وكي تتعرض لهزيمة أخرى دون شك، مهما مر على ذلك من وقت، ولكن هزيمتهم حتمية".
رغم إدراك كاسترو بأهمية التركيز على تعزيز إنجازات الثورة وضمان التقدم والتنمية في كوبا إلا أنه لم يتردد في احترام قرار جيفارا في تقديم الدعم للحركات الثوري ة المناهضة لأمريكا في العالم.
سعى جيفارا لإقامة مجموعات حرب عصابات في الكونغو، مع أن فكرته لم تلق صدى واسعا لدى بعض القادة، أصر جيفارا على موقفه، وتموه بملابس رجل أعمال ثري، لينطلق في رحلة طويلة سافر فيها من بلد إلى آخر ليواجه المصاعب تلو الأخرى. ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى الكونغو التي سعى إليها، فبقيت الثورة هناك حلما يراود أفكاره.
بعد أشهر من حروبه المتعاقبة، نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية شائعات تدعي فيها اختفاء إرنستو تشي جيفارا في ظروف غامضة ومقتله على يد زميله في النضال القائد الكوبي فيديل كاسترو ما اضطر الزعيم الكوبي للكشف عن الغموض الذي اكتنف اختفائه من الجزيرة للشعب الكوبي فأدلى بخطابه الشهير الذي جاء فيه ما يلي:
"لدي هنا رسالة، كتبت بخط اليد، من الرفيق، إرنستو جيفارا يقول فيها: أشعر أني أتممت ما لدي من واجبات تربطني بالثورة الكوبية على أرضها، لهذا أستودعك، وأستودع الرفاق، وأستودع شعبك، الذي أصبح شعبي. أتقدم رسميا باستقالتي من قيادة الحزب، ومن منصبي كوزير، وأتنازل عن رتبة القائد، وعن جنسيتي الكوبية، لم يعد يربطني شيء قانوني بكوبا".
أكدت هذه الرسالة إصراره على عدم العودة إلى كوبا بصفة رسمية، بل كثائر يبحث عن ملاذ آمن بين الحين والآخر. ثم أوقف مساعيه الثورية في الكونغو وأخذ الثائر الذي فيه يبحث عن قضية عالمية أخرى.
علق الآمال على قدرته في مساعدة الفلاحين في حروبهم الثورية من أجل المساواة، فصار حينها يبحث بشغف عن مكان يتابع منه مواجهة التوسع الأمريكي. تحولت أمريكا اللاتينية إلى هدف رئيسي لما فيها من فقر ومعاناة وشروط تضمن الظروف اللازمة لاستمرار الثورة، اختار جيفارا البلد الأكثر تعرضا للهجمة الأمريكية في القارة، بوليفيا، فدعم كاسترو قراره بكل احترام.
وافق فيديل كاسترو على مساعي جيفارا، فقدم له الدعم اللازم، وساعده في تقديم كل ما يلزم لمتابعة مسيرته الثورية على طريقته. فانتحل جيفارا هوية رجل أعمال من الأوروغواي وتوجه إلى بوليفيا التي وجد فيها نقطة انطلاق لحرب ثورية مناهضة للتوسع الأمريكي تسهم بنشر الاشتراكية في العالم أجمع.
ولكن المصاعب أخذت تتوالى على مشروعه الهائل، كانت الحياة صعبة، وفيها بعض الأمل، وكأن الفلاحين ترددوا في السعي لتغيير الحالة السائدة. عندما وصل جيفارا إلى هناك مع رجاله يبحثون عن مجندين، لم يجدوا إلا قلة وقفت معهم نتيجة الحملات الدموية التي أعلنتها الحكومة المؤيدة للولايات المتحدة هناك، والتي أدرك الفلاحون وسكان البلاد الأصليين أنها لن توفر أحدا في دمويتها المعهودة.
كما أسهمت الدسائس الأمريكية في خلق نزاعات في أوساط اليساريين أنفسهم كثيرا ما تحدث عنها زعيم الحزب الشيوعي البوليفي ماريو مونهي في عدة مناسبات محذرا جيفارا من حالة الجزر الثورية والانقسامات التي تعانيها البلاد في تلك الفترة.
منذ بداية عام 1967، وجد جيفارا نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيدا يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة السي أي إيه في براري بوليفيا الاستوائية. أراد جيفارا أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى والعمل على تجنيد الفلاحين والهنود من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكرا.
اشتبك المقاتلون مع وحدة من الجيش البوليفي بقيادة وتوجيه السي أي إيه فقتلوا سبعة جنود وأسروا عشرين آخرين. توقعت السي أي إيه وجود أعداد كبيرة من قوات حرب العصابات، فحركت قوات الجيش نحوها حتى اكتشفت موقع المعسكر، وصادروا وثائق تثبت هوية المقاتلين، تشمل صورا شخصية خلفتها إحدى المقاتلات الثائرات وراءها.
اشتدت المطاردة لتجبر جيفارا ورفاقه على اتباع استراتيجية الكر والفرار سعيا للنجاة واستنزاف وحدات المطاردة المعادية.
ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفوا تحت قسوة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار. فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد. بقيت السي أي على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فنتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثا عن أربعين رجلا ضعيفا وجائعا.
قسّم جيفارا قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك أربعة أشهر متفرقين عن بعضهم في الأدغال. إلى جانب ظروف الضعف والعزلة هذه، تعرض جيفارا إلى أزمات ربو حادة، ما شكل عاملاً أسهم في تسهيل مهمة البحث عنه ومطاردته.
ركب المقاتلون شاحنة ودخلوا إلى بلدة ساماباتا حيث استولوا على مركز الشرطة ودخلوا أمام الأعين المندهشة لشراء دواء من الصيدلية. وربما كانوا يجهلون بأن الطريق العام كوتشامبامبا- سانتاكروس كان وما يزال شريانا حيويا في البلد. فهو يربط شرق البلاد بغربها، أي أنهم عندما استولوا على ساماباتا لبضع ساعات كادوا يشلون حركة البلد بكاملها.
وبعد مطاردات عنيفة مع وحدات الجيش البوليفي بقيادة السي أي إيه قتلت تانيا ومقاتلي الفرقة الثانية الذين كانوا معها في مجزرة وقعت على ضفة أحد الأنهر، فبقي مع جيفارا عشرون رجلا. دفعه الجوع والعزلة إلى البحث عن ملاذ آمن لهم في إحدى الوديان السحيقة.
علمت السي أي إيه عبر وسائلها التكنولوجية المتطورة بوجود جيفارا في تلك المنطقة فأرسلت الضابط الشاب في الجيش البوليفي الملازم غاري برادو، لينشر رجاله على السفوح المطلة، ومحاصرة المقاتلين هناك.
أوشكت المعركة الحاسمة على الوقوع هناك، ولكن جيفارا أصيب مرتين، كما أصيب سلاحه وتعطل في يده. تسلق الجبال سعيا لاختراق الحصار، ليجد نفسه وجها لوجه أمام كمين للجيش الذي تمكن من إغلاق الحصار، والقبض عليه حيا ولكنه مرهق ومريض ومجرد من السلاح.
ما أدهش السكان هو أنه رغم كل هذه الظروف الصعبة التي كان فيها تم اقتياده إلى بلدة لا هيغويرا، موثوق اليدين والقدمين، ليسجن في مدرسة تحت حراسة الجنود وإشراف السي أي إيه مباشرة هناك.
ويقول الجنرال برادو الذي ألقى القبض عن تلك الواقعة في إحدى المقابلات ما يلي: "عندما رآني متوترا لأن هذه كانت أول عملية قتالية أقوم بها، حاولت التأكد من كل شيء، فوضعت الحراسات الأمنية حول السجناء للتأكد من عدم حصول شيء. فقال: لا تقلق أيها الملازم، هذه هي النهاية، انتهى الأمر".
لم يعترف أي ضابط بتلقي أوامر الإعدام. ومع ذلك تؤكد وثائق السي أي إيه المفرج عنها أن الأوامر صدرت عنها مباشرة وقد أمر بتنفيذها عملاؤها المشاركون في العملية فدخل أحدهم إلى الغرفة، وصوب السلاح وأطلق النار على أسير أعزل مريض ومرهق. اغتيل تشي جيفارا وهو في التاسعة والثلاثين.
نقلت الجثة المضرجة بالدماء في طائرة هليكوبتر عبر الجبال إلى بلدة فالي غراندي الجرداء بعد أن قطعت يداه انتقاما وأرسلت إلى كوبا.
مع انتشار نبأ موته، انتشرت حشود السكان الأصليين والفلاحين على الطرقات تودعه. هنا أدرك القتلة فداحة خطأهم، حين قرروا أن قتله يستحق الإعلان على الملأ. فعرضوه في غرفة غسيل تابعة لإحدى المستشفيات المحلية.
قاموا بغسله وتنظيفه كي لا يشك أحدا في هويته. لقد قتلوا جيفارا الإنسان، ولكن تفاهتهم وحماقتهم أدت إلى ولادة جيفارا الشهيد، الذي هو أقوى من الموت والعذاب، فقد قالت سوزان أوسينغا إحدى ممرضات المستشفى الذي أودع فيه بعد اغتياله عن مشاهدتها في تلك المناسبة ما يلي: كانت ملامحه شبيهة جدا بملامح السيد المسيح، لهذا ما زال الكثير من الفلاحين والهنود في بوليفيا يقيمون القداس حتى اليوم على روح جيفارا قائلين أنه يحقق المعجزات.
لو لم يقتلوه، لو لم يغسلوه، لو لم يعرضوا جثته على الملأ بعد فشله في صنع الثورة، لما ولد مسيح الوادي الذي يعرف بفالي غراندي. والذي يتحدث عنه فيديل كاسترو اليوم فيقول: "إذا أردنا أن نعرف كيف نريد أن يكون أبناؤنا، يجب أن نقول من أعماق قلوبنا كثوار، أننا نريدهم أن يكونوا مثل جيفارا".
فى الثانى عشر من كانون الاول عام 1964 كتبت صحيفة نيويورك تايمز: "وقف امس الرجل ذو اللحية، والزى العسكرى الزيتوني، خارج قاعة الجمعية العمومية للامم المتحدة، واخرج من جيبه مطواة قطع بها الجزء المشتعل من سيجار "الهافانا" الذى كان دخنه حتى نصفه. وبعدما وضع نصف السيجار الذى لم يدخنه فى جيبه، دخل الى قاعة الجمعية العمومية ليلقى خطابا "ملتهبًا" ضد الاستعمار والامبريالية. ذلك الرجل هو تشى جيفارا. انه الثورى الكامل الذى يندر ان يكون له مثيل...
وربما كانت صورة جيفارا.. بخصلات شعره الطويل، ولحيته غير المشذبة والعيون الكبيرة الحزينة- واحدة من اعظم الصور الصحافية فى التاريخ، والاكثر استغلالاً تجاريًا بالطبع. وبهذه الالفة الغريبة بين جيفارا ووسائل الاعلام (فى حياته ومماته)، فإنه يصبح من الصعب جدًا نزع الهالة الاسطورية عن شخص، اصبح من العلامات البارزة فى النصف الثانى من القرن العشرين بعد الانتصار المذهل للثورة فى كوبا، وتحوّل بسرعة الى رمز لقوى الثورة فى كل العالم؛ من افريقيا الى آسيا الى أمريكا اللاتينية.. وحتى بين الشباب الاوربى ايضا.
