Affichage des articles dont le libellé est حسنين هيكل. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est حسنين هيكل. Afficher tous les articles

samedi 22 septembre 2012

أول مقال نشرها الاهرام : لـ الكاتب محمد حسنين هيكل

تنشر "بوابة الأهرام" أول مقال نشره الكاتب محمد حسنين هيكل كرئيس لتحرير الأهرام في أول أغسطس 1957 وكان بعنوان "السر الحقيقي في مشكلة عمان"، وقدنشر في الصفحة الأولى للأهرام دون تتمة في داخل الصفحات كما اعتاد هيكل بعد ذلك.
يأتى ذلك فى إطار احتفاء "بوابة الأهرام" بالأستاذ بمناسبة دخوله عامه التسعين
تحدث هيكل في مقاله الأول عن "مشكلة عمان" قاصدا النزاع المسلح الذي نشأ بين سلطان مسقط وبين إمام عمان في السيطرة على البلد الخليجي الذي كان واقعا تحت نفوذ بريطانيا وهو ما سبب صراعا داخليا كان مدعوما بأطراف خارجية وفقا لهيكل الذي رأى أن الصراع بين شركتين من شركات البترول.
في بداية المقال قال هيكل إن السر الحقيقي في مشكلة عمان هو الصراع بين شركة البترول العراقية وهي شركة بريطانية تقف وراء سلطان مسقط، وبين شركة أرامكو الأمريكية التي تنظر بعين العطف لإمام عمان.
واعتبر الكاتب أن مشكلة عمان حلقة في سلسلة طويلة ممتدة من المعارك بين بعثات الكشف عن البترول تحت رمال الصحراء في هذه المنطقة.
لم يخف هيكل حماسته لإمام عمان لكنه قال ""إننا نحب أن تكون حماستنا لإمام عمام حماسة واعية مستنيرة تنطلق من القلب ولا تصطدم مع العقل ونحب أيضا أن يكون اندفاعنا إلى نصرة إمام عمان وقفة في صف متماسك متفاهم وليست وقفة في حلقة ذكر تائهة ذاهلة تقيمها جماعة من الدراويش، لهذا نواجه الحقيقة كما هي ولا ندير عيوننا عنها ونعلقها بالأوهام والأحلام".
وكشف هيكل تفاصيل اجتماع الرئيس الأمريكي أيزنهاور مع رئيس وزراء بريطانيا السابق أنتوني إيدن سنة 1956 في واشنطن وكيف أن إيدن عندما دخل مكتب أيزنهاور وجد خريطة كبيرة لجنوب شبه الجزيرة العربية، وكيف أن أيزنهاور كان يحفظ عن ظهر قلب اسم إمام عمان وسلطان مسقط وأسماء زعماء القبائل في المنطقة وعلاقات النسب التي تربط بينهم.
ثم شرح هيكل كيف أن بريطانيا تقف وراء سلطان مسقط دفاعا عن البترول الخبيئ تحت رمال عمان والمتفجر حولها في جنوب شبه الجزيرة العربية الذي لم يبق للإمبراطورية البريطانية من مصدر للقوة في العالم غيره ودلل على ذلك بأن دخل بريطانيا السنوي من بترول المنطقة 1000 مليون جنيه وهي التي تمثل "العمود الفقري لقوة الاسترليني".
وانتقد هيكل لجوء بريطانيا التي لم تتخلص بعد من عار استعمال القوة في السويس إلى استعمال القوة مرة أخرى في عمان.
ووجه هيكل في نهاية مقاله رسالة إلى اللجنة السياسية للجامعة العربية التي كان مقررا اجتماعها في يوم نشر المقال قائلا: "إن معركة عمان ضد بريطانيا اليوم مقدمة لمعركة أخرى لا تتسلم فيه أمريكا ما ربحه إمام عمان من بريطانيا، ومن غير هذا فإن المعركة لا تساوي ما يراق على أرضها من دم.
ولهذا أيضا نحرض إمام عمان على أن يستعين قدر استطاعته بأمريكا ضد بريطانيا استعانة بشيطان ضد شيطان آخر.
وأنهى هيكل رسالته قائلا ليس فينا من يريد أن يقاتل كي تنتقل الغنيمة من يد بريطانية إلى يد أمريكية هذا هو الحق.. حتى لا تكون حركتنا قفزة في الظلام.

dimanche 20 mai 2012

هيكل لـ"الأهرام": بيانات العسكرى جافة لا تقول شيئًا

.. ومازلت مترددًا في المشاركة بالانتخابات
 
 
محمد حسنين هيكل
فى الحلقة الثانية من حواره مع "الأهرام" يواصل الأستاذ محمد حسنين هيكل الحديث عن أعماق المشهد على الساحة المصرية، يتحدث عن الدستور وأزمته، ويتناول بالتحليل القضية المثارة حول مستقبل الدولة المصرية، وهل يمكن أن تكون دولة دينية، ثم قدم رؤيته حول العلاقة بين شباب الثورة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.
وكشف الأستاذ هيكل، في الحوار الذى اختص به محمد عبد الهادى، رئيس تحرير الأهرام، وشارك فيه عدد من أسرة تحرير الصحيفة، عن أنه مازال مترددًا في المشاركة بعملية التصويت، وأنه مازال حائرًا فى اختيار المرشح، الذي سيعطيه صوته.
وإلى أهم ما جاء فى حوار هيكل مع "الأهرام"، الذي تنشر الصحيفة الحلقة الثانية منه فى عددها الصادر غدًا الإثنين:
كالعادة، فإن الإبحار مع الأستاذ بقدر ما هو مرهق، حيث التحليل العميق والراصد، بقدر ما هو ممتع ومشوق.. أخذ الأستاذ هيكل بأيدينا إلى أعماق المشهد، فكان الحديث عن الدستور وأزمته، وما يصح وما لا يصح عندما نبدأ فى كتابته، ثم انتقل إلى الملفات الشائكة التى تنتظر الرئيس المقبل لمصر وينتظرها هو.
وأبحر بنا إلى القضية المثارة حاليًا علي كل لسان: هل ستكون في مصر دولة دينية؟.. وهل يقبل العالم ذلك؟.. ألا يمثل قيام دولة دينية علي شاطئ المتوسط خطرًا كبيرًا وعظيمًا؟، وبعد ذلك، سنجد تحليلًا مستفيضًا للعلاقة بين شباب الثورة والمجلس الأعلى للقوات المسلحة.. وهل كان من الضروري ترديد هتافات من قبيل يسقط حكم العسكر؟.. هل هذا يليق؟.. وهل أبناء قواتنا المسلحة عسكر أم أن هذا مصطلح "قبيح" لا ينطبق علينا هنا في مصر؟.
وأكد هيكل ضرورة وجود الربان.. لذلك كان سؤالنا: هل تتحقق المعجزة ويظهر من بين المرشحين من يملك خارطة طريق.. ويستحق صوتك؟، فكان رده: سوف أقول شيئًا قد لا يصح أن يُقال علنا، قد أقول أنني حتى هذه اللحظة مازلت مترددًا في المشاركة في عملية التصويت، لا أعرف لمن أعطي صوتي.. أريد أن أشارك بدعوى ممارسة الحق والواجب، وفي نفس الوقت لا أراني مستريحًا إلى المشاركة، ففي الممارسة الديمقراطية لا يصح لفرد أن يعاند، لكنه أيضا وبحق الضمير لا يصح لفرد أن ينساق، خصوصًا في قضايا مصير.
وعن قضية صياغة الدستور يقول الاستاذ: عندما نتكلم عن الدستور فلابد أن يكون واضحًا أننا نتحدث عن إرادة عامة طوعية لشعب متعدد القوى، اجتماعية، وطبقية، وعرقية، وهذه القوى تريد أن تعيش على أرض وطن واحد، لا أحد يستطيع أن يقول إن الدساتير مجرد نصوص، يمكن أن تُكتب في أسبوعين أو ثلاثة، أو في شهر أو شهرين، فذلك كلام لا يجوز.
كما تناول يعض القضايا العربية قائلا: إن الحملة على "سوريا" مُضافًا إليها الحملة على "إيران" توشك أن تحول الصراع الرئيسي في الشرق الأوسط من صراع عربي إسرائيلي، إلى صراع سني- شيعي، فتنة أخرى في دار الإسلام نفسه وفي قلبه– وتلك خطيئة كبرى.
ويفسر الخلاف بين جموع الشباب وبين قيادة القوات المسلحة، بأنه أحد عناصر سوء الفهم، وأنه خلاف كارثي بين طرفين، أحدهما محرك الثورة، والثاني حامي حركتها، وضاعف من الخلاف أن طرفًا من أطرافه -وهو الشباب- تكلم وعبر عن غضبه كل يوم، كل ساعة، كل ومضة إليكترونية، وفي المقابل فإن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لم يكن له على الإطلاق خطاب، وإنما بيانات جافة لا تقول شيئًا، وتنسى أن السياسة في هذا العصر في سياقها خطاب، فماذا إذا انفلت عيار الخطاب عند طرف، واستحكم قفل الخطاب عند الطرف الآخر، المحصلة حتى وإن لم يقصد أحد – صراع، وإذا جرى الصراع على أوضاع اجتماعية قلقة، إذن فإن هذا الصراع محفوف بالخطر.
ويتساءل الأستاذ في نهاية الرحلة -والحوار- هل سيكون علينا أن نصلى طلبًا للمعجزة كما يصلون للمطر صلاة استسقاء عند حدوث الجفاف؟
بوابة الأهرام

samedi 19 mai 2012

بالصور هيكل لـ"الأهرام": الرئيس القادم يحتاج لمعجزة ومليارات الدولارات دخلت للتأثير على الأحداث


هيكل خلال حواره مع رئيس تحريرالأهرام
قال الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل إن من سيفوز فى انتخابات الرئاسة يحتاج إلى معجزة لينجح فى مهمته، وأكد الأستاذ، فى حوار اختص به جريدة الأهرام، أن وجود الأيدى الخفية واقع، ويوم تظهر الحقائق فسوف يتكشف حجم الأموال التي دخلت مصر للتأثير على مجرى الحوادث من 25 يناير إلى هذه اللحظة.
وإلى بعض ما جاء فى الحوار، الذي أجراه محمد عبد الهادى، رئيس تحرير "الأهرام"، وفريق من أسرة تحرير الجريدة مع الأستاذ هيكل، الذى تنشر الصحيفة الحلقة الأولى منه فى عددها الصادر غدا الأحد:
فى لحظة فارقة من تاريخ الوطن زادت فيها العتمة وتداخلت الرؤى وتضاربت الأفكار وتاقت النفوس إلى بصيص من أمل شددنا الرحال إلى كبير أسرة الأهرام محمد حسنين هيكل، لعلنا نجد ما يشفى صدورنا ويعالج حيرتنا ويفتح بتقديره لما يحدث فى المحروسة طريقا من نور.
وفى منزله الريفى بـ"برقاش" كانت فرصة لأن نظفر منه بنسمة هواء نظيفة وكلمة صادقة ورؤية للموقف، بعد أن وصل مستوى الخطاب السياسى فى القاهرة إلى درجة الغليان.. وعلى طريقته قبل أن يبحث أى قضية لابد أن يعرف موقعه وإلى أين المسير "أخبار الدنيا إيه"؟.. أعادنا سؤال الأستاذ إلى ضجيج العاصمة ودخان المناورات الانتخابية على كرسى الرئاسة، فكانت إجابتنا: وهل نعرف نحن أكثر من السائل؟.

امتلأ مكتبه الهادىء بعشرات الأسئلة وأطنان الهموم، يعلوها عنوان واحد مصر قبل الصمت الانتخابى: وماذا بعد؟.
شجعنا هيكل بابتسامة، أعقبها بإشارة لقصيدة أمير الشعراء أحمد شوقى الشهيرة، التى ولدت فى ظروف معقدة وشدت بها أم كلثوم، ويظهر فيها الخوف على مصر من تقلبات السياسة:
وقى الأرض شر مقاديره
لطيف السماء ورحمانها
فانفتح باب حوار المقادير والمعجزات، الذى دارت تفاصيله حول الأزمة الراهنة فى مصر والمشهد السياسى، الذى وصفه هيكل بأنه طبيعى إذا ما تذكرنا وقائع التاريخ، فمصر تعيش حالة ثورة بعد زمن طويل من الكبت والقمع.، وأن حالة الانفلات الحالية ظاهرة طبيعية، لكن المشكلة تكمن فى أن الثورة انفجرت بلا قيادة، فلا القوات المسلحة كانت قيادة الثورة، لكن عُهد إليها بعُهدة سيادة الدولة، ثم أن فكرة الثورة وكذلك مرجعيتها لم تكن دينية وإنما كانت اجتماعية واقتصادية وثقافية، وفى التجربة المصرية حدث خلط شديد طال القيادة الشرعية للثورة، وطال مشروع الثورة بما فيه فكرتها وخياراتها.

ويفسر هيكل ما حدث من خلط واشتباك جرف فى طريقه مئات الضحايا بأنه كان نتيجة أن الشباب الجسور الذى فجر الثورة تصور أنه هو قيادة الثورة وهو غير جاهز، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة تصور نفسه مسئولا عن الثورة، بينما هو مؤتمن على شرعية الدولة فقط، والتيار الإسلامى فى مصر تصور أنه عماد الثورة وصاحبها، والصحيح أن أصحاب هذا التيار كانوا واحدا من روافد الثورة، بينما حدثها الأكبر لم يحدث استجابة لشعاراتها، لكن الخلط زاد لأسباب ربما أهمها غياب النخبة السياسية حاملة الأفكار والرؤى فى مجتمعاتها.
وعن ظاهرة تبادل الاتهامات والأكاذيب بين المرشحين، يرى الأستاذ أن الضجة الانتخابية كانت توحى باحتمالات كبيرة من الأمل، لكن الصورة العامة التى وصلنا إليها فى النهاية أصبحت مقلقة وحافلة بنذر الخطر وقد أخذتنا فى الواقع إلى حافة الهاوية.

وعن رأيه فى مرشحى الرئاسة الذين بادر معظمهم بزيارته واستمع إليهم؟.. أجاب الأستاذ: "من سيفوز منهم يحتاج إلى معجزة لينجح فى مهمته، وما سمعناه لم يشف غليلا، فمعظمه أقرب إلى الإعلان، وتابع: هناك من يقول أنه قادر.. هناك من يتصور أنه يعرف.. هناك من يتصور أن لديه ما يؤهله، وللأمانة فإن كلا منهم قد يكون صادقا فيما يتصور، لكن أظن من مجمل ما سمعت أنه ليس لدى واحد منهم فهم كامل للحقيقة، أو معرفته كافية بالظروف أو رؤية واضحة لتحقيق ما يتصوره ويعلنه، ومع ذلك فهؤلاء الرجال لهم فضل التقدم والإقدام والجسارة والتجاسر، لكن خشيتى الحقيقية أنهم جميعا فى حاجة إلى معجزة".
وحول الكوارث العديدة التى وقعت خلال الـ13 شهرا الماضية، والحديث الدائم عن طرف ثالث مجهول، يرى هيكل أن الساحة شهدت أسبابا كثيرة للخلط، وربما هذا الخلط كان هو الطرف الثالث الذى ظهر فى أحداث دامية، مثل أحداث مسرح البالون وماسبيرو وشارع محمد محمود وحريق المجمع العلمى، ثم أخيرا ما جرى أمام وزارة الدفاع.

ويؤكد الأستاذ أن وجود الأيدى الخفية واقع، "فالمؤامرة كما قلت دائما حاضرة فى التاريخ، لكن التاريخ ليس مؤامرة، ويوم تظهر الحقائق فسوف يتكشف على سبيل المثال حجم الأموال التى دخلت مصر للتأثير على مجرى الحوادث من 25 يناير إلى هذه اللحظة وهى مليارات الدولارات، فالمشاركة فى تحديد وتوصيف وصياغة مستقبل مصر السياسى والإستراتيجى مسألة تساوى أن يدفع فيها أى ثمن".
ووصف الأستاذ ما جرى فى محيط وزارة الدفاع بأنه شطط وتجاوز، وأنه لم يكن يصح أن يقترب أحد من وزارة الدفاع وهى معقل المؤسسة المكلفة بأمانة بقاء شرعية الدولة، ربما المجلس أساء إلى مهمته ببعض ما تصرف به أو بعض ما عجز عن التصرف به.
وقال هيكل: "لقد قابلت بعضا من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وأعترف أننى وجدت لديهم تفهما للأحوال العامة للبلد، لكن المفارقة الغريبة أن الأداء الجماعى لهذا المجلس جاء فى مرات كثيرة على مستوى أقل من المرغوب فيه والمطلوب".
وتنشر الأهرام الحلقة الثانية من حوارها مع الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في عدده الصادر يوم الثلاثاء المقبل.



بوابة الأهرام

dimanche 19 février 2012

مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان (الحلقة السادسة عشرة والأخيرة) .. عقدة التوريث

أسئلة كثيرة لــ(مبارك) عن التوريث .. وكل مرة رد مختلف!! 

  محمد حسنين هيكل
كانت قضية «التوريث» هى الدليل والإثبات الأظهر لمقولة أن الذين يعرفون كل شىء عن «مبارك» ــ هم فى الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!
فلقد توصَّل كثيرون ممن يعرفون «مبارك» إلى أنه يريد توريث ابنه الأصغر، وأن ذلك مشروع يعمل جادا لتحقيقه، ولم أكن واحدا من الذين يعرفون «مبارك»، ومع ذلك فقد كان إحساسى ــ دون دليل يسنده ــ أن الرجل فى حسه الداخلى الدفين لا يريد ذلك، لا بتفكيره ولا بشعوره، بل لعله ينفر من الحديث فيه، لأنه يذكِّره بما يتمنى لو ينساه!!
وبمعنى أكثر وضوحا فهو لا يمانع أن يرث ابنه رئاسته، لكن تصرفاته تشى بأنه ليس مستعدا أن يحدث ذلك فى حياته، وهو فى مأزق حقيقى، لأنه بذلك الحال فى وضع رجل يقبل ولا يقبل، يقبل بغير أن تكون إرادته حاضرة فى القبول، ولا يقبل مادامت إرادته حاضرة!!
والقريبون منه يضغطون عليه ويواصلون الضغط، وإصرارهم أنه إذا لم يحدث التوريث فى حضوره وإرادته، فإن تحقيقه ضرب من المستحيلات فى غيابه وغياب سلطته!!
والعقدة أن الرجل ليس مستعدا فى قرارة نفسه، لكنه يجارى ويبدى من الإشارات ما يفيد معنى القبول، وهو يماطل ويراوغ ولا يقولها «نعم» صريحة أو «لا» قاطعة، لأنه يريد أن يحمى سمعه من ضغط «ناعم» مرات مثل لمس الحرير، و«ثقيل» أحيانا بوزن طن من الحديد!!
وفى تلك الأحوال راجت أحاديث عن خطط تُرسم، وسيناريوهات تُعد، ولا تنتظر إلا مناسبة مواتية أو تبدو مواتية، ثم يطرح المشروع نفسه، وتمر المناسبات ولا شىء يحدث!!

●●●
ووصل الإلحاح على الخطط والسيناريوهات إلى حد الجزم بأنه كاد أن يتحقق فعلا يوم عجز الرئيس «مبارك» عن إلقاء حديثه أمام مجلس الشعب فى شهر نوفمبر 2003، فقد قيل والرواة من الداخل أنه حين عجز الرئيس وكاد يسقط على الأرض وتأجلت الجلسة قُرابة ساعة فى انتظار مقادير خارج حساب البشر ــ خطر ببال أحد «أبرز» رجال الحاشية أنه فى حالة حدوث المكروه الذى كان يحوم حول القاعة التى نُقل إليها «مبارك» مُحاطا بأطبائه ــ أنه من المتصور أن يدخل رئيس مجلس الشعب ليعلن أن قضاء الله نفذ، وبينما المجلس مأخوذ بالمفاجأة، غارق فى الدموع والأحزان ــ يتقدم عدد من نواب الحزب الوطنى باقتراح مبايعة الابن وفاء للأب وتكريما له واستمرارا لمنهجه، ولم يكن الشك يخالج أصحاب هذا الاقتراح فى أن التصويت عليه بالموافقة سوف يكون ساحقا.
مبارك في إحدى جلسات مجلس الشعب
والمدهش ــ وهذا الجزء من الرواية تسنده شواهد ــ أن أصحاب هذا الاقتراح تداولوه همسا، بينما كان أطباء «مبارك» يحيطون به يرسمون القلب، ويقيسون النبض، ويغرسون الإبر، وغيرهم مشغول بما بعد ذلك إذا فشلت جهودهم، وللدقة فليس فيما سمعت أن أحدا فاتح قرينة الرئيس «مبارك» فى هذا الأمر أثناء الأزمة، فقد شاء من تداولوا الفكرة «ألا يسببوا لها حرجا أثناء لحظات قلقها، كما أنهم خشوا أن يتبدى حرجها بردة فعل عفوية بالتردد»، وقد مضوا فى تصرفهم، حتى جاء أحد الأطباء يقول لهم «إن الرجل بخير، وأنه يستطيع خلال ربع ساعة من الآن أن يعود لإنهاء خطابه، حرصا وتجنبا للأقاويل، لو أنه خرج من المجلس دون أن يراه أحد من النواب الجالسين فى قاعة مجلس الشعب!».
وفاتت الفرصة لكن الحالمين بالخطط والسيناريوهات لم ينسوا، فقد بدت لهم فرصة ــ وتكرر نفس الخاطر عندما قصد الرئيس «مبارك» إلى «هايدلبرج» لعملية جراحية ظنوها غير مأمونة ــ وتكرر نفس الشىء عندما بدأ التفكير فى الرئاسة الخامسة لـ«مبارك»، واقتراح الحالمين هذه المرة أن يجىء الرئيس فى اللحظة الأخيرة ويوجِّه خطابا مؤداه «أنه لاعتبارات العمر والصحة يقدم لهم ابنه بديلا له»، لكن المحاولات كانت تصل إلى نقطة معينة، ثم يبدو فجأة أن اندفاعها يتباطأ، وأن خُطاها تتعثر حتى تتعطل تماما، وتدور العجلة كما ظلت تدور منذ سرت فكرة التوريث على استحياء مع مطلع القرن الحادى والعشرين!!
مبارك في ألمانيا بعد إجراء الجراحة له
ومع أنى آثرت قضية «التوريث» مبكرا فى محاضرة شهيرة فى الجامعة الأمريكية (مساء يوم 18 نوفمبر 2002)، وقد لمحت وسمعت ما يثير التوجس والريبة، كما لمح وسمع غيرى فيما أظن ــ إلا أن أحدا لم يكن متأكدا من الطريقة أو من الموعد الذى ينجلى فيه الشك، ويرتفع الستار!!

وظلت التكهنات حول الموضوع حائرة على الأفق باستمرار، وتكاثر السؤال بمناسبة وبغير مناسبة!!
● وفيما يعرف العارفون والأغلب أنه الأقرب إلى الصحة، فقد كان السلطان «قابوس» أول من سأل الرئيس «مبارك» عن مشروعه لابنه، وكان الابن قد عاش خمس سنوات تقريبا فى بيت يملكه أحد رجال الأعمال من حاشية السلطان فى حى «كينسنجتون» فى لندن، وبالتالى فإن «سلطان عمان» أصبح بين أوائل من عرفوا بخطط انتقال الابن من بيت «كينسنجتون» فى لندن إلى بيت الرئاسة فى القاهرة.
وكان رد «مبارك» على السلطان طبقا لهؤلاء العارفين: «أن قرينة الرئيس قلقة أن تطول إقامة ابنها فى لندن، ومن ثم تصعب عليه العودة إلى مصر، ثم إن بقاءه فى لندن ربما ينتهى بزواجه من إنجليزية أو أجنبية، وهى لا تريد ذلك، وأنها بحثت فى أوساط العائلات المصرية التى تعيش فى لندن عن عروس مناسبة لابنها، ولم تعثر على مرشحة تتوافر لها المواصفات التى تطلبها، لكنها سوف تواصل البحث هناك وهنا، آملة فى التوفيق!!
● وكان السائل الثانى هو «معمر القذافي» الذى لاحظ ظهور الابن منتظما على الساحة السياسية المصرية (ولعل الموضوع كان يهمه كسابقة مضاعفة إلى ترسيخ منطق التوريث فى النظام الجمهوري)، وكذلك جاء سؤاله مباشرا ــ وربما فجا ــ عما إذا كان هناك تفكير فى التوريث على طريقة «بشار».
لكن الرئيس «مبارك» استنكر، وفاجأ «القذافى» بقوله: «إن تجربة «بشار الأسد» غير قابلة للتكرار فى مصر، وأن مصر ليست سوريا، وأيضا فإن النظام فى مصر جمهورى، والنظام الجمهورى لا يعرف توريثا للحكم».
ثم كان بعدها أن الرئيس «مبارك» أعلن هذا الرأى على الملأ.