يمثل جيفارا- والى حد ما كاسترو- حالة التمرد الفردي القصوى بين قوى الثورة في العالم، بابتعادها عن الاحزاب والحركات المنظمة او المؤطرة. كما يمثلان حالة الصراع ضد كل ما هو "يانكي"، وضد دور الولايات المتحدة فى امريكا اللاتينية خصوصًا. ولهذين السببين تحديدًا فان ساحة جيفارا ورفاقه- هي جميع دول امريكا اللاتينية التي يهيمن عليها اليانكى تمامًا، كما تغيب عنها الاحزاب والحركات الثورية المنظمة.
وبهذا المعيار فان جيفارا مناضل قومي بمعنى الكلمة. وقبل انتصار الثورة فى كوبا، لم يعرف عنه الاهتمام بالدور الامبريالي للولايات المتحدة خارج امريكا اللاتينية مثلاً، مثلما لم يعرف عنه بناء أي علاقات مع قوى التحرر والثورة فى العالم. وفي الحقيقة ان الرجلين- جيفارا وكاسترو- يحملان قدرا كبيرا من الطاقة والاندفاع الثورى وكذلك العناد والصبر وغيرها من الخصال الفردية، التى تجعلهما يكرسان نفسيهما لمشروع تحرير أية دولة في امريكا اللاتينية- كوبا، غواتيمالا، بوليفيا، الارجنتين- من الدكتاتورية والتبعية؛ اذ ليس هناك أي فارق جوهري- فى نظرهما- بين هذه الدول التي تجمعها اللغة الاسبانية والعقيدة الكاثوليكية والتهجين الجنسي والحضاري الواسع والعميق بين البيض والسود والاقوام الاصيلة، والذي يتجلى فى كل المظاهر الفنية والثقافية وحتى الدينية.
ان الانتصار فى كوبا على باتيستا وزمرته باسلوب حرب العصابات والكفاح المسلح يفتح عيون العالم بأجمعه على الثوار الجدد. ويظل مغزى هذا الانتصار رمزيا اكثر منه عمليًا، لكن الخطوة اللاحقة بانضمام كاسترو وجيفارا الى الحزب الشيوعي الكوبي، ربما لا تقل خطورة عن الانتصار على باتيستا نفسه. وفى الحقيقة لا ندرى ماذا كان الرجلان- ورفاقهما بالطبع- ينويان بعد استلام السلطة، وخصوصا أنهما بدون قاعدة اجتماعية او فكرية عريضة. هل يؤججان الاحتراب السياسى فى كوبا لغرض إحكام قبضة السلطة الثورية الجديدة، ثم يعملان على اكمال مهمتهما فى محاربة الولايات المتحدة؟.. وفي الحقيقة ان تحولهما الى شيوعيين قد دفعهما تمامًا فى تيار الحرب الباردة المشتد اوارها فى بداية الستينيات. وهكذا تحولت كوبا الى حليف استراتيجى للاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، الذى وجد له قاعدة متقدمة على ابواب الولايات المتحدة نفسها. ويجب ان ينظر الى الدور الشخصى لجيفارا- بالذات- فى اقناع القيادة السوفييتية بنشر الصواريخ والاسلحة الذرية فى هذا المكان الحساس بالذات. اذ يحمل العداء الذى يكنه جيفارا للولايات المتحدة- ولفكرة اليانكي- طابعا شخصيا، تاريخيا، وجوديا يقترب من العدمية احيانا. وربما كان نشر هذه الاسلحة هو الذى كلف خروتشوف منصبه، وليس انفتاحه على الغرب او دعوته للتعايش السلمي. وهذا يتجلى فى الموقف اللاحق للاحزاب والحركات الشيوعية الرسمية فى اعتبار جيفارا- وليس كاسترو- خارجًا عن الطريقة والتيار العام. ونستطيع ان نشبّه الحالة، بمؤمن خارج عن جماعته الدينية- فى ممارساته وافكاره- لكن خصاله ومآثره تدفع الجميع فى النهاية الى تطويبه كقديس وشهيد.
واذ يقنع كاسترو بقيادة كوبا وبناء الاشتراكية فى هذا المكان من العالم، فان شخصية جيفارا لا تحتمل المناصب والمهام الرسمية، او المسؤوليات الروتينية. انه يبدو لاهثًا للقضاء على الامبريالية فى كل مكان، بعد ان اكتشف تعاطف الشعوب معه، من العرب الى الاسيويين الى الافارقة. فيقوم بزيارة الدول ويلتقى بالشخصيات السياسية والثورية- خارج امريكا اللاتينية- لتعبئة جبهة مضادة للولايات المتحدة مستغلا هالته الثورية المستقلة تماما عن أية سلطة او اتجاه سياسي محدد، عدا العداء للامبريالية. وتحركات وشعارات جيفارا هى التى علمتنا العداء للامبريالية حتى وان لم نكن نفهم معناها الحقيقي، فقد اصبحت الامبريالية هى المظلة الكبرى التى تجمع اعداء الشعوب وحركاتها التحررية فى العالم. واذ تفشل الحركة المسلحة فى الكونغو، واذ يكتشف صعوبة النضال المسلح فى اوساط مختلفة ثقافيا وقوميا، يعود جيفارا الى ساحته الاثيرة فى امريكا اللاتينية، الى بوليفيا، ليقود حرب عصابات لا تغفل عنها الاوليغارشيا المحلية والمخابرات المركزية الامريكية. ويقتل جيفارا فى 9 تشرين الأول عام 1967.
عبر منظمة تضامن شعوب افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية يقول: "لا يهمنى متى واين سأموت، لكن يهمنى ان يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجًا، كى لا ينام العالم بكل ثقله فوق اجساد البائسين والفقراء والمظلومين".
وسيظل صدى هذه الكلمات يتردد، ويلهم المئات فى مكان وزمان، ما دام الظلم والعنف يسود هذا العالم.
بقلم: الحزب الشيوعي السوري
أرنستو تشي جيفارا.......وكاسترو
في المكسيك انضم جيفارا للثائر كاسترو وتمكنا عبر الثورة الكوبية الشهيرة التي أخذت طابع حرب العصابات من إسقاط نظام حكم باتيستا 1959 وكان تابعا لأمريكا ومدعوما بالسلاح منها، حيث تولى جيفارا في الحكومة الشيوعية بكوبا منصب رئيس المصرف الوطني وبعدها وزير الصناعة.
ولكنه فضل بعدها ترك المناصب التي رآها منافية لفكره الثوري وانضم مجددا لحركات مقاومة أمريكا داخل أفريقيا وأمريكا اللاتينية عبر صفوف الفلاحين والعمال وقضى نحبه في بوليفيا بعدما قبض عليه أثناء إحدى المعارك مع الجيش الحكومي.
ومن كلماته الشهيرة عن الحرية والإنسان:
- الطريق مظلم وحالك فإن لم نحترق أنت وأنا فمن سينير الطريق
- لا يهمني متى أو أين أموت.لكن همي الوحيد أن لا ينام البرجوازيون بكل ثقلهم فوق أجساد أطفال الفقراء والمعذبين، وأن لا يغفو العالم بكل ثقله على جماجم البائسين والكادحين.
- أنا لا اوافق على ما تقول، ولكني سأقف حتى الموت مدافعا عن حقك في أن تقول ما تريد .
- يقولون لي أذا رأيت عبدا نائما فلا توقظه لئلا يحلم بالحريه وأقول لهم، إذا رأيت عبدا نائما أيقظه وحدثه عن الحرية.
- لابد أحيانا من لزوم الصمت ليسمعنا الآخرين، الصمت فن عظيم من فنون الكلام .
- كنت أتصور أن الحزن يمكن أن يكون صديقا لكنني لم أكن اتصور أن الحزن يمكن أن يكون وطنا نسكنه ونتكلم لغته ونحمل جنسيته.
- إنني أحس على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى كل مظلوم في هذه الدنيا فأينما وجد الظلم فذاك هو وطني.
- علمني وطني بأن دماء الشهداء هي التي ترسم حدود الوطن
- لكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن فلنا وطن يعيش فينا.
- أنا شاهد المذبحة وشهيد الخريطة انا وليد الكلمات البسيطة
- من شدة حبي سأموت، إن يوما سأموت لا حزنا أو حسرة لكن من شدة حبي !! من شدة حبي لك يا وطني المحتل.
- قد يكون من السهل نقل الإنسان من وطنه ولكن من الصعب نقل وطنه منه.
- مثل الذي باع بلاده وخان وطنه مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه.
- عزيزتي تمسكي بخيط العنكبوت ولا تستسلمي (من رسالة إلى زوجته إلييدا) .
- إن من يعتقد أن نجم الثورة قد أفل فإما أن يكون خائنا أو متساقطا أو جبانا, فالثورة قوية كالفولاذ, حمراء كالجمر, باقية كالسنديان عميقة كحبنا الوحشي للوطن .
- كل قطرة دم تسكب في أي بلد غير بلد المرء سوف تراكم خبرة لأولئك الذين نجوا, ليضاف فيما بعد إلى نضاله في بلده هو نفسه, وكل شعب يتحرر هو مرحلة جديدة في عمليه واحدة هي عملية اسقاط الامبريالية.
- أنا لست محررا, المحررين لا وجود لهم, فالشعوب وحدها هي من تحرر نفسها .
- لا أعرف حدوداَ فالعالم بأسره وطني .
- الإصلاح الزراعي هو حجر الزاوية في أية ثورة،.فليست هناك حكومة يمكن أن تصف نفسها بأنها حكومة ثورية ، اذا لم تنفذ برنامجا جذريا للاصلاح الزراعي .
- إننا نبني الاشتراكية على أرضنا ونضع حبة الرمل الضغيرة هذه في خدمة أمل الانسانية الاكبر : الغاء استغلال الانسان للانسان ، هذا الانسان الذي يشكل الاستعمار العدو له .
- إنَّ آلاف الأطفال الفقراء في كوبا، يمنعون أولادي من أن يلعبوا بالدمى كأطفال الأغنياء.
- كلّ الناس تعمل وتكدّ وتنشط لتتجاوز نفسها، لكنّ الهدف الوحيد هو الربح. وأنا ضدّ الربح، ومع الإنسان. ماذا يفيد المجتمع، أي مجتمع، إذا ربح الأموال وخسر الإنسان؟
- التاعسون هم مصدر القوة في العالم.
- إنّ الثورة تتجمّد، والثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون على الكراسي ويبدأون بناء ما ناضلت من أجله الثورة
- هذا هو التناقض المأساوي في الثورة: أن تناضل وتكافح وتحارب من أجل هدف معيّن، وحين تبلغه، وتحقّقه، تتوقّف الثورة وتتجمّد في القوالب. وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمّدة داخلي.
-إنّني أؤمن بأنَّ النضال المسلّح هو الطريق الوحيد أمام الشعوب الساعية إلى التحرّر. ويعتبرني الكثيرون مغامراً ، وفعلا أنا مغامر لكن من طراز مختلف عن الساعين وراء نزوات فردية عابرة.
- حياة الإنسان الفرد أعظم من كل ممتلكات أغنى أغنياء الأرض... الإحساس بالفخر لأنك خدمت جارك أكثر أهمية بكثير من مكافأة طيبة على العمل ذاته. والشيء الملموس أكثر والشيء الأبقى من كل الذهب الذي قد يجمعه الفرد هو امتنان الناس له.
- يجب البدء في محو كل مفاهيمنا القديمة. يجب ألا نذهب للناس ونقول لهم، ها نحن قد جئنا. لنتفضل عليكم بوجودنا معكم، لنعلمكم علومنا، لنظهر لكم أخطاءكم، وحاجتكم للثقافة، وجهلكم بالأشياء الأولية، يجب أن نذهب بدلا من ذلك بعقل فضولي وروح متواضعة لننهل من هذا المعين العظيم للحكمة الذي هو الشعب.
- نحن في حاجة غالبا لتغيير مفاهيمنا، وليس فقط المفاهيم العامة، الاجتماعية أو الفلسفية، ولكن في بعض الأحيان الطبية أيضا، سوف نرى أن الأمراض لا تحتاج دائما إلي طرق تدخل علاجية كالتي تستخدم في مستشفيات المدن الكبيرة. سوف نرى أن الطبيب يجب عليه، على سبيل المثال، أن يكون أيضا فلاح ويزرع أطعمة جديدة ويحصدها، لرغبته في استهلاك أطعمة جديدة، وتنويع الهيكل الغذائي الذي هو محدود جدا، وفقير جدا.
- إذا ما خططنا لإعادة توزيع ثروة هؤلاء الذين لديهم الكثير جدا لنعطي هؤلاء الذين لا يمتلكون شيئا؛ لو نوينا أن يصبح العمل مبدعا يوميا، مصدرا ديناميكيا لكل أسباب سعادتنا، فمن ثم نحن لدينا أهداف نسعى نحوها.
- ما يؤلم الإنسان هو أن يموت على يد من يقاتل من أجلهم.
- لن يكون لدينا ما نحيا من أجله .. إن لم نكن على استعداد أن نموت من أجله.
هيكل : عبد الناصر وجيفارا .. الحلم... والثورة ..
عندما دخل فيدل كاسترو على رأس رجاله الظافرين هافانا، وقد امتشقوا بنادقهم وأحزمة رصاصهم مطلقين لحاهم الكثيفة مال الرئيس عبد الناصر إلى اعتبارهم. جماعة من المغامرين على الطريقة السينمائية التي كان يقوم بأدوارها إيرول فلين وأمثاله من أبطال أفلام المغامرات المثيرة ، ولينس ثوارا حقيقيين وربما ساعد على هذا الانطباع أن الممثل ايرول فلين نفسه كان مع الموكب الغريب الذي دخل كاسترو به إلى هافانا.
ولم يول- عبد الناصر حركة كاسترو الكثير من الاهتمام لأن الزعيم الكوبي كان يلقى كثيرا من التأييد الأمريكى في ذلك الحين . ومع أن عبد الناصر كان يرى أن أمريكا اللاتينية كانت ناضجة للثورة، فلم يكن يعتقد أنه يمكن أن ينجح أى تغيير هناك دون موافقة أمريكا . فقد كان شديد الإحساس واليقظة للطريقة التى قلبت بها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نظام الرئيس أربينيز فى جواتيمالا، وكان إحساسه هذا من العمق بحيث لم يكن يساوره أى شك في حقيقة بطش الولايات المتحدة وسلطانها على تلك المنطقة.
وقد كان شكه في تأييد أمريكا لحركة كاسترو، وارتيابه فى نزعة كاسترو المسرحية- فضلا عن انهماكه فى أحداث الشرق الأوسط- هو الذى دفع عبد الناصر إلى العزوف عن التورط مع كاسترو وأتباعه أصحاب الذقون الطويلة والأحذية الثقيلة.
ولم يكن هناك أى اتصال حقيقى بين الحركتين حتى يونيو ( حزيران) 1959 عندما وصل تشى جيفارا إلى القاهرة في زيارة لمدة خمسة عشر يوما لدراسة تجربة الإصلاح الزراعى في مصر .
وكانت هذه هى أول مرة يلتقى فيها عبد الناصر وتشى جيفارا.
في هذا اللقاء الأول، روى تشى لعبد الناصر إنه عندما كان كاسترو يجابه المصاعب والنكسات-وهو يقود حرب العصابات في قمم التلال الكوبية في سنة 1956 -- كان يستمد كثيرا من الشجاعة من الطريقة التى صمدت بها مصر للعدوان الثلاثي البريطاني- الفرنسى- الإسرائيلى . وقال إن عبد الناصر كان مصدر قوة روحية وأدبية لرجاله.
على أنه عندما بدأ الرجلان يتطرقان إلى موضوع الإصلاح الزراعى، بدا الاختلاف بينهما واضحا على الفور . إذ كان أول سؤال وجهه تشى جيفارا هو:
" كم من اللاجئين المصريين أجبروا على مغادرة البلاد؟ "
وعندما رد عليه عبد الناصر بأن عددهم لم يكن كبيرا وأنهم كانوا في معظمهم من " المصريين البيض " أى من فثة أصحاب الجنسيات الأجنبية الذين تمصروا بحكم إقامتهم في مصر، لم يسعد هذا الجواب جيفارا، فقال معلقا:
" هذا يعنى أنه لم يحدث شيء كثير فى ثورتكم . إننى أقيس عمق التحول الاجتماعى بعدد الأشخاص الذين يمسهم ويؤثر فيهم بحيث يبدأون في الإحساس بأنهم لم يعد لهم مكان في المجتمع الجديد. "
وهنا شرح له عبد الناصر أن ما يفعله هو، تصفية امتيازات طبقة معينة وليس تصفية أفراد تلك الطبقة". وأضاف أنه يريد أن يفتت سلطة الإقطاعيين لكنه لا يريد أن يحرم أفراد هذه الطبقة الإقطاعية من أن يصبحوا أعضاء نافعين في المجتمع الجديد إذا شاءوا .
ولكن جيفارا أصر على وجهة نظره ولم تتمخض زيارته للقاهرة عن شئ يذكر. فقد كان الرئيس عبد الناصر حتى ذلك الوقت لا يولى الكوبيين وسياساتهم الكثير من الاهتمام .
![]()
وفى السنة التالية استقبل عبد الناصر ضيفا كوبيا آخر هو راءول كاسترو- شقيق فيدل- الذى جاء على رأس وفد كوبي للاشتراك في احتفالات ذكرى الثورة . وقد أعد خطابا لهذه المناسبة يلقيه فى الاسكندرية بمناسبة ذكرى خلع الملك فاروق عن العرش . وكان الخطاب بالغ العنف في هجومه على الولايات المتحدة، ذلك أن العلاقات بين كوبا الجديدة كانت قد ساءت وأخذت الولايات المتحدة تهييء مقدمات الغزو في معركة خليج الخنازير التى وقعت فيما بعد.
واستفسر أحد رجال التشريفات من كاسترو عما سيقوله في خطابه ولما أطلعه كاسترو على الخطاب هاله ما فيه من عنف في العداء لأمريكا فرجاه أن يخفف شيئا من لهجته.
وانفرد كاسترو بنفسه فى المدرج وحاول أن يحذف أعنف مقاطع الخطاب وشعر باكتئاب شديد من ذلك. لكنه ازداد انزعاجا عندما قال له رئيس التشريفات إن النصف المنقح لا يزال بالغ العنف !
وفى النهاية حذف راءول كاسترو ما يقرب من ثلثى الخطاب وشعر برغبة فى الامتناع تماما عن الكلام في الاحتفال غير أنه كان وعد بالكلام واتخذت كل الترتيبات لذلك فأحس بأنه لابد وأن يمضى في الأمر إلى نهايته. ولكنه شعر بالخيبة و بأن خطابه كان فاترا بلا نبض ولا روح ولا حيوية .
ثم ألقى الرئيس عبد الناصر خطبة حمل فيها على الولايات المتحدة حملة أكثر عنفا بكثير مما كان كاسترو ينويه في النص الأول لخطابه. من هنا فقد أسقط في يد الزائر الكوبي وكان من الطبيعى أن يشعر بالحيرة والغضب معا !
وعندما خرج عبد الناصر وكاسترو في سيارة واحدة من مدرج الاحتفال لتناول العشاء، لزم كاسترو الصمت طوال الطريق برغم حماسة الجماهير الى كانت تهتف لهما وتحييهما. وعندما وصلا إلى بيت الرئيس قال كاسترو : " إننى آسف فربما ليس لى أن أثير الموضوع أصلا . لكننى لا أفهم شيئا على الإطلاق إليك خطابى...
كان الخطاب مكتوبا بالأسبانية، ولاحظ الرئيس فورا أن نصفه مشطوب. واستأنف كاسترو قائلا:
" إن ما يحيرني هو أنك كنت فى حملتك على الأمريكيين أقسى وأشد مما كنت أنويه عشرات المرات..."
ودهش الرئيس وسأل كاسترو عمن قام بدور الرقيب على خطابه، وبدأ يتحرى فورا عن الأمر بالتليفون، حتى اهتدى إلى المسئول الذى راقب خطاب كاسترو، وقد قال ذلك الرجل- سيء الحظ- إنه شعر بأن عليه أن يسأل كاسترو تخفيف لهجة خطابه لأنه كان مقرراً أن يحضر السفير الأمريكى الاحتفال ..!
وهنا التفت عبد الناصر إلى كاسترو قائلا : " هكذا يعاني الثوريون من البيروقراطيين " .
ورد كاسترو قائلا إنه لو لم يهاجم الرئيس الأمريكيين فى خطابه ولو لم يسأل عن سبب مراقبة خطابه لكان قد عاد ليخبر أخاه أن المصريين ليسوا ثوريين .![]()
التقى عبد الناصر بفيدل كاسترو للمرة الأولى فى نيويورك بعد ذلك بثلائة أشهر عندما حضر الإثنان " دورة خروشوف " فى الأمم المتحدة . وفى ذلك اللقاء كرر فيدل كاسترو ما كان قاله جيفارا عن الشجاعة التي استمدوها فى 1956 من الطريقة التي صمدت بها مصر في وجه بريطانيا وفرنسا وإ سرائيل في معركة السويس . وكيف خرجت ورأسها مرفوعة في عنان السماء. وطلب من الرئيس عبد الناصر أن يلخص له التجربة المصرية وقت السويس وأبدى إعجابا صادقا به.