وأضاف «مبارك» لـ«القذافى»: «أنهم فى رغبتهم لاستعجال عودة الابن ــ رأوا إغراءه بشاغل جديد يستهويه، وأنهم أعطوه بعض المهام السياسية «يتسلى بها»، «فلا نصحو ذات يوم فإذا هو يفاجئنا بأنه عائد إلى لندن، ثم نسمع أنه تزوج واستقر هناك!!».
وبالفعل فإن «مبارك» (الأب) كان محقا فى مخاوفه، لأن الابن حتى عندما عاد من لندن، جاء ومعه مشروع زواج من فتاة نصف بريطانية ونصف إيرانية، وقد لحقت به الفتاة ونزلت فى بيت للضيافة شهورا، ثم استطاع «حلم الرئاسة» أن يزيح «خيالات الغرام»!!
● وكان السائل الثالث أجنبيا، هو الرئيس الفرنسى «چاك شيراك»، وجاء سؤاله أثناء لقاء بين الرجلين فى قصر «الإليزيه» فى باريس فى فبراير سنة 2004، وجاء رد «مبارك»: بأن كل الذى يتردد فى هذا الصدد شائعات ينشرها بعض الصحفيين، وهدفها الإساءة إليه (إلى الأب)، بينما كل ما حدث أنه يستعين بابنه فى إدارة مكتبه كما يفعل الرئيس «شيراك» نفسه مع ابنته.
ويومها وافقه الرئيس «شيراك» على أنه بالفعل يستعين بابنته «كلود»، واختارها فعلا مساعدة له، مختصة بالعلاقات العامة.
●●●
● ومع اللغط المتزايد حول قضية التوريث فى مصر، فإن الأسرة الحاكمة السعودية أبدت اهتماما واضحا، وكذلك فإن أحد كبار أمرائها وجَّه السؤال إلى الرئيس مباشرة، وسمع رده:
ــ أنه لا يريد التوريث لابنه، وأول الأسباب أنه لا يريد أن يورِّث ابنه «خرابة»، وكان الرد مفاجئا لسامعه!!
●●●
● لكن يبدو أن الساسة البريطانيين كانوا يعرفون أكثر، فقد جرى اتصال مع السفير البريطانى فى القاهرة سنة 2002، وهو يومها السير «چون سوير» John Sawyer، (وهو يشغل الآن منصب المدير العام للمخابرات البريطانية الخارجية)، لسؤاله «إذا كان يمكن الترتيب لعلاقات أوثق بين نجل الرئيس وبين القيادة فى حزب العمال البريطانى الجديد؟!
وكان الابن وقتها قد بدأ الخروج والظهور على الساحة السياسية ضمن ما سُمى بعملية تجديد شباب الحزب الوطنى، وانطلاقة الفكر الجديد فى أمانة السياسات، وعليه فقد كان داعى الطلب المصرى هو الاهتمام بتجربة «تونى بلير» الذى بدا لمن يعنيهم الأمر فى القاهرة، شابا نجح فى النزول بـ(الباراشوت) على رئاسة الحزب ورئاسة الوزارة، وظن هؤلاء المعنيون بالأمر فى القاهرة أن «بلير» نموذج مدهش يستحق النقل عن أعرق البلدان الديمقراطية!! ــ وعاد السفير البريطانى يحمل ردا بالموافقة والترحيب.

 (ولم يكن «چون سوير» سفيرا عاديا لبريطانيا فى القاهرة، وإنما هو فى الأصل «رجل مهام خاصة»، وكان تعيينه فى سفارة القاهرة اختيارا لما هو أكثر من سفير، فقد كانت مهمته الحقيقية أثناء وجوده فى العاصمة المصرية هى التمهيد والتحضير السياسى لعملية غزو العراق سنة 2003، وبالفعل فإنه ما كاد الغزو يبدأ حتى نُقل «سوير» من «القاهرة» إلى «بغداد» ممثلا لبريطانيا على قمة سلطة الاحتلال فى «بغداد»، لكنه عجز عن إثبات وجوده، لأن المفوض الأمريكى للاحتلال «بول بريمر» لم يكن يريد شراكة بريطانية، وإنما يريدها علما أمريكيا لا ترتفع بجانبه أعلام!!).
ورحَّب الجميع فى حزب العمال وفى رئاسة الوزراء بما طلبوه فى مصر، واهتم «تونى بلير» بالذات، لأن السياسة البريطانية راودتها فى ذلك الوقت أوهام نفوذ خاص فى مصر، مع تكليف المجموعة الأوروبية لها (بريطانيا) مهمة رعاية التنظيم السياسى والتطوير الإعلامى، ضمن خطة تحرك على جبهة عريضة نحو العالم الثالث والشرق الأوسط بالتحديد، وكذلك فإن مهمة الاتصال مع لجنة السياسات فى الحزب الوطنى وأمينها («مبارك» الابن) عهد به إلى «بيتر مندلسون»، وهو المسئول الأول عن الحملات الانتخابية، وقد نجح فيها على امتداد ثلاثة انتخابات فاز بها «تونى بلير»!!
واستقبل «بيتر مندلسون» فى القاهرة بحفاوة (حتى بعد أن ترك منصبه فى وزارة التجارة فى حكومة «بلير» بسبب شُبهات حول علاقاته برجال الأعمال!!) ــ ثم أصبح «مندلسون» زائرا بانتظام للقاهرة، بدعوة من أمانة الشباب فى الحزب الوطنى، كما أن وفود أمانة السياسات لم تنقطع عن لندن، وكان بين ملاحظات «مندلسون» وقد سمعتها نقلا عنه «إن مُضيفيه المصريين مهتمين جدا بقسمين بالذات فى تنظيم حزب العمال الجديد: غرفة الدعاية، وغرفة العمليات السوداء، أى المتعلقة بالمهام القذرة (كذلك يسمونها)!!».
● ثم حدث أن الرئيس «چورچ بوش» الابن سأل الرئيس «مبارك» فى الموضوع آخر مرة زار فيها واشنطن فى عهده، ورد عليه الرئيس «مبارك» ضاحكا: «ألم يكن والدك رئيسا ثم جئت أنت هنا بعده؟!!» ــ ورد «بوش»: «إن ذلك كان بالانتخاب الحر، وأن هناك فاصلا مدته ثمانى سنوات، من إدارة «كلينتون» باعدت بين رئاسة الأب ورئاسة الابن!».
بوش الأبن والأب
ومع أن «مبارك» لم يشأ فيما يبدو أن يناقش أكثر مع «چورچ بوش»، فإن السفارة الأمريكية أيام تولاها السفير «ريتشاردونى» راحت تتابع جهود التوريث فى القاهرة، وتنقل فى برقياتها (وقد أذيع الكثير منها ضمن مجموعة «ويكيليكس»)، تكهنات متزايدة حوله، بما فى ذلك أحاديث منقولة عن أصدقاء لـ«مبارك» (الابن)، وكانت أحاديث هؤلاء الأصدقاء صريحة فى أن التوريث قادم لا محالة، ولن يوقفه شىء، ولا حتى ما يبدو من تحفظ المؤسسة العسكرية حياله!!
وتحكى برقيات «ويكيليكس» نقلا عن السفارة الأمريكية فى القاهرة أن بين هؤلاء الأصدقاء (وقد حذف القائمون على نشر الوثائق السرية أسماءهم عندما نشروها حفاظا عليهم، وإن كانت أسماؤهم قد تسربت فيما بعد) ــ أنه عندما ألح السفير «ريتشاردونى» على بعضهم بقوله «إنه سمع أن المشير «طنطاوى» شخصيا يعارض التوريث لأسباب كثيرة لدى المؤسسة العسكرية فى مصر» ــ كان ردهم وبثقة زائدة «أن «مبارك» يستطيع إعفاء «طنطاوى» من منصبه فى خمس دقائق، وقد قام أحدهم بتذكير السفير الأمريكى قائلا «إن «طنطاوى» ليس أقوى من «أبو غزالة»، وقد رأيتم بأعينكم كيف تمكَّن «مبارك» من إعادة «أبوغزالة» إلى بيته عندما أراد ذلك، ولم يستغرق منه القرار جهدا، ولا ترتبت عليه متاعب فى القوات المسلحة ــ كما يردد المتشككون من المُعادين للابن الآن!!».
 ●●●
على أن الأنباء راحت تتسرب من محيط الرئاسة ذاته، بأن الرئيس أفصح لمن زاد إلحاحهم عليه أنه لا يستطيع مجاراة ما يطلبون منه، وأن عليهم تخفيف الضغط لأن المؤسسة العسكرية ليست راضية عن «التوريث»، وهو يقوم بكل ما يستطيع من جهد للإقناع وللتحضير، لكن المقاومة مستعصية، والمسألة ليست بالسهولة التى يتصورها من يلحون عليه بأنه «الآن» لينفذ ما يطلبون، وإلا ضاعت فرصته.
وتسربت فى محيط الرئاسة قصص وروايات عن مشاجرات علت فيها الأصوات.
وكانت الحقيقة معقدة.
صحيح أن المؤسسة العسكرية بالفعل كانت تعارض، وقد أرادت أن تجعل معارضتها معروفة لدى الرئيس «مبارك».
إلا أن الصحيح أيضا أن «مبارك» استخدم ما بدا له من معارضة المؤسسة العسكرية وكرره وضغط عليه، لأنه وجد فيه ما يوافق شعورا غامضا فى أعماقه ينفر من حديث «التوريث»!!
وفى الحقيقة فإن تحفُّظ المؤسسة العسكرية على «التوريث» ورد ضمنا أثناء الاستفتاء على تعديلات دستورية جرى تفصيلها خصيصا على مقاس الوريث سنة 2006، وجرى إقرارها وسط معارضة متزايدة، ورفض شعبى واضح، جعل المشير «محمد حسين طنطاوى» يبدى رأيا، مؤداه «أنه وكل القادة يرجون الرئيس مراعاة قاعدة مستقرة فى السياسة المصرية تنأى بالقوات المسلحة عن أى دور يفرض عليها احتكاكا بالداخل السياسى».. (وذلك تعهُّد وقع تخطيه مرة واحدة من قبل أثناء مظاهرات الطعام 17 و18 يناير 1977، اتسع نطاقها وخرجت عن سيطرة البوليس، ويومها وكان المشير «محمد عبدالغنى الجمسى» وزيرا للدفاع، وكان شرطه لتدخل القوات المسلحة واستعادة سيطرة الدولة أن يُعلَن عن إلغاء الزيادات فى الأسعار، وبعدها وحين يزول السبب الذى أدى إلى اندلاع المظاهرات ــ تقوم القوات المسلحة بالمساعدة على إعادة الاستقرار والسلام الداخلى للوطن!!).
والآن كانت الرسالة الواضحة فيما قاله المشير «طنطاوى» أن القوات المسلحة لا تريد أن يزج بها فى مشاكل داخلية قد تنشأ من رفض شعبى لقبول «التوريث».
المشير حسين طنطاوي
●●●
لكن الغريب أن الرئيس «مبارك» لم يظهر منه ضيق بهذا التحذير، وكانت كثرة إشارته له دليل على أنه لاقى شيئا بالقبول عنده، وتلك قضية تحتاج إلى بحث نفسى يصل إلى العمق البعيد عما هو كامن ومكبوت!!
والأشد غرابة أن الرئيس «مبارك» نفسه كان بين الذين شعروا أن الهمة الزائدة فى البحث عن عروس مناسبة للابن كانت جزءا من عملية تأهيله لإرث الرئاسة، باعتبار أنه من الصعب على مجتمع محافظ مثل المجتمع المصرى أن يقبل برئيس «أعزب»!!
●●●
وكالعادة فإن كل فعل له رد فعل، كما أن كل تصرف مخالف للطبيعة له ضرائبه المضاعفة، ومن ذلك أن أصبح شائعا على نحو مقلق أن حديث «التوريث» أثر سلبا فى أجواء الأسرة الرئاسية، لأن الابن الأكبر أحس أن الأصغر نال الحظوة، وبدأت بين الأخوين جفوة تحولت إلى هوة، ورغم السواتر من كل نوع فقد رأى الناس طرفا من مظاهر تردى العلاقة بين الأخوين، فالأخ الأكبر ــ الذى يعتبر نفسه صاحب الاستحقاق الطبيعى (إذا كان هناك حق) ــ راح ينتهز الفرص ليؤكد وجوده، ولعله اختار مجال الرياضة لظهوره، وفيها ملاعب كرة القدم وهو من عشاقها (وبالتالى فهو الأقرب إلى جماهيرها وهم حزب أغلبية فى البلد).
وفى مباراة مصر والجزائر خرج الابن الأكبر على الناس بما تصوره تعبيرا عن الوطنية المستثارة ــ دون داعٍ ــ حتى وصل إلى حد الطلب علنا من السفير الجزائرى أن يرحل عن مصر، ويتحداه على شاشة التليفزيون موجِّها له الخطاب: ماذا تنتظر لترحل؟!، ويضيف ألفاظا تسىء للعلاقات بين البلدين بكل تأكيد، وزاد على ذلك أن الابن الأكبر راح يكثِّف حملاته وظهوره على الساحة العامة، بما فيها لقاءات ودية ــ غير معلنة ــ مع بعض الكُتَّاب المعروفين بمعارضتهم للأخ الأصغر وتوريث الحكم له!! ــ وكان ذلك مناخا مقلقا فى بيت الرئاسة إضافة إلى توترات أخرى!!
ووصلت العلاقات بين الأخوين إلى مشاهد مؤسفة، لابد أن وقعها كان قاسيا على الأب!!
جمال وعلاء مبارك
●●●
والمدهش أن الرئيس «مبارك» راوده الإحساس بالتوجس والارتياب، حين وصلت إليه نتائج انتخابات مجلس الشعب الأخيرة أواخر سنة 2010، فقد أحس ــ ربما ــ أن هناك محاولة لتمرير مخطط التوريث، حتى دون موافقته وحتى أثناء حياته، فقد لاحظ أن حجم الأغلبية التى حصل عليها الحزب الوطنى فى مجلس الشعب زائد عن الحد، ولعل هذه الزيادة ــ أوحت لعقله الباطن ــ أنها تمهيد لتوريث قد يُفرض عليه هو فرضا ــ وبقرار من البرلمان الجديد عندما يحين موعد اختيار مجلس الشعب لمرشح الأغلبية للرئاسة فى موعد أقصاه يوليو 2011.
ومن المفارقات أن بعض المراقبين أدهشهم أن الرئيس «مبارك» تراجع بسرعة أكثر من اللازم ــ فى تقديرهم ــ ثم استسلم دون مقاومة جدية لمطلب التنحى بعد ثورة 25 يناير 2011 ــ وكان بينهم من وجدوا لذلك تفسيرا، مؤداه أن الرئيس «مبارك» أراح نفسه وتنحى، وهو لم يتنح لنفسه فقط وإنما أزاح ابنه وسط الزحام قبل أن يخرج هو من الصورة عندما عيَّن السيد «عمر سليمان» نائبا للرئيس، وكانت الحوادث أسرع من الجميع!!

●●●
ومن المفارقات أن قضية «التوريث» كانت الشاغل الكبير لقوى خارجية مهتمة بالشأن المصرى، أولاها الولايات المتحدة الأمريكية، والشاهد أن مراكز المخابرات المدنية والعسكرية فى الولايات المتحدة وطوال أحاديث «التوريث»، خصوصا فى الأشهر الأخيرة من سنة 2010 ركزت على الموضوع، وكرَّست جهودا، وخصَّصت لجانا ومؤتمرات تبحث تصورات ما يمكن أن يجرى فى مصر بعد «مبارك»، وربما أن أهم تقرير أُعد وقتها هو تقرير مجموعة التقديرات فى كلية الحرب الأمريكية للجيش الأمريكى (S.S.I).
ومن الملاحظ أن هذا التقرير صدر بتاريخ سبتمبر 2011، ومع أن الحوادث فى مصر سبقته ــ فإن كلية الحرب الأمريكية نشرته، واعتبر ما فيه ساريا، حتى بعد استبعاد احتمالين بين السيناريوهات الخمسة التى تصورتها لما بعد «مبارك».
استبعدت أن يواصل «مبارك» نفسه السلطة (مرة سادسة كما كان اتجاهه واتجاه الحرس القديم فى الحزب الوطنى).
ــ أو أن يرث ابنه عنه رئاسة مصر (كما كان يريد الابن، ويريد معه من سموا أنفسهم بالحرس الجديد).
ثم طرح التقرير ما تبقى من تصورات، مركزا على 3 سيناريوهات تتحرك من خلال عملية صراعات بين التيار الإسلامى (الإخوان والسلفيين)، وبين القوات المسلحة، وبين عدد من الشخصيات والتنظيمات الحزبية أو المستقلة، لكن التقرير الأمريكى لم يقطع بنهاية محددة للصراع، مما يضع الولايات المتحدة وسياساتها تجاه مصر فى وضع ترقب وتحفز كل الجبهات، ذلك أن السياسة الأمريكية ومعها تقديرات القيادة العسكرية الأمريكية بالذات تعتبر مصر بلدا بالغ الأهمية بالنسبة لها، فهى القاعدة التى ترتكز عليها حركتها فى المنطقة كلها، والمقولة الإستراتيچية المتكررة بإلحاح فى جميع التقديرات ولدى كل مراكز صناعة القرار هى «أن مصر لا يجب أن تضيع من يد الولايات المتحدة الأمريكية مهما كانت الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك، ومهما كانت درجة المرونة أو العنف فى الممارسة السياسية الأمريكية ضمانا لتحقيقه!!».
وكذلك فإن السياسة الأمريكية مضت تلاحق الحوادث، وتتعامل مع التطورات، وتتحرك بكل طاقاتها، والهدف المطلوب بإلحاح «مصر يجب ألا تضيع من يد الولايات المتحدة مرة أخرى» ــ وذلك هو الشبح المعلق على أفق المستقبل فى مصر ــ هذه اللحظة الخطرة من التاريخ!!

jeudi 16 février 2012

مبارك وزمانه من المنصة إلي الميدان (الحلقة الخامسة عشرة) .. الاتصال الأخير!

(مبارك) يسأل : (ما هو معنى احتياطى إستراتيجى؟!) .. (هذا كلام لا يودى ولا يجيب)

مبارك وزمانه من المنصة إلي الميدان (الحلقة الخامسة عشرة) .. الاتصال الأخير!

97

محمد حسنين هيكل

كان آخر اتصال مباشر بين الرئيس «مبارك» وبينى بعد ظهر 2 ديسمبر 2003، وكنت فى بيتى الريفى فى «برقاش» عندما قيل لى إن الرئيس «مبارك» على التليفون يريد أن يتحدث معى، وعلى نحو ما فإن تلك لم تكن مفاجأة ــ لأنه سبقها ما مهَّد لها!

سبقها أن الأستاذ «إبراهيم المعلم» (رئيس مجلس إدارة دار الشروق) اتصل بى من «فرانكفورت»، حيث كان يحضر المعرض السنوى للكتاب، يقول: «إنه يظن أن اتصالا تليفونيا مهما قد يجرى معى الآن!».

وتساءلت، وكان التفصيل لديه أن وزير الثقافة الأستاذ «فاروق حسنى» اتصل به فى «فرانكفورت» يطلب منه رقم تليفون بيتى فى «برقاش»، «لأنهم يريدون» أن يتصلوا بى.

وزادت دهشتى لأن تليفونات «برقاش» معروفة فى مكاتب الرئاسة، فإذا كان هناك من يطلبها الآن، إذن فإن الاتصال يجرى من خارج القنوات الطبيعية.

●●●

والغريب أننى استبعدت أن يكون الرئيس «مبارك» نفسه هو الذى يريد التحدث إلىَّ، فقد كنت أعرف أن ضيقه بما أكتب وأقول قد بلغ مداه، ضايقته بشدة رسالة بعثت بها إلى الجمعية العامة لنقابة الصحفيين، وهى تبحث مشروع قانون جرى التفكير فيه ومطلبه تقييد حرية الصحافة، وطلبت النقابة حضورى، وآثرت أن أكتفى برسالة إلى الاجتماع موجهة إلى مجلس نقابة الصحفيين، تلاها نيابة عنى السكرتير العام للنقابة فى ذلك الوقت الأستاذ «يحيى قلاش»، وكان النص يحتوى على ما يمكن اعتباره مواجهة مباشرة:

1ــ إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم، واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى هذا البلد.

2ــ إن الأسلوب الذى اتبع فى تصميم هذا القانون وإعداده وإقراره هو فى رأيى أسوأ من كل ما احتوته مواده من نصوص، ذلك أن روح القانون لا تقبل منطق الخلسة والانقضاض، وإنما تقبل منطق إطالة النظر والحوار، والقانون بالدرجة الأولى روح، وإذا نُزعت الروح من أى حياة فما هو باقٍ بعدها لا يصلح لغير التراب!

إن روح القانون فى رأيى أهم من كل نصوصه، حتى إن استقام قصد النصوص وحَسُنَت مراميها.

وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع أحكام.

3ــ إن هذا القانون فى ظنى يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها، وهى تشعر أن الحوادث تتجاوزها، ثم إنه لا تستطيع فى نفس الوقت أن ترى ضرورات التغيير، وهنا لا يكون الحل بمعاودة المراجعة والتقييم، ولكن بتشديد القيود وتحصين الحدود، وكأن حركة التفكير والحوار والتغيير تستحق أن توضع فى قفص.

●●●

لقد أحزننى تصريح منسوب للرئيس «حسنى مبارك» منشور فى كل الصحف أمس ــ الخميس ــ نُسب فيه إليه قوله بأنه «إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف فإن القانون الجديد ينام من نفسه»، ثم نُسب إليه أيضا قوله «إنه يرحب بالرأى شرط أن يكون صادقا».

ومع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة فإن القوانين لا تعرف النوم، وإنما تعرف السهر، وهى لا توضع لتنام بكرم أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القوانين أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد.

●●●

وأصبح تعبير «سلطة شاخت» فى مواقعها على كل لسان، بل أصبح شعار كل المعارضين لسياسة «مبارك»، وظل كذلك حتى لحقته قضية التوريث، ثم جاءت محاضرة لى فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة نوفمبر 2002، تحدَّثت فيها عن احتمالات التوريث، ونبَّهت إلى مخاطره، وثارت عواصف الغضب فى الرئاسة، وفى الحزب، وفى دوائر السلطة والحكم، وكان داعى الغضب فجائيا: من ناحية لأن السر تفجر فى العلن، ومن ناحية أخرى لأن تفجير السر وقع على غير انتظار، كما أن من يعنيهم الأمر كانوا مشغولين عما يجرى فى القاهرة باحتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية، وكانت احتفالات أسطورية ذكَّرت كثيرين بمهرجان افتتاح قناة السويس أيام الخديو «إسماعيل» وقصص الإمبراطورة الفرنسية «يوچينى» (التى كانت ضيفة ذلك المهرجان ولخيمته الكبرى بقرابتها «فرديناند دليسيبس» مهندس مشروع حفر قناة السويس).

98

احتفالات افتتاح مكتبة الإسكندرية

وكانت محاضرة الجامعة الأمريكية قد أذيعت على قناة «دريم» ثلاث مرات فى يومين، ثم تنبَّه المحتفلون إلى آثارها، فإذا عاصفة الغضب تطيح بكل من كان له دخل فى إذاعتها وتكرار إذاعتها ــ وتركز الغضب على كل رجل وسيدة كان لهما دور فى تكرار إذاعة المحاضرة، وهما المهندس «أسامة الشيخ» (مدير قناة «دريم» وقتها)، والدكتورة «هالة سرحان» (منسقة برامجها).

ونجا صاحب القناة الدكتور «أحمد بهجت» بشبه معجزة، وقال لى بنفسه بعدها: «إن إذاعة هذه المحاضرة كانت على وشك أن تكلفه 2 مليار جنيه، لولا أن قدَّر الله ولطف، واستطاع شرح موقفه لمن يعنيهم الأمر».

إلى جانب ذلك، فإن الصحافة الرسمية كرَّست صفحاتها لحملات ضارية لكلام من نوع تأقلمت على متابعته من باب الرصد السياسى، وبمنطق أن كل قول يدل على قائله بأكثر مما يشير إلى سامعه!

وفى مثل هذا المناخ فقد استبعدت احتمال أن يتصل بى الرئيس «مبارك»، لأن حديث التوريث سوف يفرض نفسه على أى اتصال!

ولكن الرجل بالفعل ــ خيَّب ظنى»!

فهو لم يتحدث عن التوريث بكلمة، وإنما انصب كل ما قال على موضوع آخر لم أتوقعه!

●●●

جاءنى صوت الرئيس «مبارك»، وبدون مقدمات قائلا:

ــ «يا راجل ماذا تفعل بصحتك؟!».

كنت قد وضعت ورقا وقلما على المكتب، أحاول أن يكون لدى سجل حرفى وضرورى لمكالمة تصورتها سياسية، وتوقف القلم فى يدى، أكرر سؤال الرئيس ولكن موجها إليه:

ــ سيادة الرئيس ــ ماذا فعلت بصحتى؟!

قال:

ــ «أنت لا تعطى نفسك فرصة العلاج الضرورى ماذا تفعل عندك؟ لابد أن تسافر فورا إلى أمريكا وتستكمل علاجك هناك، لأن صحتك ليست مهمة لك فقط، ولكن للبلد، فأنت أديت خدمات كبرى للشعب، ودورك فى الحياة العامة يشهد لك».