وقد أعطى الرئيس عبد الناصر تأييده لكاسترو في نيويورك حيث دبر الأمريكيون حملة ضده تستهدف إجباره على مغادرة الولايات المتحدة. وكان قد حجز لنفسه ولأعضاء وفده في فندق شلبورن حيث تعمدت إدارة الفندق إهانته إذ طلبت من الكوبيين تقديم بعض الضمانات المالية ثم امتلأت الصحف الأمريكية بالقصص الفاضحة التي تزعم أن غرف المندوبين الكوبيين امتلأت بريش الدواجن التى زعموا أن هؤلاء كانوا يذبحونها فى غرفهم ويلتهمونها !
وانتقل كاسترو إلى الإقامة في هارلم- حى الزنوج- وذهب عبد الناصر لزيارته فى ذلك الحى الزنجي المعزول لإبلاغه رغبته فى أن يقترح نقل الأمم المتحدة إلى بلد آخر إذا جعل الأمريكيون من المستحيل على كاسترو أن يشترك فى دورة الجمعية العمومية تلك
وحمل كاسترو لعبد الناصر هدية كانت عبارة عن صندوق خشبى موشى بجلد التمساح. وعندما فتحه عبد الناصرقال : " ظننت أنه صند وق سيجار "، فاعتنر كاسترو قائلا : ".لم أكن أعرف أنك تدخن السيجار، لكننى سأتحقق من أن تصلك كمية من السيجار، ولربما أخطأت في إهدائك صندوقا موشى بجلد التمساح لأن النيل عندكم يعج بالتماسيح ".
أجابه عبد الناصر: " نعم... عندنا" وتطلع إلى سقف الغرفة قبل أن يضيف " أربعة منها بالضبط ! "
وتطلع إليه كاسترو مشدوها : " كيف تيسر لك أن تحصيها "؟ فأجابه الرئيس لأنها جميعا في حديقة الحيوان " !
وسأله كاسترو إذا كان سيستمع إلى خطابه الرئيسي الذى ينوى أن يلقيه فى جلسة بعد الظهر فى الأمم المتحدة، فرد عبد الناصر بأنه على قدر ما كان يود ذلك ، فلن يكون في وسعه أن يحضره لأن موعده مع الرئيس أيزنهاور كان قد حدد فى نفس الموعد المقرر الذى كان كاسترو يتحدث فيه.
واكتأب كاسترو للغاية واعتقد بأن الأمريكيين تعمدوا تحديد الموعد بهذه الطريقة حتى يعرقلوا أى تقارب بينه وبين عبد الناصر. ولكن حتى إذا كان ذلك صحيحا فالواقع أن الأمريكيين لم ينجحوا فى غرضهم إذ قام بين الرجلين إعجاب متبادل تزايد على مر الأيام .
وحث الرئيس عبد الناصر كاسترو- فى اجتماعاتهما في نيويورك- على أمرين :
أولهما : أن لايعلق اهتماما أكثر مما يجب على القاعدة البحرية الأمريكية فى " جوانتانامو " في كوبا، وأن لايسمح لنفسه بأن يساق إلى نزاع عسكرى بسبب تلك القاعدة .
وثانيهما: أهمية وجود قاعدة للثورة . كالوحدة العربية مثلا بالنسبة للثورة المصرية.
وأوضح الرئيس لكاسترو كيف أن فكرة الوحدة العربية قد أعطت النضال المصرى عمقا عظيما وأمدت الثورة بالعمق الاستراتيجى والادبي والسياسي .
وسأل كاسترو إذا كانت ثمة قاعدة أو أسس للوحدة فى أمريكا اللاتينية.
ورد كاسترو بأن هناك بعض الأسس : الدين، واللغة - باستثناء البرازيل بلغتها البرتغالية- والاضطهاد الذى يؤلف القاسم المشترك الأعظم بين جميع دول أمريكا اللاتينية. ولكن لم يقم بعد أى عامل توحيدى فى قوة فكرة الوحدة العربية.![]()
عاد جيفارا إلى القاهرة فى فبراير (شباط) 1965 ومكث فى المنطقة العربية حتى نهاية مارس (آذار). وفى ذلك الحين كان عبد الناصر قد نبذ تماما شكوكه الأولية فى الكوبيين وأخذ يعجب بهم لاندفاعهم فى تأييد مصر وقت السويس وفى صراعهم من أجل الحفاظ على ثورتهم .
وكان عبد الناصر يرى فى كفاحهم ضد الولايات المتحدة فى معركة خليج الخنازير وأزمة الصواريخ الروسية، صراع سمك السردين مع الحوت . وكان اعجابه كله لسمك السردين .
استقبل عبد الناصرجيفارا فى اليوم الثاني من زيارته وشعر على الفور بأن جيفارا يعاني الحزن من ضيق شخصى وكرب عميق . وحاول عبد الناصر أن يحثه على الكلام : كيف تسير الأحوال فى كوبا ؟ هل كل شيء على ما يرام بينه وبين كاسترو؟ "
لكن جيفارا ظل منطويا على نفسه ، ولم يفتح قلبه أو " يفضفض " بالكلام عن مشكلته.
وفى ذلك الاجتماع أبلغ عبد الناصر أنه ذاهب إلى تانزانيا حيث ألفت لجنة لمساعدة حركات التحرير الأفريقية فى دار السلام، ولكن عبد الناصر شعر بأن جيفارا لا يتجه إلى تانزانيا بكل قلبه ...
وعاد جيفارا بعد عشرة أيام قضى بعضها فى الكونجو وقال للرئيس : إن ماشاهده هناك أحزنه وحز في قلبه. وقال إنه قام بزيارة كتيبتين من الزنوج الكوبيين ألفتا وأرسلتا من كوبا للقتال من أجل أنطوان جيزنجا الرجل الذى حاول أن يرث زعامة لومومبا . ومضى يبلغ الرئيس " إنه يفكر في الانضمام إلى الكفاح وفى تولى قيادة الكتيبتين .
ودهش عبد الناصر مما سمع... بينما استطرد جيفارا- الذى كان يرافقه فى المقابلة السفير الكوبي فى تانزانيا السنيور ريفالتا الزعيم السابق لنقابة عمال السيجار في كوبا- يقول : " لقد أمضيت ليلتى كلها أذرع أرض غرفتى في فندق شبرد محاولا أن أقرر إذا كان يجب أن أقابلك وأخبرك بذلك بينما أمضى صديقي ريفالتا وقته يلف سيجارين لك ".
وكان ريفالتا يحمل دائما أوراق التبغ الكوبي معه ليلف السيجار حيثما أتيح له. وهكذا لف فى ليلة تردد جيفارا سيجارين بالغى الطول للرئيس بينما كان جيفارا يحاول أن يقرر ما إذا كان له أن ينبىء الرئيس عبد الناصر بأنه ينوى أن يقاتل فى الكونجو .
وما لبث جيفارا أن بدأ يتكلم ليوضح موقفه للرئيس :
إننى أرى أنه يجب أن نفعل المزيد من أجل الثورة فى العالم . وقد فكرت فى أنه يتعين على أن أتوجه إلى أفريقيا لأفعل شيئا ما. إن لى خبرتي وتجربتى فى النشاطات الثورية وفي التنظيم الثورى وأعتقد أن الأسباب مهيأة فى أفريقيا.
" وأعتقد أننى سأتوجه إلى الكونجو لأنها أكئر بقاع العالم تفجرا ، وأخال أننا نستطيع- بمساعدة الأفريقيين عبر لجنة تانزانيا وبواسطة الكتيبتين الكوبيتين- أن نؤذى الاستعماريين فى قلب مصالحهم في كاتانجا " .
ورد عليه عبد الناصر قائلا : " إنك تدهشني ماذا حدث لكل ما كنت تفعله في كوبا ؟ هل تخاصمت مع كاسترو؟ لا أريد أن أتدخل لكنك إذا كنت تريد أن تصبح " طرزانا " ثانيا ، رجلا أبيض يقحم نفسه بين الزنوج ليقودهم ويحميهم ، فإن ذلك لن يفلح .
وضحك جيفارا من فكرة تحوله إلى " طرزان " . وانتهى الاجتماع الذى كان فى الوقت نفسه بداية سلسلة من الحديث والحوار بين عبد الناصر وجيفارا . حوار بين مناضلين ثوريين كان رأيهما واجتهادهما في طريقة تحقيق الثورة تختلف بشكل جوهرى في معظم الأحيان .![]()
كان عبد الناصر يحب جيفارا. وكان يشعر بميل عاطفى خاص نحو هذا الزعيم الكوبي ، وفي أثناء الحديث، بدأت تتجلى أسباب حزن جيفارا. فقد قال يبسط الوضع ، إنه يكن احتراما شديدا لكاسترو ويعتبره أخا ومعلما، ولكن قامت بينهما أشياء لم تكن كلها سوية . أولها أنه جعل راءول كاسترو يعتنق الشيوعية بينما كان في المكسيك ولم يخبرفيدل بذلك . ثم أدخل راءول في عضوية الحزب الشيوعى وقرر معه أن يخفيا الأمر على فيدل. ولما عرف فيدل كاسترو بالأمر استشاط غضبا : غضب لما حدث كما غضب لأنه أخفى عنه.
كذلك عكر العلاقات بينهما أنه كانت له أحيانا- برغم أنه لا يشك مطلقا في الإخلاص الثورى لكاسترو- بعض التحفظات إزاء معتقدات كاسترو الاجتماعية أئناء كفاحهما المسلح فى الجبال .
وعلى كل حال، فقد كان غضب كاسترو وشكوك جيفارا قد مضيا ، ومنح كاسترو رفيقه فرصته فى أن يزاول حقه الثورى كاملا، فقد أعطاه- وهو الأرجنتينى- الجنسية الكوبية وجعله وزيرا للصناعة .
ولكن مصاعب ذلك المنصب كانت هائلة ووجد جيفارا أن الكثيرين أخذوا يهاجمونه بسبب افتقاره إلى النجاح بشكل جعله يشعر بأنه يفتح المجال لمهاجمة فيدل كاسترو شخصيا.
وقال جيفارا إنه يشعر بأنه يتخبط فى أزمة . فقد كانت لديه أسئلة عديدة لا يستطيع أن يجد لها جوابا. وقال إن كوبا تواجه مشكلات هائلة. وليست هناك حلول سريعة. واعترف قائلا : " لقد تخبطنا- وربما كنت أنا المسئول عن هذه الأخطاء- فقد أممنا 98 فى المائة من كل ما وجدناه ، أممنا حتى دكاكين الحلاقة، وبعد ذلك وجدنا أنه كان علينا أن نترك بعض الناس خارج نطاق التأميم " .
ومضى جيفارا يقول :
لقد تعودت أن أتحدث كثيرا عن التحول الاجتماعى . ومن ثم كلفت مهمة الإشراف على ذلك التحول ، وكان المشكل الأول الذى واجهته هو إيجاد الأشخاص الذين يمكنهم أن يديروا المؤسسات المؤممة ثم وجدناهم وظننا أنهم سيكونون ممثلين للثورة، فاكتشفنا أنهم لا ينتمون إلى الحزب الثورى إنما إلى الحزب الإدارى .