ودُهشت حقيقة فقد كنت أعرف ما فيه الكفاية عن رأى «مبارك» فى مواقفى، وفيما أكتب أو أقول تعبيرا عنها، ولم يكن فى استطاعتى ــ وبظاهر الأمر أمامى ــ دون حاجة إلى استعادة مخزون الذاكرة أو استقراء النوايا غير شكر الرئيس على بادرته، وكان ردى: «إننى متأثر باهتمامه، شاكر لفضل سؤاله»، ثم شرحت:

«إن أحوالى الصحية والحمدلله الآن طيبة، وهو يعرف أننى أجريت عملية جراحية منذ أربع سنوات، وذكَّرته بأنه وقتها تفضَّل وسأل عنى ثلاث مرات فى مستشفى «كليفلاند» فى الولايات المتحدة، وبعد العملية فإننى عُدت إلى «كليفلاند» عدة مرات، وقصدت إلى «أوماها» مرة للفحص والمتابعة، والآن فإن ابنى الأكبر وهو أستاذ فى كلية الطب يتابع أحوالى، وهو على اتصال منتظم بأطبائى فى أمريكا، وصحتى ــ والفضل لصاحب الفضل ــ مستقرة، لم يطرأ عليها داعٍ للقلق من جديد!

وقاطعنى الرئيس بحزم قائلا: لا، لا، هذا المرض لا يُعالج مرة واحدة، واسمع منى، واستطرد يشرح وجهة نظره:

«مرة أخرى صحتى مسألة مهمة، ولابد أن أعود إلى أمريكا وأكرر العودة»، ثم إن هناك موضوعا يريد أن يتحدث فيه معى بصراحة، «رغم أنه يعرف الكثير عما وصفه بـ«الكبرياء»، لكنه برغم ذلك مضطر أن ينبهنى إلى «أن تكاليف العلاج فى أمريكا «نار» مهما كانت مقدرة صاحبه»، ثم يصل الرئيس إلى موقع الذروة فى كلامه فيقول:

«هذه المرة تكاليف علاجك ليست على حساب الدولة، وليست على حساب الأهرام، وإنما من عندى شخصيا، وبينى وبينك مباشرة دون غيرنا».

واعترضت: «سيادة الرئيس أرجوك، الدولة لم تتحمل عنى نفقات علاجى فى أى وقت»، والأهرام «كذلك لم يتحمل مليما من نفقات علاجى ــ حتى عندما كنت لسبع عشرة سنة رئيسا لمجلس إدارته ورئيسا لتحريره ــ فقد تحمَّلت باستمرار تكاليفى بنفسى، واعتبرت ذلك حقى ــ وحق الآخرين، خصوصا إذا كنت أقدر عليه».

ورد الرئيس «أنه يعرف أن الدولة لم تتكلف بعلاجى»، ولا الأهرام، «لكن ضرورات صحتى تقتضى الآن شيئا آخر، حتى لا يعود المرض»، وكرر «أن المسائل المالية» سوف تكون معه شخصيا، ولك أن تطلب بلا حدود وبدون تحفظ، وأنا أعرف الكثير عن «عنادك»، ولكن «.. وتوقف قليلا ثم استطرد»:

«محمد بيه.. المرض مالوش كبير!!» ثم يستكمل العبارة: «السرطان ليس لعبة» وعلاجه مكلف، وفى أمريكا بالذات تكاليفه «ولعة».

و«نحن» جربنا هذه التكاليف فى حالة «سوزى» (يقصد السيدة قرينته)، وكانت هذه الإشارة إلى أقرب الناس إليه دليل حميمية آسرة.

والحقيقة أن إحساسا متناقضا بدأ يتسرب إلى فكرى:

ــ من ناحية فإن الرجل فى كلامه يعبر عن اهتمام واضح بأمرى، وهذا يستحق اعترافا بفضله.

ــ ومن ناحية أخرى فإن هذا العرض المالى بلا حدود وبدون تحفظ يتبدى لى غير مريح ــ لا فى موضوعه، ولا فى شكله، ولا فى أى اعتبار له قيمة ومعنى، مهما كان حُسن النية لدى قائله!

ورددت: بلهجة قصدتها واضحة لا تحتمل أى التباس:

«سيادة الرئيس أريد أن أضع أمامك موقفى»:

العملية الجراحية التى أجريتها قبل سنوات نجحت والحمدلله، وطوال هذه السنوات فإننى تحت رعاية طبية أثق فيها، سواء فى مصر أو فى أمريكا، ومنذ عدة شهور فقط استجد عارض عُدت فيه إلى الولايات المتحدة، وظهر والحمدلله أنه أهون مما قدَّرنا.

ولو جد، لا سمح الله، جديد، فسوف أذهب إلى حيث ينصح أطبائى، وفق ما يرون من أحوالى.

وإذا حدث ذلك فإننى والحمدلله قادر على تحمل نفقات علاجى، فالحقيقة أن ما كتبت ونشرت من كتبى بمعظم لغات العالم وفر لى ما أحتاج إليه وأكثر».

وأضفت:

«أننى شاكر لكم كل ما أبديتم من اهتمام وكرم، ولكنى أعتقد أن هناك من يحتاج إلى ذلك أكثر منى، وفى كل الأحوال فإن عرضكم يأسرنى بفضله، وأعد أنه إذا حدث ولم تستطع مواردى أن تواجه ضروراتى، فإننى سوف أعود إليكم، معتبرا ما عرضتم علىَّ نوعا من «الاحتياطى الاستراتيجى»، ألجأ له إذا احتجت، أما الآن فليس هناك ما يدعونى إلى استخدامه!

ورد الرئيس: «أنت لاتزال تعاند، وقلت لك إن المرض «مالوش كبير»، وإن تكاليفه فى أمريكا لا تُحتمل، ثم تقول لى «احتياطى استراتيجى» يعنى إيه «احتياطى استراتيجى!».

وقلت للرئيس والحديث كله يصبح محرجا: «سيادة الرئيس، هل أنا الذى أشرح لك معنى «احتياطى استراتيجى» أنت بخلفيتك العسكرية تعرف ذلك أكثر منى أو غيرى معنى احتياطى استراتيجى، وما أقصده هو أن عرضكم رصيد موجود ماثل فى خلفية تفكيرى، ووجوده فى حد ذاته يطمئننى حتى بدون استعماله، وقد أستدعيه لضرورة قصوى، لكن هذه الضرورة القصوى ليست حاضرة فى هذا الوقت!».

وقال الرئيس:

«هذا كلام يمكن أن تكتبوه فى الجرائد، لكنه «لا يودى ولا يجيب».

وانتهت مكالمتنا بطريقة حاولت كل جهدى أن تكون ودية، دون أن يضايقه اعتذارى ــ قاطعا ــ عن عرضه.

●●●

ولساعات ظل حديثه يلح على تفكيرى، وبالحق فقد كنت حائرا فى تأويل مقاصده:

ــ فهو لم يذكر بكلمة ما قلته فى محاضرة معارضة «التوريث»، ولم يشر إليها بكلمة واحدة خلال مكالمة زادت على عشرين دقيقة.

ثم إنه أبدى حرصا لا يصح لى أن أقابله بشك فى نواياه، لكنى بأمانة تصورت أن المسألة يجب وضعها فى إطارها الصحيح، بمعنى أنه من باب التجنِّى أن أشك فى النوايا، فإنه من باب السذاجة ألا يرد الشك على بالى، وأن يكون لهذا الشك متنفسا!

وعلى نحو ما فقد تصورت أن أسجل الواقعة فى خطاب شكر مكتوب، أبعث به إليه من باب الوفاء، وفى نفس الوقت لكى يكون هناك مرجع لا يترك مجالا لسوء فهم.

وجلست فكتبت له خطابا مختصرا، سجلت فيه مجمل ما دار بيننا، وكان نصه بالحرف:

القاهرة فى 3/12/2003

سيادة الرئيس..

لا أعرف كيف أعبر لكم عن عرفانى بالفضل، وتقديرى لحديثكم التليفونى المستفيض مساء الأمس (الثلاثاء 2 ديسمبر) ــ سؤالا عن صحتى واهتماما بأمرى. واعتقادى أن نصيحتكم بشأن ضرورة ذهابى لفحص شامل فى الولايات المتحدة الأمريكية نصيحة سديدة النظر، وحقيقية بحكم تقدم العلوم والتكنولوجيا. وبالفعل فإننى كنت فى الولايات المتحدة الأمريكية فى شهر مايو الأخير على موعد مع الدكتور «أرميتاج» عميد كلية الطب فى جامعة نبراسكا (أوماها)، الذى قيل لى إنه من أبرز الاختصاصيين فى العارض الصحى الذى تعرضت له أوائل الصيف، وسبَّب ضغطا على القصبة الهوائية كانت له مضاعفات حتى على صوتى. وقد وضع الدكتور «أرميتاج» خطة علاج جرى تنفيذها فى مصر، ويبدو لى أن نتائجها ناجحة بدرجة كبيرة حتى الآن، وأنوى بمشيئة الله أن أعود إلى الولايات المتحدة لمراجعة أخرى.

إننى لا أستطيع أن أشرح لكم كيف تأثرت بعرضكم الكريم فى شأن تكاليف العلاج، وكانت عفويتكم آسرة حين أشرتم إلى أنكم ــ وليس مؤسسة أو دولة ــ سوف تتحملون بها، تقديرا كما تفضلتم «لرجل له قيمته»، وداعين إلى أن أطلب بغير حساسية وبغير تحفظ وذلك كرم عظيم. وكان بين دواعى تأثرى أنكم تعرفون ــ سيادة الرئيس ــ مما أكتب وأقول إننى على خلاف مع بعض توجهات السياسة المصرية، وأن تتجلى مشاعركم على هذا النحو الذى تجلت به ــ فإن ذلك دليلا على حِس صادق، يقدر على التفرقة بين العام والخاص، وبين السياسى والإنسانى.

وقد أعجبنى قولكم إن «المرض مالوش كبير» لأن تكاليف العلاج فى أمريكا مهولة، وبالفعل فإننى جربت ذلك مرتين من قبل، لكن الصحة تبقى أغلى ما يحرص عليه الإنسان.

إننى سوف أحتفظ بعرضكم الكريم معى، وسوف أعود إليكم فى شأنه عند الحاجة، معتبرا أنه احتياطى استراتيجى (كما يُقال) يريح وجوده ويطمئن، وذلك فى حد ذاته فضل لا يُنسى، ونبل قصد يستحق كل عرفان ووفاء.

سلمتم ــ سيادة الرئيس ــ مع أخلص الشكر وأعمقه، وتقبلوا موفور الاحترام.

محمد حسنين هيكل

99

صورة لخطاب هيكل للرئيس مبارك

●●●

وفى الحقيقة فإن هذا النص كان من أصعب ما كتبت على كثرة ما كتبت! فلم يكن فى مقدورى إنكار الظاهر من فضل الرجل، ولا كان فى مقدورى ألا أسجل اعتذارى عن عرضه بطريقة لا تحتمل اللبس، ومن باب الاحتياط فقد اختبرت تأثير الخطاب على غيرى بأن أطلعت عليه على عكس العادة عددا من رؤساء التحرير المتصلين به وقتها، وبينهم الأستاذ «إبراهيم نافع» (رئيس مجلس إدارة «الأهرام»)، والأستاذ «إبراهيم سعدة» (رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم»).

ولم يصلنى من «مبارك» رد ولا اتصال، وإنما كان الذى أبلغنى نوعا من رد الفعل هو الدكتور «أسامة الباز» الذى جاء لمقابلتى يقول لى:

100

أسامة الباز

«إنه قرأ الخطاب، وأن النص مكتوب بعناية، لكنه («أسامة») فهم بوضوح أننى أردت تسجيل الواقعة».

وقلت لـ«أسامة»: «مرة أخرى أن ما فهمه صحيح!».

والغريب أن أحد الصحفيين من أعضاء لجنة السياسات تفضل مرة وكتب يسألنى ماذا أريد من هذه المعارضة المستمرة لسياسة الرئيس، وهو الذى كان كريما «معك»، وعرض أن يتكفل بعلاجك، وكنت أنت الذى اعتذرت، ورددت ــ على غير العادة ــ على الملأ وفى قناة الجزيرة فى سياق حديث مع مذيعها اللامع الأستاذ «محمد كريشان» «إذا كانوا يعايروننى وقد اعتذرت عن العرض، فكيف إذا كنت قبلته؟!».