فقد نسوا حماسهم الثورى فى أحضان السكرتيرات الفاتنات وعلى مقاعد سياراتهم الفخمة وفى أجواء امتيازاتهم ومكاتبهم وبيوتهم المكيفة الهواء ، وأخذوا يغلقون أبواب مكاتبهم في وجوه الناس للحفاظ على الهواء المكيف بدلا من أن يفتحوها لاستقبال العمال .
لقد شعرت بأننا نعطى الانتهازية فرصتها. وقد وجدنا رجلا يحتفظ فى مكتبه بسبعة عشر جهاز تلفزيون .
![]()
أحسست بأنه ليس لدينا حزب، إننى شيوعى وقد قرأت القدر الكثير من الكتب الشيوعية وأصبحت معذبا مشتتا ببن الثورة والدولة. "
وكان جيفارا يتكلم بملء اندفاعه. كانت خيبة أمله واضحة وضوح حزنه وكربه وكان صدره مليئا بأسثلة تفتقرإلى جواب .
" من هو الشيوعى؟ ماهو دور الحزب؟ هل الشيوعى مجرد ملحد؟ هل يتعين على الشيوعى أن يعمل أكثر من الآخرين؟ لقد قلت ذات يوم إن على الشيوعى أن يكون آخر من يأكل وآخر من ينام وأول من يستيقظ . لكننى تبينت أن ما قلت هو وصف لعامل جيد وليس وصفا لشيوعى جيد.
من يسن القوانين؟ ما هى العلاقة بين الحزب والدولة؟ وبين الثورة الناس؟ حتى يومنا هذا ظلت هذه العلاقات تدار بانتقال الأفكار واستقرائها تلقائيا . لكن هذه الطريقة لم تعد كافية.
إننا شديدو التعاسة من كثير من الأشياء الى نراها حولنا ، إننا لسنا راضين عن الستالينية لكننا لا نقبل رد الفعل ضد الستالينية...
ثم إن هناك تناقضا فى الشيوعية. فعندما كنت أفاوض الاتحاد السوفييتى أحيانا، وجدت أن الروس يريدون أن يشتروا موادنا الخام بسعر السوق السائد الذى يحدده الاستعماريون . على أننى لا أستطيع أن أقبل ذلك من دولة اشتراكية. ولقد ناقشت هذه الناحية مع الروس .. فقالوا إنهم مضطرون إلى أن يبيعوا في سوق تنافسية. وعند ذلك سألهم عن الفرق بينهم وبين الاستعماريين الذين يحددون الأسعار، فقالوا إنهم يفهمون جيدا وجهة نظرى وأنهم يدركون أن المواد الخام تجمع من عذاب واحتضار شعوب الدول المتخلفة ولكن ليس لديهم- على حد قولهم- من بديل . " إننا مضطرون إلى البيع فى سوق تنافسية "
وبعد ذلك سألتهم عن السلع والمنتجات الجاهزة التى يبيعونها لنا وقلت لهم : إنكم تعتمدون فى الإنتاج على آلات التسميد الذاتي وبالتالى لا تدفعون أجورا مرتفعة فى مقابل الإنتاج، أى أنكم تنتجون تلك السلع بتكلفة رخيصة ومع ذلك تبيعون إياها بنفس أسعار السوق العالمبة أى أننا نواجه الانسحاق في كل حالة ، ولا نجد أملا لنا حتى معكم ! "
ومضى بعد ذلك يناقش دور كوبا فى أمريكا اللاتينية وقال إن الحركة الوحيدة التى قامت قبل الثورة الكوبية وكانت تستحق الاهتمام هى حركة بيرون في الأرجنتين وقال إن بيرون حقق بعض الأشياء المهمة في ميدان التصنيع لكنه أخفق كليا فى فهم دور البروليتاريا وقد أخفقت حركته وفشلت بسبب افتقارها إلى عنصر النضال الشعبى .
واستطرد يقول : " وقد أخفقت كذلك لأن بيرون كان جبانا فلم يستطع أن يستجمع ما يكفي من الشجاعة لمواجهة الموت وعندما حان وقت إظهار الشجاعة آثر الهرب " .
وقال جيفارا: " إن نقطة التحول في حياة كل إنسان تحل فى اللحظة التى يقرر فيها أن يواجه الموت . فإذا قرر أن يجابه الموت يكون بطلا سواء نجح أم أخفق . إن فى وسع الإنسان أن يكون سياسيا صالحا أو رديئا ولكن إذا كان لا يستطيع أن يواجه الموت فإنه لن يكون أكئر من مجرد رجل سياسي "
تلك كانت العقيدة التى عاشها جيفارا ومات من أجلها.![]()
واستمرت المناقشات ليال عدة فى بيت الرئيس وكان من الأشياء التى رواها جيفارا للرئيس عبد الناصر أنهم كانوا قرروا البدء بالثورة فى كوبا مع أن الأسباب لم تكن ملائمة لها، لأنهم شعروا بأن قرار إشعال الثورة نفسه يشكل عاملا ثوريا يجب أن يحسب حسابه.
وناقشه عبد الناصر في حججه تلك قائلا إنه يدرك أن قرار إشعال الثورة يمكن أن يكون في حد ذاته عاملا حتى لو كانت الشروط الموضوعية غير مكتملة بعد ، ولكن هناك متطلبات أساسية لا يمكن تجاهلها فإذا ما أهملت فإن القيام بالثورة يمكن أن يكون عملا يائسا.
وقال عبد الناصر لجيفارا:
" عليك- قبل كل شيء- أن تنسى كليا فكرة الذهاب إلى الكونجو هذه . انها لن تنجح وسوف يكتشف أمرك بسهولة لأنك رجل أبيض . وإذا رافقك آخرون من البيض فإنك ستعطى الاستعماريين فرصة أن يقولوا إنه ليس هناك فارق بينكم وبين الجنود المرتزقة .
إننى أعتقد بأن الثورة ظاهرة عالمية النطاق لا تفرق بين مختلف الألوان والأجناس ولكن هناك أشياء معينة يجب أن تدخل فى الاعتبار، أن ما ينبغى علينا عمله هو أن نساعد الإفريقيين . ولنحاول فى هذا أن نعطى كل شعب الحق في أن يفعل ما يعتبره صائبا .
لكنك إذا ذهبت إلى الكونجو مع الكتيبتين الكوبيتين وإذا أرسلت معك فيلقا مصريا فإن عملنا سيوصم بأنه تدخل أجنبى وسيؤذى أكثر مما يفيد " .
ومضى عبد الناصر يناقش مسألة القواعد اللازمة للثورة الناجحة ، قال : ربما كنت أختلف مع وجهة النظر الماركسية الجامدة التى تقول إن الثورة لا يمكن أن تنشب الا حيث تكون هناك بروليتاريا متطورة- ولقد أثبت كل من لينين وماوتسى تونج عدم صحة هذه النظرية- لكننى أرى أنه لابد من أن تكون هناك على الأقل نواة من البورجوازية الصغيرة والعمال .
كما أن الأمر يتطلب توافر المقومات الأساسية لمرافق المواصلات. فالأفكار تحتاج إلى المواصلات مثلما يحتاج إليها الاقتصاد. وإذا كان الاقتصاد في حاجة إلى طرق ومطارات فإن الأفكار كذلك تحتاج إلى وسائل الانتقال وبالتالى لا يمكن أن تكون هناك ثورة جماهيرية عامة دون أن تتوفر المقومات الأساسية لمرافق الخدمات العامة .
لقد عانيت ذلك فى اليمن واختبرته. فعندما بدأت الثورة هناك، وجدتنى أهب لمساعدتها. ومع أننى تلقيت من التقارير ما يفيد أن الو!قع هناك غير صالح للثورة فقد قلت مئلك إن مجرد أن الثورة قامت فإن ذلك يؤلف عنصرا وضعيا في حد ذاته وبالتالي تجب مساعدتها .
على أننى ما لبثت أن اكتشفت أولا أنه لا يمكن مساعدة الثورة من الخارج ، وثانيا أن ذلك سيقتضى وقتا طويلا وكثيرا من العذاب. ووجدت أننا بينما نستطيع أن نسارع في العملية التاريخية للثورة فإننا لا نستطيع أن نقفز متخطين العملية الطبيعية العضوية التى تخلق قوى الثورة .![]()
في ذلك الحين كان الرئيس عبد الناصر يخوض حملة لتجديد فترة رئاسته للجمهورية العربية المتحدة ، فكان يجول فى المدن والأرياف ملقيا الخطب ومجتمعا إلى الجماهير . وهكذا أبلغ جيفارا بعد جلسة مناقشة طويلة بينهما أنه لن يسعه أن يقابله فى اليوم التالى لأنه سيكون خارج القاهرة لافتتاح العمل فى أحد المصانع .
وحول هذا الأعتذار دفة الحديث من جديد إلى الصناعة فقال جيفارا إن بناء المصنع وإدارته يؤلفان عبئا عسيرا. وأعرب عن رأيه في أن أكثر ناحية مجزية من الثورة تكمن فى النشاط السياسي وسط الجماهير، وأن تصريف شئون المصانع هو عمل يبعث على الملل والقنوط .
ورد عبد الناصر بأن عملية الحماسة المطلقة تأتي في المرحلة الرومانسية من الثورة وأن يوم إندلاع الثورة هو يوم تحقيق أهداف الرومانسية - إنه ليلة الزفاف . ولكن عليك بعد الزفاف أن تجعل الزواج ناجحا . عليك أن تكسب مالا وأن تبنى بيتا وتنجب أطفالا. وهذ هو المقصود بالثورة . وهذا ما تعنيه الثورة. إنها تعنى معاناة العبء العسير الكامن في بناء المصانع واستصلاح الأراضي وتحويل الحماسة المطلقة إلى حماسة لخطة محددة وهدف بذاته.
قال جيفارا وهو يفتر عن ابتسامة : " لقد حطمت أنا زواجين ... "
وراح الرئيس عبد الناصر يشدد عليه مرة أخرى بشأن نظريته فى استكمال أسباب نجاح الثورة فقال :
إننا إذا اكتفينا برومانسية الثورة دون أن تتوافر لدينا التطورات اللازمة لها. فإن ذلك سيكون كارثة ولن تكون هناك ثورة ما لم نقم بكل تلك المهمات المملة والتى تبعث على العجز كما تقول ".
واستطرد يخاطب جيفارا : " أعرف أنك كنت طبيبا... إذن فشأنك في ذلك شأن جراح مدد مريضا على مائدة العمليات وبنجه وشق بطنه ثم رفض أن يمضى قدما في إجراء العملية. لا يجوز بل ولا يمكن أن ثفعل ذلك " .
ورد جيفارا وقد بدت عليه كل علامات الأسى وخيبة الأمل :
" ولكن ليس الثوريون هم الذين يقومون بمهمة تصريف الأعمال بعد الثورة . إنما هم الفنيون والبيروقراطيون الذين هم ضد الثورة .
أتعرف أننى أعتقد بأن هناك قانونا أساسيا وحيدا في الاشتراكية لم يكتشفه أحد بعد . لقد درست ماركس ولينين وتابعت جميع تجاربهما وأنا مقتنع بأن ما من أحد قد عثر بعد على ذلك القانون الأساسى . في برهة من الزمن ظنت أنه التخطيط لأن الانسان استطاع للمرة الأولى من خلال التخطيط أن يصب مستقبله في قالب جديد وأن يعيد تشكيل ذلك المستقبل، لكننى ما لبثت أن وجدت أننا عندما نصل إلى التخطيط فإننا نجابه الفنيين والييروقراطيين وهؤلاء يعملون ضد الثورة ويناهضونها " .
وهنا سأله الرئيس إذا كان يود أن يرافقه إلى افتتاح المصنع الجديد حيث سيكون فى وسعهما أن يشاهدا بعض النتائج العملية للئورة المصرية. ورد جيفارا بالإيجاب وانطلقا معاً فى اليوم التالى .![]()
لقى عبد الناصر استقبالا عارما فقد اندفعت قرى بأسرها بقضها وقضيضها لتحية موكبه وحاول الناس إيقاف سيارته بإلقاء أنفسهم أمامها. وفى ذلك المصنع تجمعت الألوف المؤلفة تهتف لعبد الناصر.
ودب الانفعال الشديد فى جيفارا فقال : هذا ما أريده . هذا هو الغليان الثورى ".
وقال عبد الناصر:
" حسنا... لكنك لا تستطيع أن تحصل على هذا... " وأشار إلى الجمهور " دون ذاك " ثم أشار إلى المصنع. وقال: " لن تستطيع إدراك النجاح ما لم تنشىء ذلك المصنع " .
استولى ذلك كله على لب جيفارا حتى أنه وقف فى أحد الاجتماعات وقال بأعلى صوته مخاطبا الرئيس :
" حبذا لو أستطيع أن أصوت لك " .
وقام الضيف الكوبي كذلك بزيارة للسد العالى وأعجب كل الإعجاب بما شاهده- شأنه في ذلك شأن كل من توجه إلى زيارة السد- وقد اتخذ الرئيس عبد الناصر من السد العالى مثلا يدعم به حجته حول الحاجة إلى بناء الثورة وقال فى هذا الصدد: " لقد خضنا معركة من أجل السد العالى . كانت هناك رومانسية الثورة بأسرها والرومانسية الكاملة لمعركة كبرى ضد ثلاث دول . لقد تعرضت السويس للغزو بسبب السد العالى. ولكن كان علينا- بعد انتهاء القتال- أن نعكف على المهمة الحقيقية. وقد اعتاد دالاس أن يقول لنا إننا سنلعن اليوم، الذى فكرنا فيه فى بناء السد بسبب التضحيات التى سيفرضها على الشعب المصرى . ولكن هذه هى الثورة. إن هذه التضحيات هى الثورة . الثورة هى العمل يوما بعد يوم لحفر الأسس الصخرية وبناء الأنفاق وتركيب الآلات فهذا ما يغير المجتمع . إن قمة الفاعلية الثورية هى تجنيد الناس للقبول بالتضحيات اللازمة للبناء على الدوام .
و في المرة التالية التى التقيا فيها قال جيفارا لعبد الناصر :
" لعلنا نستطيع أن نجد سبيلا. ربما استطعنا تسييس البيروقراطيين و الفنيين . وقد تصبح الثورة في مأمن إذا استطعنا ذلك ".
وظل يعود طوال حواره مع عبد الناصر إلى موضوعه الشخصى ... مشكلة توافر الأسئلة وانعدام الأجوبة والحلول . وظل عبد الناصر بدوره يحاول حمله على الإفصاح عن مشكلاته على أمل أن تنبثق- فى النقاش- بعض الإجابات والحلول .
و سأله عبد الناصر ذات يوم : " ماذا يشغلك؟ " فهز جيفارا رأسه وأجاب : " فى الحقيقة أشعر بأننى لست أهلا للقيام بما أقوم به وأنا أبحث عن مكان آخر أذهب إليه . لقد فكرت فى الذهاب إلى الكونجو لكننى بعد أن رأيت ما يجرى هناك وجدتنى أميل إلى التسليم بوجهة نظرك بأن ذهابي إلى الكونجو قد يكون ضارا .
لقد فكرت في الذهاب إلى فيتنام . فأنا أكثر إعجابا وتأثرا بما يجرى هناك منى بما يجرى في أى مكان آخر. ذلك أنه إنجاز خارق أن يكون هؤلاء الناس قد استطاعوا أن يحاربوا اليابانيين والفرنسيين والأمريكيين بشكل متواصل. إن ما فعلوه بالأمريكيين بسيط وخارق الذكاء. فقد أجبروهم على القتال في أمكنة وظروف تخالف أسلوبهم فى الحياة ... " .
وقال جيفارا إنه كان راغبا أشد الرغبة في الذهاب إلى فيتنام . لكنه لم يفعل لأن وجوده هناك قد يسبب لكوبا قدرا كبيرا من المصاعب. واستدرك قائلا : ولكن ربما يكون فى وسعنا أن نخلق فيتنام أخرى ... " ما أشد حاجتنا إلى عدد من تلك الفيتنامات ! " .
والواقع أن جيفارا كثيراً ما عاد إلى ترديد موضوع خلق فيتنامات أخريات. وكان يقول : " أريد أن أفعل شيئا يهز النظام العالمى لأننى لا أعتبر ما لدينا الآن سلاما . إنه ليس بسلام وليس علينا أن ندافع عنه ونصونه.. إن ما لدينا هو سلام بأى ثمن . سلام رتبته الحلول الوسط بين الدول الكبرى . وإذا ما قبلنا بالسلام بأى ثمن فإننا نكون قد قبلنا فى الحقيقة حربا مستمرة، حتى ولو كانت هذه الحرب خفية ".![]()
وسأل جيفارا الرئيس عبد الناصر عن ظاهرة الانقلابات العسكرية فى أفريقيا وعما إذا كان من شأن مثل تلك الانقلابات أن تجهض العملية الثورية. وأجابه عبد الناصر بأنه يجرى- وفق تحليله- إجهاض العملية الثورية فى أفريقيا على يد الاستعمار الجديد في غمرة من تحول الإمبرياليين من الاستعمار القديم إلى الاستعمار الجديد، مصطنعين في ذلك القلائل ، مدبرين الانقلابات ، سالبين شعارات الثورة ، خادعين الناس، مضلليهم على طول الخط .
وفي أخر اجتماع بينهما أبلغ جيفارا الرئيس عبد الناصر أنه لايظن أنه سيبقى في كوبا . وقال إنه لم يقرر بعد أين سيذهب لكن الشيء الوحيد الذى ينتظره هو أن يقرر " أين يعثر على مكان يكافح فيه من أجل الثورة العالمية ويقبل تحدى الموت ".
وسأله عبد الناصر: " لماذا تتحدث دائماً عن الموت ؟ إنك شاب. إن علينا أن نموت من أجل الثورة إذا كان ذلك ضروريا، ولكن من الأفضل بكثير أن نعيش من أجلها "
لكن جيفارا كان أدرى بقدره .
ذلك أنه كان قد بلغ من خيبة الأمل في حياته ومن خيبة الأمل فى أحلامه ما جعل أمنية الموت تستبد به. لم يكن راغبا فى إدارة المصانع والتعامل مع الفنيين والبيروقراطيين . كان يريد أن يقاتل ، كان يريد أن يواجه الموت في شجاعة وأن يقف وجهاً لوجه مع الموت ويحدق في نظره !
وقد تأثر عبد الناصر تأثرأ بالغاً بالرسالة التى وجهها جيفارا إلى كاسترو عندما ذهب إلى مغامرته الأخيرة فى بوليفيا. فقد كانت تحتوى على الكثير مما تحدثنا عنه فى حوارهما الطويل. وفي تلك الرسالة قال جيفارا:
" إما أن ينتصر الإنسان أو أن يموت. ولقد قضى الكثيرون من رفاقنا نحبهم في الطريق إلى النصر. أما الآن فقد أصبح كل شيء أقل دراماتيكية، إننى أشعربأننى أنجزت ذلك الجزء من عملى الذى كان يربطنى بالثورة الكوبية.
إن بلادا أخرى في هذا العالم تحتاج إلى جهودى . وبعد فإني أستطيع القيام بما لاتستطيعه أنت بسب مسئولياتك فى قيادة كوبا. أجل لقد حان وقت الرحيل والاقتراق . وأريدك أن تعرف أننى أرحل بمزيج من الغبطة والألم . فإذا جاءت ساعتي تحت سماء أخرى فإنك والشعب الكوبي ستكونان في خاطري قبل أن ألفظ نفسي الأخير . النصر أو الثورة أو الموت ... "
وهكذا انطلق جيفارا يحمل الثورة إلى بوليفيا . لكنه وجد هناك ما كان عبد الناصر قد حذره منه. لم تكن هناك قاعدة ثورية. لقد جاء بالشرارة ولكن البارود لم يكن جاهزا للتفجير بعد . وأخفق جيفارا . ثم تعرض للخيانة... ثم التقى بالموت ... وكان شجاعاً فى لقائه مع الموت ... ولم يهرب وإنما ذهب !
سيرة أرنستو تشي جيفارا
"يجب أن نتذكر دائماَ أن الإمبريالية نظام عالمي، هو المرحلة الأخيرة من الإستعمار، ويجب أن تهزم بمواجهة عالمية."هذا ما قاله أرنستو غيفارا
ولد جيفارا في 14/6/1928 في روزاريو (الأرجنتين). أصيب بالربو منذ طفولته ولازمه المرض طوال حياته.ومراعاة لصحة ابنها المصاب بالربو استقرت أسرته في ألتا غراسيا في السيرا دو كوردوبا. وفيها أسس والده لجنة مساندة للجمهورية الإسبانية عام1937, وفي 1944 استقرت الأسرة في بيونس ايريس.
ومن 1945 إلى 1953 أتم إرنيستو بنجاح دراساته الطبية. و بسرعة جعلته صلته بأكثر الناس فقرا وحرمانا وبالمرضى مثل المصابين بالجذام، وكذا سفره المديد الأول عبر أمريكا اللاتينية، واعيا بالتفاوت الاجتماعي وبالظلم.
إمتهن الطب، إلا أنه ظل مولعاَ بالأدب والسياسة والفلسفة، سافر أرنستو تشي غيفارا إلى غواتيمالا عام 1954 على أمل الإنضمام إلى صفوف الثوار لكن حكومة كاستيلو أرماس العميلة للولايات المتحدة الأميركية قضت على الثورة. وانتقل بعد ذلك إلى المكسيك حيث التقى بفيدل كاسترو وأشعلوا الثورة ضد نظام حكم "باتيستا" الرجعي حتى سقوطه سنة 1959. وتولى منصب رئيس المصرف الوطني سنة 1959. ووزارة الصناعة (1961 -1965).