●●●

وتوقفت بعدها اتصالاته بى، ولكن حوارى مع سياساته لم يتوقف، حتى وصلنا إلى سنة 2010، وكان رأيى أن نظام «مبارك» قد انتهى تاريخيا، حتى وإن بقى على قمة السلطة فى مصر سياسيا، وأن هناك انتقالا ضروريا للسلطة لابد من الترتيب له، وعرضت تصورا متكاملا يقوم فيه ما سميته «مجلس أمناء للدولة والدستور» بإدارة مرحلة الانتقال، وفى حضور القوات المسلحة ممثلة فى المشير «محمد حسين طنطاوى»، ورشحت لعضويته أسماء رجال طرحها الناس فى أحاديثهم بعفوية مرشحين صالحين للرئاسة، ومن المفارقات أن معظم من رشحتهم الآن على رأس القائمة فى سباق رئاسة الجهمورية بعد 25 يناير 2011.

واحتدمت معركة كبرى:

ذلك أنه عندما طرحت اقتراح انتقال للسلطة يديره مجلس أمناء للدولة والدستور، وأن تكون القوات المسلحة حاضرة فى مشهده، وكان سؤال الصحف الموالية لـ«مبارك»، وربما أطراف أخرى مهتمة بالشأن المصرى العام، وموضع اعتراضهم على صحة المنطق الذى استندت إليه من أساسه: وهو كيف أطالب بعملية نقل بالتوافق للسلطة بعد «مبارك» أثناء وجوده هو شخصيا على رأس السلطة، وما الذى يدفع الرجل إلى مثل هذا التوافق، وهو الذى يريد تأبيد حكمه مادام فى «قلبه نبض يخفق ونَفَس يتردد» (على حد ما قال بنفسه فى خطاب شهير وأخير له)، ثم إن الرجل يفكر فى توريث سلطته، وعناده كله فى نقطة واحدة هو كيف يحدث التوريث أثناء حياته أو بعد عمر مديد عندما يحين الأجل؟!

وكان ردى على كل من سألنى فى الموضوع:

أن كل استجابة سياسية تتوقف على حجم الضغوط الماثلة والمستمرة، ولم يكن فى مقدورى لحظتها أن أضيف: حتى إذا وصلنا إلى النزول فى الشوارع!!

كما أن المخاطر فى كل الأحوال لا يواجهها غير حالة تنبه ويقظة!

101

مظاهرات ثورة يناير 2011

●●●

وكان السؤال التالى والأشد إلحاحا هو سؤال الانتقال من «مبارك» إلى ابنه، وكان الظاهر والباطن كلاهما يؤمن أنها عملية شديدة الصعوبة، ومحفوفة بالمخاطر، ذلك أن هناك استثمارات مهولة إقليمية ودولية ومصرية كذلك، وكلها تريد استبقاء النظام وإن بغير الرجل! وكان الخطر ــ كل الخطر ــ من عوامل الإقليم، وعوامل الخارج، خصوصا من جانب الولايات المتحدة الأمريكية.

وحين جاء يناير سنة 2011 فقد حدث أن تذكرت ما بدأت به من استعادة لمقولة «أندريه موروا»: «أن غير المتوقع يحدث دائما، وأبعد الظنون أقربها إلى التحقيق»!

ذلك أن الذين وضعوا استثماراتهم المهولة على «مبارك» كانوا أسرع الجميع إلى التخلى عنه بعد أن تجلى إصرار كتل الجماهير وطلائع الشباب معا على أن الشعب يريد «إسقاط الرئيس». وكانت الولايات المتحدة الأمريكية بين أول من سحبوا استثماراتهم على «مبارك»، فقد كان تصميمهم على أن مصر لا يجب أن تضيع من أيديهم مرة أخرى، هو رهانهم الحقيقى.

وهنا فقد كانت تلك هى الصدمة الكبرى لـ«مبارك»، بمعنى أنه حتى وهو يرى بحر المظاهرات، ودرجة الرفض القاطع لابنه، ظل حتى آخر لحظة مقتنعا بأن كله مدبر، وأنها قلة مندسة ولكنها منظمة وموجَّهة، ورفضها له ليس لشخصه وإنما مقصده الحقيقى إسقاط الدولة، وهو مازال قادرا على الصمود، لكن ما فاجأه ولم يكن فى حسابه هو سحب الرهان الأمريكى عليه، وربما تكشف دخائل فكره محادثة تليفونية جرت بينه وبين صديقه «بنيامين أليعازار» حدثت ظهر يوم 15 فبراير 2011، وبعد تخليه عن رئاسة الجمهورية، واختياره الإقامة فى «شرم الشيخ»، وفى هذا الحديث التليفونى وقد نشرت خبره وتفاصيله صحف إسرائيلية عديدة، كما أن «بنيامين أليعازار» نفسه تحدث عنه مطولا، وراويا أن «مبارك» ظل لنصف الساعة يشكو له كصديق من تخلى الولايات المتحدة الأمريكية عنه، ونكرانها لكل ما قام به، والغريب أنه فى انفعاله يعتبر نفسه من ضحايا الجحود الأمريكى، مثله فى ذلك مثل «شاه إيران» ــ الشاه كان ضحية لـ«كارتر»، وهو ضحية لـ«أوباما»!

ثم يضيف «مبارك» طبقا لـ«أليعازار»: أنهم ــ بعض من فى الولايات المتحدة ــ سوف يندمون يوما على تنكرهم له، ومن المحزن أن «مبارك» لم يخطر له أن يندم هو نفسه، ومن المحزن أكثر أن الرجل الذى رآه العالم يدخل ممددا على سرير طبى فى زنزانة محكمة جنايات مصرية ــ بدا غافلا دون إحساس بالكبرياء، لا كبرياء الإنسان، ولا كبرياء التاريخ!

●●●

وفوق ذلك فقد ترك مصر وسط حقل ألغام!

mardi 14 février 2012

مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الرابعة عشرة) ماذا نعرف عنه

 55

 

محمد حسنين هيكل

كان تعبير الرجل الذى لا يعرفه هؤلاء الذين يظنون أنهم يعرفون عنه كل شىء ــ حاضرا معى أحد أيام نوفمبر سنة 1998، وكنت فيه على موعد فى مؤسسة «هاربر كولينز» على مدخل الطريق 4 الخارج من لندن، متجها إلى «وندسور» و«أوكسفورد». وكان موعدى هناك لاجتماع يبحث قائمة خاصة بالكتب التى تنشرها المؤسسة مع بداية الألفية، وهى قائمة أعدتها مجموعة عمل من مديرى النشر فى الأقسام المختلفة لـ«هاربر كولينز».

وعلى غير ترتيب مسبق جاءت ــ «چوانا» ــ سكرتيرة المدير العام للمؤسسة ورئيس مجلس إدارتها «إيدى بل»، تدعونى إلى لقائه، ومشيت معها نحو مكتبه، وهو قريب من قاعة الاجتماعات التى كنا فيها، وتطل مثلها على الشرفة الدائرية لصحن المبنى، المغطاة بالنباتات المتسلقة تكسو كل جدرانها من الدور السادس إلى الدور الأرضى.

مبارك وأوباما

●●●

وعندما دخلت مكتب «إيدى» كان أمامه ملف سميك مربوط بشريط محيط به يمسك أوراقه رزمة واحدة لا تنفرط.

وقال «إيدى بل» وهو يشير إلى الملف:

«لدينا مشكلة تصورنا أنك قد تستطيع مساعدتنا فى حلها، لأنها خاصة بالرئيس «مبارك»!».

وراح «إيدى» يشرح المشكلة.

«أحد الصحفيين الأمريكيين (ذكر اسمه)، عمل مراسلا لجريدته فى القاهرة عدة سنين، واقترح علينا أخيرا أن يكتب كتابا عن «مبارك»، وقبلنا اقتراحه، ووقعنا معه عقدا، ودفعنا له مقدم أتعاب، وعاد (المراسل) إلى القاهرة، فقضى ثمانية أشهر يجمع المعلومات، ويقابل المصادر، ويتقصى الروايات، ثم كتب نصا أوليا عرضه على هيئة التحرير، لكن الهيئة لم تر فى الكتاب مادة كافية تصلح للنشر عن شخصية مهمة فى العالم العربى، وبدا ما سمعته مما لا دخل لى به، لكن «إيدى بل» أضاف:

وفى هيئة التحرير طلبوا من (المراسل) أن يراجع ما كتب، وأن يُعيد كتابة نصه، (وقرروا أن يضيفوا إلى المبلغ الذى صُرف له) ليبحث أكثر ويتوسع بزيادة مواد تجعل الكتاب أكثر جاذبية لقارئ دولى (إنجليزى ــ أمريكى ــ بالدرجة الأولى)، وحاول (المراسل) وقدم نصا جديدا، ولكن ما فيه للمرة الثانية لم يزد كثيرا عما كتبه فى المرة الأولى، وكان فى مقدورنا صرف النظر عن الموضوع كله، ولكن المشكلة أننا استثمرنا أموالا فيه، ثم إننا سبق وكتبنا إلى السفارة المصرية هنا، وإلى السفارة البريطانية فى القاهرة نطلب منهما المساعدة على تسهيل مهمته، وبالفعل رتبوا له مقابلة «مبارك» وأفرادا من أسرته، وآخرين من حاشيته، وعدد من الذين عرفوه، وتعاملوا معه فى مراحل حياته المختلفة، ومعظم ذلك مسجل على أشرطة، كما أن هناك ــ إلى جانب النص المكتوب ــ مئات الصفحات من المذكرات والوثائق التى اعتمد عليها، لكن ذلك كله لم يساعد على مخطوطة كافية لكتاب مقروء (Readable)».

أضاف «إيدى بل»: «أنه حاول الاطلاع على المكتوب بنفسه، ولم يستطع أن يواصل القراءة فيه بعيدا».

أضاف: «وقد توصلنا إلى اقتراح نريد طرحه عليك، وهو أن نضع تحت تصرفك هذا النص، وكذلك تسجيلات مقابلات صاحبها ومذكراته، ثم تقوم أنت بأى جهد تراه لتجديد الكتاب، وفى هذه الحالة سوف نطلب منك إشارة رقيقة فى المقدمة إلى مَنْ قام بالعمل التحضيرى لمشروع الكتاب، وأظن أنك تقبل ذلك!».

ولم أكن فى حاجة إلى إطالة التفكير، وإنما قلت صراحة لـ«إيدى بل»: «إن لدى على الفور أسبابا كثيرة للاعتذار!!».

● أولها: أننى لم أكتب من قبل «قصة حياة» لأحد، ولم أفعل ذلك حتى مع «عبدالناصر»، وإنما كان كتابى عنه The Cairo Documents مركزا على صداقاته الدولية، وعلى عصر العمالقة الذى عاش فيه، ثم إننى لم أفعل ذلك مع «السادات»، وإنما كان كتابى عنه مركزا على خريف سنة 1981 ــ «خريف الغضب» Autumn of Fury، وتحديدا مشهد مأساة اغتياله.

أى أن كل كتبى باللغة العربية أو الإنجليزية كانت عن مراحل أو وقائع، وليست عن أشخاص.

● والسبب الثانى أن السير الشخصية (Biography) تحتاج إلى تجرد وحياد، وذلك قد يتوافر لمؤرخ، لكنه يصعب إنسانيا أن يتوافر لصحفى، وصحفى له موقف، وهذا ثانى أسبابى للاعتذار.

● هناك سبب ثالث نفسى أكثر منه عملى، وهو أن القبول بمثل هذه المهمة قد يقتضى منى طلب مقابلة «مبارك»، أو بعض المحيطين به، وهو ما لا أريده لأسباب تخصنى، بينها حرصى على الاحتفاظ بمسافة من السياسة المصرية الجارية!!

●●●

وللحق فإن «إيدى بل» لم يواصل إلحاحه وإنما أبدى تفهما، لكنه لم يستطع صرف النظر عن مشروع الكتاب بأسره، وقد سألنى فى محاولة أخيرة «إذا كان لدىَّ مانع من قراءة المواد الجاهزة، وإبداء رأى فى إمكانية استكمالها، إذا وجدت بعد قراءة النص أن لدىَّ ما أقترحه!!».

ولم أستشعر لدىَّ «مقاومة» لهذا الاقتراح، بل لعلى ببعض «خصائص» المهنة كنت مهيأ له، وطلب «إيدى» من سكرتيرته أن توضع قاعة الاجتماعات الملاصقة لمكتبه تحت تصرفى اليوم وغدا، بما يوفر لى فرصة القراءة الهادئة، وأن تجىء إلىَّ بالنص المكتوب، والصندوق الذى يحوى ما يتصل بها من الأوراق مثل محاضر وشرائط ومذكرات جمعها (المراسل) الذى كتب كتابه مرتين!!

وما بين الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة بعد الظهر جلست فى قاعة الاجتماعات، منكبا على القراءة، وعلى الاستماع إلى مقاطع من التسجيلات.