حصل تشي بالكاد على شهادته لما غادر من جديد الأرجنتين نحو رحلة جديدة عبر أمريكا اللاتينية. وقد كان عام 1951، خلال رحلته الأولى، قد لاحظ بؤس الفلاحين الهنود. كما تبين استغلال العمال في مناجم النحاس بشيلي والتي تملكها شركات أمريكية. وفي عام 1953 في بوليفيا والبيرو، مرورا بباناما وبلدان أخرى، ناقش مع منفيين سياسيين يساريين من كل مكان تقريبا، ولاسيما مع كاسترويين كوبيين. تسيس، وفي تلك اللحظة قرر فعلا الالتحاق بصفوف الثوريين. واعتبر نفسه آنذاك شيوعيا.
وفي العام 1954 توقف في غواتيمالا التي كانت تشهد غليانا ديمقراطيا في ظل حكومة جاكوب أربنز. وشارك تشي في مقاومة الانقلاب العسكري الذي دبرته المخابرات الأمريكية والذي انهى الإصلاحات الزراعية التي قام بها أربنز، وستطبع هذه التجربة فكره السياسي.
التحق آنذاك بالمكسيك. وهناك تعرف في تموز/ يوليو 1955 على فيديل كاسترو الذي لجأ إلى ميكسيكو بعد الهجوم الفاشل على ثكنة مونكادا في سانتياغو دو كوبا. وجنده كاسترو طبيبا في البعثة التي ستحرر كوبا من ديكتاتورية باتيستا. وهناك سمي بتشي وهو تعبيير تعجب يستعمله الأرجنتينيون عمليا في نهاية كل جملة.
وفي حزيران/يونيو 1956 سجن تشي في مكسيك مع فيدل كاسترو ومجموعة متمردين كوبيين. واطلق سراحهم بعد شهرين.
1956-1965 الثورة الكوبية
بدءا من 1965 ارتمى تشي مع رفاقه في التحرير الوطني
يوم 9 أكتوبر 1967 مات تشي غيفارا إذ اغتاله الجيش البوليفي ومستشارو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية
الثورة الكوبية
في 1959 اكتسح رجال حرب العصابات هافانا برئاسة فيدل كاسترو واسقطوا الديكتاتورية العسكرية لفولجنسيو باتيستا. هذا برغم تسليح حكومة الولايات المتحدة وتمويلها لباتيستا ولعملاء الـ CIA داخل جيش عصابات كاسترو.
دخل الثوار كوبا على ظهر زورق ولم يكن معهم سوى ثمانين رجلا لم يبق منهم سوى 10 رجال فقط، بينهم كاسترو وأخوه "راءول" وجيفارا، ولكن هذا الهجوم الفاشل أكسبهم مؤيدين كثيرين خاصة في المناطق الريفية، وظلت المجموعة تمارس حرب العصابات لمدة سنتين وخسروا نصف عددهم في معركة مع الجيش.
كان خطاب كاسترو سبباً في إضراب شامل، وبواسطة خطة جيفارا للنزول من جبال سييرا باتجاه العاصمة الكوبية تمكن الثوار من دخول العاصمة هافانا في يناير 1959 على رأس ثلاثمائة مقاتل، ليبدأ عهد جديد في حياة كوبا بعد انتصار الثورة وإطاحتها بحكم الديكتاتور "باتيستا"، وفي تلك الأثناء اكتسب جيفارا لقب "تشي" الأرجنتيني، وتزوج من زوجته الثانية "إليدا مارش"، وأنجب منها أربعة أبناء بعد أن طلّق زوجته الأولى.
برز تشي جيفارا كقائد ومقاتل شرس جدا لا يهاب الموت و سريع البديهة يحسن التصرف في الأزمات. لم يعد جيفارا مجرد طبيب بل أصبح قائدا برتبة عقيد، وشريك فيدل كاسترو في قيادة الثورة، وقد أشرف كاسترو على استراتيجية المعارك بينما قاد وخطط جيفارا للمعارك.
عرف كاسترو بخطاباته التي صنعت له وللثورة شعبيتها، لكن جيفارا كان خلف أدلجة الخطاب وإعادة رسم ايديولوجيا الثورة على الأساس الماركسي اللينيني.
جيفارا وزيراً
صدر قانون يعطي الجنسية والمواطنية الكاملة لكل من حارب مع الثوار برتبة عقيد، ولم توجد هذه المواصفات سوى في جيفارا الذي عيّن مديرا للمصرف المركزي وأشرف على محاكمات خصوم الثورة وبناء الدولة في فترة لم تعلن فيها الثورة عن وجهها الشيوعي، وما أن أمسكت الثورة بزمام الأمور -وبخاصة الجيش- حتى قامت الحكومة الشيوعية التي كان فيها جيفارا وزيراً للصناعة وممثلاً لكوبا في الخارج ومتحدثاً باسمها في الأمم المتحدة. كما قام بزيارة الإتحاد السوفيتي والصين، واختلف مع السوفييت على إثر سحب صورايخهم من كوبا بعد أن وقعت الولايات المتحدة معاهدة عدم اعتداء مع كوبا.
تولى جيفارا بعد استقرار الحكومة الثورية الجديدة –وعلى رأسها فيدل كاسترو- على التوالي، وأحيانا في نفس الوقت المناصب التالية:
* سفير منتدب إلى الهيئات الدولية الكبرى.
* منظم الميليشيا.
* رئيس البنك المركزي.
* مسئول التخطيط.
* وزير الصناعة.
ومن خلال هذه المناصب قام الـ"تشي" بالتصدي بكل قوة لتدخلات الولايات المتحدة؛ فقرر تأميم جميع مصالح الدولة بالاتفاق مع كاسترو؛ فشددت الولايات المتحدة الحصار على كوبا، وهو ما جعل الحكومة الكوبية تتجه تدريجيا نحو الاتحاد السوفيتي. كما أعلنت عن مساندتها لحركات التحرير في كل من: تشيلي، وفيتنام، والجزائر.
اختفائه
لم يرتح جيفارا للحياة السياسية فاختفى، ونشرت مقالات كثيرة عن مقتله لكي يرد لعل رده يحدد مكانه لكنه لم يرد.
نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية شائعات تدعي فيها اختفاء إرنستو تشي جيفارا في ظروف غامضة، ومقتله على يد زميله في النضال القائد الكوبي فيدل كاسترو، ممااضطر الزعيم الكوبي للكشف عن الغموض الذي اكتنف اختفائه من الجزيرة للشعب الكوبي فأدلى بخطابه الشهير الذي ورد في بعض أجزائه ما يلي:
«لدي هنا رسالة كتبت بخط اليد، من الرفيق إرنستو جيفارا يقول فيها: أشعر أني أتممت ما لدي من واجبات تربطني بالثورة الكوبية على أرضها، لهذا أستودعك، وأستودع الرفاق، وأستودع شعبك الذي أصبح شعبي. أتقدم رسميا باستقالتي من قيادة الحزب، ومن منصبي كوزير، ومن رتبة القائد، ومن جنسيتي الكوبية، لم يعد يربطني شيء قانوني بكوبا.»
في أكتوبر 1965 أرسل جيفارا رسالة إلى كاسترو تخلى فيها نهائيا عن مسؤولياته في قيادة الحزب، وعن منصبه كوزير، وعن رتبته كقائد، وعن وضعه ككوبي، إلا أنه أعلن عن أن هناك روابط طبيعة أخرى لا يمكن القضاء عليها بالأوراق الرسمية، كما عبر عن حبه العميق لكاسترو ولكوبا، وحنينه لأيام النضال المشترك.
أكدت هذه الرسالة إصراره على عدم العودة إلى كوبا بصفة رسمية، بل كثائر يبحث عن ملاذ آمن بين الحين والآخر. ثم أوقف مساعيه الثورية في الكونغو وأخذ الثائر فيه يبحث عن قضية عالمية أخرى.
و قد قال في ذلك: "..ان الثورة تتجمد وان الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش و دماء الثورة مجمدة داخلي."
الكونغو
جيفارا في الكونغو
في عام 1965 سافر جيفارا إلى الكونغو وسعى لإقامة مجموعات حرب عصابات فيها. ومع أن فكرته لم تلق صدى واسعا لدى بعض القادة، أصر جيفارا على موقفه، وتموه بملابس رجل أعمال ثري، لينطلق في رحلة طويلة سافر فيها من بلد إلى آخر ليواجه المصاعب تلو الأخرى.
ذهب "تشي" لأفريقيا مسانداً للثورات التحررية، قائدا لـ 125 كوبيا، ولكن فشلت التجربة الأفريقية لأسباب عديدة، منها عدم تعاون رؤوس الثورة الأفارقة، واختلاف المناخ واللغة، وانتهى الأمر بالـ"تشي" في أحد المستشفيات في براغ للنقاهة، وزاره كاسترو بنفسه ليرجوه العودة، لكنه بقي في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية) محارباً بجانب قائد ثورة الكونغو باتريس لومومبا، لكنه فجأة ظهر في بوليفيا قائدا لثورة جديدة، ولم يوثق هذه المرحلة سوى رسائله لفيديل كاسترو الذي لم ينقطع الإتصال معه حتى أيامه الأخيرة.
بوليفيا
لم يكن مشروع "تشي" خلق حركة مسلحة بوليفية، بل التحضير لرص صفوف الحركات التحررية في أمريكا اللاتينية لمجابهة النزعة الأمريكية المستغلة لثروات دول القارة. منذ بداية عام 1967 وجد جيفارا نفسه مع مقاتليه العشرين، وحيداً يواجه وحدات الجيش المدججة بالسلاح بقيادة السي أي إيه في براري بوليفيا الاستوائية. أراد جيفارا أن يمضي بعض الوقت في حشد القوى والعمل على تجنيد الفلاحين والهنود الحمر من حوله، ولكنه أجبر على خوض المعارك مبكراً.
وقد قام "تشي" بقيادة مجموعة من المحاربين لتحقيق هذه الأهداف، وقام أثناء تلك الفترة الواقعة بين 7 نوفمبر 1966 و7 أكتوبر 1967 بكتابه يوميات المعركة.
اغتياله
ألقي القبض على اثنين من مراسلي الثوار، فاعترفوا تحت قسوة التعذيب أن جيفارا هو قائد الثوار. فبدأت حينها مطاردة لشخص واحد. بقيت السي أي على رأس جهود الجيش البوليفي طوال الحملة، فانتشر آلاف الجنود لتمشيط المناطق الوعرة بحثا عن أربعين رجلا ضعيفا وجائعا. قسم جيفارا قواته لتسريع تقدمها، ثم أمضوا بعد ذلك أربعة أشهر متفرقين عن بعضهم في الأدغال. إلى جانب ظروف الضعف والعزلة هذه، تعرض جيفارا إلى أزمات ربو حادة، مما ساهم في تسهيل البحث عنه ومطاردته.