وخرجت إلى مكتب «چوانا» أعيد إليها ما عندى، ولكنها قالت «إن رئيسها لايزال فى مكتبه، وقد يهمه أن يرانى ليسمع منى، ودخلت إليه، ولم يترك «إيدى» لى فرصة، بل سألنى إذا كنت وجدت حلا، وهززت رأسى نفيا، وقلت: «إن الرجل (أقصد المراسل) بذل جهدا خارقا، لكنه أعطى نفسه مهمة مستحيلة!!».

وسألنى «إيدى» عما أعنيه، وقلت: «إن الصورة هنا على الورق مماثلة تماما للصورة كما تظهر هناك على الأرض، وليس فى مقدور الرجل ــ إنصافا له ــ غير أن يعرض ما رأى، إلا إذا طلبت منه ما هو خارج طاقته!!

وسألنى «إيدى بل»: «هل يمكن أن يكون ما هو مكتوب هو كل ما هناك «على الأرض»؟!» ــ وقلت تأكيدا وإنصافا للرجل: «على الأرض ــ هو كل ما هناك!!».

●●●

وفيما بعد فكرت طويلا فى المسألة، وكان مؤدى ما توصلت إليه أن النص الذى قرأته ليس كل القصة، ولكنه ما يبدو للرائين منها، لأن بطل القصة (أى «مبارك») سواء ــ للأحسن أو للأسوأ ــ لم ينس أثرا حيث ذهب، ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يُعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل أجراها جميعا على انفراد، وفى الغالب الأعم فإن تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها، وتجميعها، ومضاهاتها، ودراستها!!

وهنا يصدق التعبير بأن من يتصورون أنهم يعرفون كل شىء عنه ــ بظاهر ما رأوا كله ــ هم فى الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!

●●●

● وخلال سنوات طويلة سمعت ــ دون قصد ــ آراء كثيرين ممن عرفوه.

ــ بعض من عرفوا أسرته فى «كفر المصيلحة»، وليس فيهم من يعرف عنه شخصيا شيئا محددا، وقد سمعت كثيرا عنه (كما أسلفت) من شقيقه «سامى مبارك»، لكنه كله مما أرد نفسى عن استعمال شئ منه، فهو خصوصية أسرة، ثم إنه يحوى بعضا من عقدة قتل الأخ Fratricide وهو ما لا شأن لى فيه!!

ــ وبعض زملائه فى الكلية الحربية، وفى كلية الطيران، يجيبون إذا سُئلوا بأنه «لم يعط سره لأحد « على حد تعبير أحدهم، وهم يعرفون أنه يحب سماع الحكايات وروايتها، ويحب إطلاق النكات وتكرارها، لكنه وراء ذلك كتوم!!

ــ بعض هؤلاء أضافوا أنه رجل يثابر أكثر منه رجل يفكر، وهو مستعد بالنشاط العضلى يعوض ما يفوت عليه بالنشاط العقلى، وهو جاهز لذلك طول الوقت.

ــ وبعض هؤلاء يقولون إنه شديد الطاعة لرؤسائه، يكرس جهده دائما لإرضائهم مهما كانت المهام التى يطلبونها منه، وأثناء الدراسة فى كلية الطيران لم يخرج فى الإجازات، وإنما كان على استعداد باستمرار للبقاء فى الكلية نوبتجيا، بينما غيره ينتظر الإجازات ويتشوق لها.

ــ وبعض زملائه يروى أنه عندما تخرَّج والتحق بأحد المطارات كان يحاول التأثير بأن يلحق طابور الصباح كل يوم قفزا من النافذة إلى ساحة التدريب أمام الناس، ليُظهر سرعة حركته.

ــ وبعض زملائه يقول إنه نال الحظوة لدى من عمل معهم من قادة الطيران، ثم دار من حولهم عندما وجد منفذا إلى وزراء الدفاع، خصوصا الفريق «محمد فوزى»، والفريق «محمد أحمد صادق»، وهو يحقق نفاذه إذا اطمأن إلى أن قادته المُباشرين لا يعلمون، أو يعلمون ولا يقولون شيئا، لأن مرؤوسهم وطَّد صلته بالمستويات الأعلى!!

ــ وبعض زملائه فى قاعدة «بلبيس» يحكون كثيرا عن أنه كان معهم وهم يشترون اللحم من سوق «بلبيس» لبيته ولأسرة قرينته، لأن أسعارها أوفر، مع حرصه على أن يأخذ ورقة بالسعر ليستوفى حقه «بلطافة» (على حد تعبير القائل) دون أن يطلب بنفسه (وذلك لا عيب فيه).

ــ وزميل آخر يحكى كيف كان غرامه شديدا بالأرغفة الصغيرة المحشوة بـ«الفول المدمس» أو بـ«الطعمية»، وهو فى السيارة من القاعدة إلى البيت أيام الإجازات يأكل معظمها.

ــ وبعيدا عن زملائه القُدامى كلهم أو بعضهم، فإن من جاءوا فى حياة «مبارك» بعدهم لا يعرفون ما هو أكثر، ففى ذكريات أحد معاونيه الذين خالطوه عن قُرب فى بعض مراحل عمره «أن انبهاره الأكبر كان بالغِنى وبالأغنياء، والثروة والأثرياء، وعندما يعرف أن أحد زملائه ينتمى إلى أسرة غنية، فإن سؤاله باستمرار كان طلب ترجمة الأوصاف إلى أرقام بسؤال «يعنى يطلع عنده كام؟!».

ــ وهو شغوف بكل ما يستطيع أن يسمع من تفاصيل عن حياة الآخرين، وتلك من خَصاله، منذ كان ضابطا صغيرا حتى أصبح رئيسا.

ثم يضيف هذا المتحدث صيغة للتعامل مع «مبارك»: «يا هنا» ذلك الذى يحتاج «مبارك» إليه، و«يا ويل» من يحتاج هو إلى «مبارك»!!

ــ وهو رجل لا ينسى مهما طال الزمن إساءة ــ أو ما يعتبره إساءة من أحد، ولا يذكر مهما قصر الزمن فضلا ــ أو ما يعتبره فضلا من أحد!!

ــ وأخيرا هناك أحد الأدباء البارزين الذين اهتموا بحضور مؤتمراته وواظبوا عليها، وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثقافية: «أنه ــ ذلك الأديب ــ حضر عشرات المؤتمرات لـ«مبارك»، ولم يشعر على طول ما سمع أن «مبارك» قرأ كتابا، أو تذوَّق فنا، أو استشهد ببيت شعر، أو أشار إلى قول مأثور شعرا أو نثرا!!».

●●●

وربما كان أطرف ما سمعت فيما يمكن اعتباره «المأثورات» هو ما رواه لى «خالد عبدالناصر» بعد لقاء مع «مبارك» بعد عودة «خالد» من غيبة طويلة خارج مصر بسبب اتهامه فى قضية شباب مصر الأحرار، والتى قيل عنها إنها دبرت اعتداءات على رعايا إسرائيل عند مجيئهم إلى مصر بعد اتفاقية السلام.

وكان «مبارك» ــ للإنصاف أيضا ــ قد اتخذ فى هذه القضية موقفا كريما يُحسب له، وفى أثر ما شاع عن هذا الاتهام، فإنه ترك «خالد عبدالناصر» يسافر من مصر سنوات، وعندما عجز «خالد» عن تحمُّل الغيبة عاد ــ ورأى «مبارك» أن يلتقيه لقاء أب بابنه.

وكانت رواية «خالد عبدالناصر» عن نصيحة «مبارك» له ــ وقد رواها «خالد» عنه بجد، ولم أستطع أن آخذها كذلك.

كانت نصيحة «مبارك» قُرب نهاية اللقاء قوله:

ــ اسمع يا ابنى: تبسبس آه ــ تهلس آه ــ لكن تسيِّس لأ!!

وترجمة القول:

«تبسبس» (من بيزنس Business) ــ و«تهلس» (مفهومة دون ترجمة) ــ وتسيِّس (من السياسة)!!

وبالتالى فالحكمة المقصودة هى أن كل المجالات حلال، وأما مجال السياسة فهو الحرام شخصيا!!

56

خالد عبد الناصر

●●●

كانت الصفة الأخرى التى ركز عليها هؤلاء الذين يعرفون «مبارك» عن قُرب هو أنه لا يحب أن يسمع كلمة طيبة عن غيره هو، وقد لمحت هذه الخاصية من خلال موقف رواه لى رئيس الوزراء اللبنانى السابق «رفيق الحريرى»، فقد تصادف أن «رفيق الحريرى» فى أول زيارة رسمية له إلى مصر بعد توليه منصب رئيس الوزراء، نزل فى فندق «شيراتون» الجزيرة، وهو شبه ملاصق لمكتبى، واتصل بى «رفيق الحريرى» فى الساعة الثامنة صباحا يقول لى إنه استيقظ مبكرا ويسأل إذا كان يستطيع أن يجىء إلىَّ الآن، ورحبت، وجاء «رفيق الحريرى»، وأول ما بدأ به قوله أنه التقى «مبارك» بالأمس، وأن «الرئيس» وضعه فى موقف شديد الحرج، فقد حضر وزير الخارجية المصرى وقتها ــ السيد «عمرو موسى» ــ الدقائق الأخيرة من اللقاء، وبعد انتهائه مشى «مبارك» من حيث كان يجلس مع ضيفه إلى باب قاعة الاجتماع ووراءهما السيد «عمرو موسى».

وقال «رفيق الحريرى»: «إننى أوقعت «عمرو موسى»، وأوقعت نفسى فى حرج شديد»، وراح يحكى أنه أراد مجاملة الرئيس المصرى بمدح وزير خارجيته، فقال له: «سيادة الرئيس اسمح لى أن أهنئك على نشاط وزير خارجيتك».

وتوقَّف «مبارك» فى مكانه، وقد بدا عدم ارتياحه قائلا لرفيق الحريرى، و«عمرو موسى» يسمع: «إيه.. وزير الخارجية لا يرسم سياسة .. رئيس الدولة يرسمها»!!

ولم يكتف بذلك بل التفت إلى «عمرو موسى» قائلا له:

«عمرو.. اشرح للأخ «رفيق» أن وزراء الخارجية لا يرسمون السياسة، ولكن ينفذونها فقط!».

وكان تعليق «رفيق الحريرى» أنه كان فى «نص هدومه» من شدة ما أحس بالحرج لنفسه ولوزير الخارجية المصرى، وقد ظن أنه يمدحه!!

57

عمرو موسي

●●●

ثم أتيح لى أن أسمع قصة مشابهة إلى حد ما، وهى تتعلق بى مباشرة، فقد حدث أن الرئيس «مبارك» قام بزيارة رسمية لليابان، واحتفلت به أكبر دور النشر هناك وهى «يوميورى شيمبون»، فأقامت له حفل غداء، دعت إليه جمعا من الشخصيات، وجلس الضيف المصرى بجانب رئيس مجلس إدارة مؤسسة «يوميورى» وهى عملاق فى عالم النشر، وصحيفتها اليومية «يوميورى شيمبون» توزع فى اليوم 6 ملايين نسخة ــ وقال المضيف لضيفه وهو يظن أنه يجامله:

«أنت تعرف يا سيادة الرئيس أن أحد كتابكم يشارك ثلاثة غيره من «كبار الكُتَّاب» فى مقال شهرى يُنشر فى «يوميورى شيمبون»، وهم يتناوبون عليه كل شهر، كل واحد منهم يكتبه أسبوعا، لأننا نقصد أن نجعل القارئ اليابانى متصلا بالعالم الخارجى، (وتفضل الرجل فذكر أسماء الكُتَّاب الأربعة من العالم وبينهم اسمى)!!

ورد الرئيس «مبارك» قائلا:

ــ «ولكن (تفضَّل هو الآخر بذكر اسمى) ليس معنا ــ هو ممن يعارضوننى».

ودُهش رئيس مجلس إدارة «يوميورى شيمبون»، وأغلق باب المناقشة فى الموضوع على الطريقة اليابانية، قائلا مشيرا لضيفه ــ إلى آنية من البللور وسط المائدة: هل تعجبك زهور الكريزانتم يا سيدى الرئيس ــ هذا موسمها فى اليابان!!

●●●

وكانت علاقة الرئيس «حسنى مبارك» مع السيدة «چيهان السادات» ظاهرة تستحق الدراسة، ومع أن هذه السيدة الذكية شديدة الحرص فى حديثها عن تلك العلاقة، فقد كانت بعض العبارات والروايات تفلت منها أحيانا.