في يوم 8 أكتوبر 1967 وفي أحد وديان بوليفيا الضيقة هاجمت قوات الجيش البوليفي المكونة من 1500 فرد مجموعة جيفارا المكونة من 16 فرداً، وقد ظل جيفارا ورفاقه يقاتلون 6 ساعات كاملة وهو شيء نادر الحدوث في حرب العصابات في منطقة صخرية وعرة، تجعل حتى الاتصال بينهم شبه مستحيل. وقد استمر "تشي" في القتال حتى بعد موت جميع أفراد المجموعة رغم إصابته بجروح في ساقه إلى أن دُمّرت بندقيته (م-2) وضاع مخزن مسدسه وهو مايفسر وقوعه في الأسر حياً. نُقل "تشي" إلى قرية "لاهيجيرا"، وبقي حياً لمدة 24 ساعة، ورفض أن يتبادل كلمة واحدة مع من أسروه. وفي مدرسة القرية نفذ ضابط الصف "ماريو تيران" تعليمات ضابطيه: "ميجيل أيوروا" و"أندريس سيلنيش" بإطلاق النار على "تشي".
دخل ماريو عليه متردداً فقال له "تشي": أطلق النار، لا تخف؛ إنك ببساطة ستقتل مجرد رجل"، لكنه تراجع، ثم عاد مرة أخرى بعد أن كرر الضابطان الأوامر له فأخذ يطلق الرصاص من أعلى إلى أسفل تحت الخصر حيث كانت الأوامر واضحة بعدم توجيه النيران إلى القلب أو الرأس حتى تطول فترة احتضاره، إلى أن قام رقيب ثمل بإطلاق رصاصه من مسدسه في الجانب الأيسر فأنهى حياته.
وقد رفضت السلطات البوليفية تسليم جثته لأخيه أو حتى تعريف أحد بمكانه أو بمقبرته حتى لا تكون مزاراً للثوار من كل أنحاء العالم.
وقد شبّت أزمة بعد عملية اغتياله وسميت بأزمة "كلمات جيفارا" أي مذكراته. وقد تم نشر هذه المذكرات بعد اغتياله بخمسة أعوام وصار جيفارا رمزاً من رموز الثوار على الظلم. نشر فليكس رودريجيس، العميل السابق لجهاز المخابرات الأميركية (CIA) عن إعدام تشي جيفارا. وتمثل هذه الصور آخر لحظات حياة هذا الثوري الأرجنتيني قبل إعدامه بالرصاص بـ"لا هيجيرا" في غابة "فالي غراندي" ببوليفيا، في 9 أكتوبر(تشرين الأول) من عام 1967. وتظهر الصور كيفية أسر تشي جيفارا، واستلقائه على الأرض، وعيناه شبه المغلقتان ووجهه المتورم والأرض الملطخة بدمه بعد إعدامه. كما تنهي الصور كل الإشاعات حول مقتل تشي جيفارا أثناء معارك طاحنة مع الجيش البوليفي. وقبيل عدة شهور، كشف السيد فليكس رودريجيس النقاب عن أن أيدي تشي جيفارا بُترت من أجل التعرٌف على بصمات أيديه. في العام 1997م كشف النقاب عن جثمانه وأعيد إلى كوبا، حيث قام الرئيس الكوبي السابق فيدل كاسترو بدفنة بصفة رسمية.
الرمز والاسطورة
نصب تذكاري لدخول تشي إلى سانتا كلارا بكوبا
"لا يهمنى متى وأين سأموت، لكن يهمنى ان يبقى الثوار منتصبين، يملأون الارض ضجيجاً، كى لا ينام العالم بكل ثقله فوق أجساد البائسين والفقراء والمظلومين"
سيظل صدى هذه الكلمات يتردد، ويلهم المئات في مكان وزمان، ما دام الظلم والعنف يسود هذا العالم.
عام 1968، غضب شبان العالم وخرجوا إلى الشوارع معلنين أنهم يستطيعون إنهاء الحروب وتغيير ملامح العالم، وقد تحول هذا الرجل الثائر بعد موته إلى شهيد لقضاياهم. أصبح يمثل أحلام ورغبات الملايين ممن يحملون صوره. علماً أنه كان يمثل أيضا مجموعة من التناقضات، وكأن الموت حول ملامحه، ما يوحي بأنه لو منحه أعداؤه الحق في الحياة، لربما عجزت أسطورته عن احتلال هذا المدى العالمي الذي تنعم به اليوم..
نضالاتهكره تشي اتكال الثورة الكوبية على الاتحاد السوفيتي، واستمر في ابتكار وسائل أخرى للحصول على التمويل وتوزيعه. ولأنه الوحيد الذي درس فعلا أعمال كارل ماركس بين قادة حرب العصابات المنتصرين في كوبا، فانه كان يحتقر التحريفيين ومافيا الحزب الذين صعدوا على أكتاف الآخرين في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، وفي كوبا أيضا.
كشف (آي إف ستون) كيف انهمك تشي جيفارا في نقاش علني، أثناء مؤتمر في مدينة بونتي ديل استي بأوروجواي مبكراً في 1961 (وهو المولود في الأرجنتين حيث درس الطب هناك) مع بعض شباب اليسار الجديد من نيويورك. أثناء تلك المناقشة، مر بهم اثنان من جهاز الحزب الشيوعي الأرجنتيني. لم يستطع جيفارا أن يمنع نفسه من الصياح بصوت عال، "هيي، لماذا أنتم هنا، أمن اجل أن تبدءوا الثورة المضادة؟"
مثّل تشي الكثيرين في الحركة الناشئة ارادتهم على الحركات الثورية للسكان الأصليين.
وبالفعل فإن الثورة في كوبا، على عكس المفاهيم المعاصرة للكثيرين في الولايات المتحدة اليوم، كانت مستقلة، وفي بعض الأحيان معارضة للحزب الشيوعي الكوبي. ولقد أخذ بناء مثل هذه العلاقة -التي لم يكن من السهل صنعها- عدة سنوات فقط بعد الثورة ونجحت في أخذ سلطة الدولة وتأسيسها، دافعة إلى الاندماج بين القوى الثورية والحزب -الاندماج الذي لم يضع نهاية لمشاكل جيفارا والثورة الكوبية نفسها.
إحدى تلك المشاكل هي اعتماد كوبا المتزايد على الاتحاد السوفيتي (في بعض الأوجه يماثل الاعتماد المتزايد لبعض المنظمات الراديكالية على منح المؤسسات في صورة أموال ولوازم لولبية أخرى). قررت الحكومة أثناء احتياجها اليائس للنقد من اجل شراء لوازم شعبها الضرورية -وبعد نقاش مرير- قررت أن تضيع فرصة تنويع الزراعة في كوبا من أجل التوسع في محصولها النقدي الرئيسي، قصب السكر، الذي يتم تبادله أمام البترول السوفيتي، لتستهلك جزء من هذا البترول وتعيد بيع الباقي في السوق العالمي. وبالتدريج فقدت كوبا، بالرغم من تحذيرات تشي (والآخرين)، القدرة على إطعام شعبها نفسه -وهي المشكلة التي بلغت أبعادا مدمرة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.
وهي نفس الأزمات التي أحدقت بالاتحاد السوفيتي والدول التي كان معترفا بها كدول اشتراكية عندما سعوا وراء النموذج الصناعي للتنمية وحاولوا أن يدفعوا ثمنه بالإنتاج والتنافس في السوق العالمي. كان رد فعل تشي: لا تنتج من أجل السوق العالمي. ارفض تحليلات التكلفة/المنفعة (cost/benefit) كمعيار لما ينبغي إنتاجه. آمن تشي بأن المجتمع الجديد حقيقة، وعليه أن يجعل طموحه هو ما يحلم به شعبه من أجل المستقبل، وأن يعمل على تنفيذه فورا في كل أوان ومكان. وحتى تبلغ ذلك، على الثورات الشيوعية أن ترفض معيار "الكفاءة" وعليها أن ترعى المحاولات المجتمعية المحلية حتى تخلق مجتمعا أكثر إنسانية بدلاً من ذلك.
أممية تشي وعلاقته بالماركسية
ارتبط تشي جيفار ارتباطا وثيقا بالماركسية اللينينية في شبابه حيث كان عضوا في الشبيبة الشيوعية الأرجنتينية .
أممية وثورية تشي وارتباطه المميز بالفقراء والمنبوذين في كل مكان، ورفضه الاعتراف بقداسة الحدود القومية في الحرب ضد إمبريالية الولايات المتحدة، ألهمت الحركات الراديكالية الجديدة في العالم كله. نادى تشي الراديكاليين لنحول أنفسنا إلى شيء جديد، أن نكون اشتراكيين قبل الثورة، هذا إذا ما كان مقدراً لنا أن يكون لدينا أمل في أن نحقق فعلا الحياة التي نستحق أن نعيشها. نداؤه "بأن نبدأ العيش بطريقة لها معنى الآن" تردد صداه عبر الجيل بأكمله، فاتحا ذراعيه ليصل بدرجة كبيرة من ناحية إلى ثورية ماو ومن ناحية أخرى ممتدا نحو ماركس. من خلال الحركة، ومن خلال انتزاع مباشرة الثورة عن طريق الاشتباك مع الظلم بكل أشكاله، في كل لحظة، ومن خلال وضع مثاليات المرء فورا في الممارسة العملية، صاغ تشي من التيارات الفلسفية المعاصرة الرئيسية موجة مد من التمرد مما جعل اطروحاته قريبة من الطرح الماوي الجديد (الماركسية اللينينية الماوية )
حب تشي للناس أخذه أولا إلى الكونغو ثم إلى بوليفيا، حيث نظم فرقة من رجال حرب العصابات لتكون، كما كان يتعشم، عاملا مساعدا على الإلهام بالثورة، ولم ينس ان يمر بمصر والجزائر في طريقه ليلتقى الزعيم المصري جمال عبد الناصر والرئيس الجزائري أحمد بن بلة اللذان كانا رموزاً للثورة العربية آنذاك.
أعماله
كمعظم الشباب اليساريين في فترات الدراسة في النصف الاول من القرن الماضي، مارس جيفارا الكتابة شعرا ونثرا. ومن أعماله قصيدة ماريا العجوز التي تكشف عن جانب من شخصية جيفارا [1]
ماريا العجوز
ماريا العجوز، ستموتي
احدثك بجدية
كانت حياتك مسبحة من الصعاب
لا تصلي لرب قاسي
انكر عليك حياة الامل
ولا تطلبي الموت رحمة
لتشاهدي غزلانك الهجين تكبر
لا تفعليها
لا تصلي لرب
انكر عليك حياة الامل
من كتبه
* حرب العصابات (1961)
* الإنسان والإشتراكية في كوبا (1967).
* ذكريات الحرب الثورية الكوبية (1968)
* الأسفار تكون الشباب … والوعي!
* الإنسان الجديد
* مـانسيتك
رثاء جيفارا
وهناك الكثير من الشعراء الشيوعيين وغير الشيوعيين رثوا تشي غيفارا ومن أشهرهم الشاعر أحمد فؤاد نجم في قصيدة ''جيفارا مات و الشاعر عبد الرحمن يوسف في قصيدة على بعد خلد و نصف والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي عن موت طائر البحر ،وقصيدة الشاعر الامير طارق آل ناصر الدين