وعلى مائدة العشاء فى بيت قرينة الوزير السابق الراحل («أمين شاكر») كان مقعدى على المائدة بجوار السيدة «چيهان السادات» وأمامنا الدكتور «مصطفى خليل»، والحديث هامس، والسيدة «چيهان» تبدى ضيقها من بعض ما تتعرض له، قائلة:

«إنه («مبارك») لم يغفر لها ما بلغه من ملاحظاتها على أدائه أثناء عمله نائبا للرئيس». والتفتت إلىَّ السيدة «چيهان» قائلة: «أنت كنت أنتقد «أنور» وسياساته، وسوف تعرف أنها «نار «أنور السادات» ولا جنة «حسنى مبارك»!!، ثم يغلب الضيق عندها على الحذر، وتقول:

«لا أعرف لماذا تمسَّك به «أنور» إلى النهاية» ــ ثم تواصل كلامها بما مؤداه «أنها أثارت مع زوجها أكثر من مرة موضوع صلاحية «حسنى مبارك» لأن يكون نائبا للرئيس، ولكن أنور السادات» كان يقاطعها كل مرة قائلا لها على حد روايتها (چى.. (كذلك كان نداؤه عليها باسمها تدليلا) هل تريدين أن تكون علاقتك سيئة برئيس الدولة القادم؟!».

وتوقفت طويلا أمام هذه العبارة الأخيرة، لأن القطع فى الأمر بهذه الصيغة له ــ أغلب الظن ــ سبب!!

58

جيهان السادات

●●●

وكان الدكتور «مصطفى خليل» جالسا أمامنا يتابع، وقد التقط بدوره خيط الحديث من السيدة «چيهان» ــ وراح يحكى أنه لا يذكر اجتماعا حضره مع «حسنى مبارك» (عندما كان نائبا لرئيس الحزب الوطنى، وعضوا فى لجنته العُليا) ــ ثم جرى بحث أمر من الأمور على نحو جدى من البداية إلى النهاية، صحيح أنه فى كل مرة كان هناك جدول أعمال، لكن ما كان يحدث بالفعل هو أن الاجتماعات ما تلبث أن تزدحم بالحكايات والروايات، ثم ينتهى الاجتماع.

ويستطرد «مصطفى خليل»:

«وأفتح الجرائد صباح اليوم التالى، وأجد تصريحا «طويلا عريضا» لـ «صفوت الشريف»، يستفيض ويستطرد فى الكلام عن موضوعات يُفترض أننا بحثناها ودرسناها، وقررنا فى شأنها أثناء اجتماعنا، بينما نحن فى الحقيقة لم نتطرق لها على الإطلاق.

ويضيف «مصطفى خليل»: «أنه لم يقابل «مبارك» سواء بصفته نائب رئيس الحزب الوطنى، أو بوصفه مسئولا فى النظام، إلا وقد سبق اللقاء تحذير من الحاشية بأن «سيادة الرئيس لديه من المشاكل ما فيه الكفاية، فإذا كان لديك ما يمكن أن يضايقه فـ «حاسب على الراجل»، وإذا كان عندك ما يشرح صدره، فقل ما تشاء!!».

●●●

لكن ذلك كله لا يكفى لتفسير «مبارك»، ولا لتقييم شخصيته، فهذه الأوصاف بكل ما تقدمه من دلالات وإيماءات لا تكفى، فهذا رجل مشى فى عمله الوظيفى من أصغر رتبة إلى أعلى رتبة، ومشى على خط متواصل دون عقبات أو عثرات تعترض طريقه أو تعطِّله.

ــ ثم هو رجل تساقط خصومه ومنافسوه أمامه واحدا بعد الآخر، وبقى هو بعد الجميع، وتلك استمرارية تحتاج إلى تفسير أكثر اتساعا وعمقا من كل ما هو شائع وذائع من الحكايات والروايات.

ــ ثم إن هذا رجل تقدم من الصفوف فجأة إلى قمة السلطة، وقد يقبله الناس لظروف، لكن «الظروف» ــ فى العادة ــ لا تطول إلى ثلاثين سنة!!

ــ بقيت ظاهرة لا يمكن إغفالها، وهو أنه رغم خلعه عن السلطة ــ فإن «مبارك» لم يترك دائرة الضوء، بل ظل قضية مُثارة، جارية على الألسن فى كل حديث عام، واردة فى حساب التطورات المأساوية التى عاشتها وتعيشها مصر، ولو من باب مسئوليته عنها دون حساب حقيقى حتى الآن!!

وتلك كلها ليست أمورا سهلة، تؤخذ بظواهرها.

وإنما لابد أن يكون وراءها شىء لم تلمحه الأوصاف، ولم تحسبه التقديرات.

والمشكلة أن هذا «الشىء» ــ على فرض وجوده ــ لا تظهر له علامات ولا بشارات!!

هيكل: "العسكرى" مُحبَط.. ومصر مهددة من "الجن والإنس" و"الكل يرقص"

54

قال الكاتب الكبير، محمد حسنين هيكل، إن المجلس العسكرى محبط مما يجرى فى مصر الآن، وأن الجميع أخطأ فى فهم المرحلة الانتقالية، مشيرًا إلى أن الانتخابات البرلمانية، تمت دون أساس دستورى شرعى، رافضًا أن يكون ميدان التحرير مصدر الشرعية، فيما حذر من أن مصر مهددة من "الجن والإنس".
أضاف -فى الحلقة الثالثة والأخيرة من حواره مع الكاتب الصحفى ياسر رزق، وتنشره جريدة الأخبار فى عددها الصادر صباح اليوم الأربعاء- أننا فى بلد يعيش أزمة خطيرة، تهدد وجود الدولة فيه، وذلك تحدٍ لم يواجهه هذا البلد على طول ما واجه فى تاريخه الحديث من تجارب حيث "جرّب الحرب والثورة والغزو" لكنه لم يواجه فى ذلك التاريخ الحديث تجربة خطر تهديد الدولة.
أوضح أننا لم نفهم فكرة المرحلة الانتقالية، قصّرنا فهمنا لها على أنها انتقال من سلطة إلى سلطة، وليس من حال إلى حال، بمعنى أن معظم الأطراف الذين شاركوا فى فعل الثورة أخطأوا فى تقدير حسابات المرحلة الانتقالية.
وفسّر معانى هذه المرحلة بالنسبة للبعض بقوله: "لم نقدّر أن مرحلة الانتقال هى فى صميمها مرحلة تأسيس، ومحاولة اختيار أفق للمستقبل، لكن المرحلة الانتقالية ليس فى اختصاصها أن تقيم البناء، بل أن تضع الأساس، وليس من اختصاص هذه المرحلة أن تحقق غايات المستقبل، لكن مطلوب فيها رسم خريطة الطريق إليه، ثم تترك لقوافل السياسية مهمة الأسفار عليه إلى المقاصد.. والحقيقة أن المرحلة الانتقالية تصورها الجميع على أنها الانتقال من سلطة إلى سلطة، وليس من دولة إلى دولة، وترتبت على ذلك غلطة ثانية".
اعتبر هيكل أن المجلس العسكرى كان أول الأطراف الذين فاتهم فهم طبيعة وحقيقة مهام مرحلة الانتقال، وفاته أن ماجرى ثورة حقيقية، واقتصر الفهم على أن الثورة كان سببها رفض التوريث، وبما أن المجلس استجاب له، وحمى حق الجماهير والشباب فى منعه –أى التوريث- إذم فقد انحلت العقدة، وبما أن المجلس أصبح السلطة الجديدة بعد سقوط سلطة مبارك، وحلم توريث ابنه، فقد كان له أن يتصرف: يدير وربما يحكم.
وكشف الكاتب الكبير عن أن تصرف "العسكرى" جاء من داخل الصندوق، أى بمنطق سلطة جديدة تدخل إلى موقع سلطة سابقة، ثم حدث أن بقايا السلطة السابقة كانت هى بنفسها، بعينها، بفكرها، هى التى راحت تتولى إرشاد وتوجيه السلطة الجديدة فى عملية غعادة توزيع المهام والاختصاصات.
أضاف: "مسلسل الأخطار مستمر، ابتداءً من الاستفتاء على 6 مواد من الدستور القديم، ليحل محله إعلان دستورى مرتبك ومتناقض، ثم انتخابات بغير أن يسبقها دستور، والآن إلى رئيس بغير دستور، وإلى دستور يُكتب على عجل، وكأنه مقال فى جريدة، لأن الكل يحاول تفادى الاحتقان بالهرب إلى الأمام، وفى الحقيقة كل سيناريوهات الهرب كارثية، وباتت مصر تعيش لحظة استعصاء متوتر بين القوى.. فالمجلس العسكرى محبط لكنه يتصور، والشباب غاضب لكنه يتصور، والقوى السياسية وأولها الإخوان المسلمين حائرة، لكنها مع ذلك تتصور".
استكمل هيكل قائلا: "نحن وسط قفص حديدى نرقص فيه على البارود، وأقمنا حفلات زار، وفى هذه الحفلات وسط النار، فإن الكل يصرخ، ويدور فى مكانه، والجميع يدق على الدفوف، ويترنح.. لكن على البارود.. فأنا لا أعرف الكثير عن حفلات الزار، لكنى أظنهم فيها يستخرجون العفاريت لكى يصرفوها بعد ذلك، والعفاريت كثيرة فى ظروفنا، فهناك عفاريت أمريكية، وأخرى إسرائيلية، فليس من الطبيعى ولا من المعقول أن يحدث فى مصر ما يحدث الآن، ثم نتصور أن مصر محصّنة ضد الطامعين والمتربصين من الجن والإنس، مع ملاحظة أن العفاريت حاضرة بشدة فى الأساطير العربية.. ومن السهل أن تستخرج وتستحضر العفاريت.. ولكن كيف السبيل إلى صرفها؟.
أضاف فى رده على سؤال بشأن ما يصح فى هذه اللحظة: "المجلس العسكرى أضاع من أرصدته ما لم تكن هناك ضرورة لضياعه، ولكنها الطريقة التى أديرت بها المرحلة الانتقالية.. ولا يصح أن تحدثنى عن شرعية كاملة لمجلس الشعب الجديد، لسبب بسيط وهو أن انتخابات ذلك المجلس تمت دون أساس دستورى شرعى توافقت عليه قوى الأمة.. كما لا ينفع أن تحدثنى عن شرعية الميدان، لأن شرعيته تحتاج إلى فهم أعمق، فالميدان مكان، والمكان لا يكون مصدرًا للشرعية، لسبب أساسى، وهو أن الميدان حضور متغير بطبيعة المكان فى حد ذاتها".

هيكل :كيف نسلم السلطة

51

لاول مرة فى مصر هناك تهديد لفكرة الدولة
هيكل :كيف نسلم السلطة
لواخذنا بفكرة مجلس الرئاسة ..لكان على القمة رجال فى قيادة جامعة تستطيع اتمام الانتقال
ما يجرى فى مصر يبدو أحيانا حفلة زار فى حقل الغام
هذا هو الفارق بين الجيش والبوليس الجيش للدستور والبوليس للقانون
وصف الاستاذ محمد حسنين هيكل الاحداث الجارية فى مصر الان ب "حفلة زار داخل حقل ألغام"، واضاف فى الحلقة الثالثة والأخيرة من حواره لجريدة الأخبار حن أيضا هذه اللحظة وفي وسط قفص حديدي نرقص علي البارود، وربما لأننا لسنا خبراء في الرقص مثل الفرنسيين، فقد أقمنا "حفلات زار"، وفي هذه الحفلات وسط النار، فإن الكل يصرخ، والكل يدور في مكانه، والكل يدق علي الدفوف، والكل يترنح.. ولكن علي البارود
مجلس عسكري يرتجل - وأحزاب سياسية قديمة وجديدة تتصادم وتقع علي الأرض - وشباب غاضب لا يعرف أين يذهب، لكنه يصيح وينادي في البرية (كما يقولون) - وجماعات ساخطة لا تعرف ماذا تريد، وأبسط تعبير عن السخط قذف حجر، أو إشعال عود ثقاب، ثم تندلع النار في الميادين والشوارع، ويشتد لهيبها طول الليل علي شاشات الفضائيات وحتي الفجر!!
لا أعرف الكثير عن "حفلات الزار"، ولكني أظنهم فيها يستخرجون العفاريت لكي يصرفوها بعد ذلك، والعفاريت كثيرة في ظروفنا، فهناك عفاريت أمريكية، وعفاريت إسرائيلية، فليس من الطبيعي ولا من المعقول أن يحدث في مصر ما يحدث فيها الآن، ثم نتصور أن مصر مُحَصَّنة ضد الطامعين والمتربصين من الجن والإنس، مع ملاحظة أن العفاريت حاضرة بشدة في الأساطير العربية!!
ومن السهل أن تستخرج وتستحضر العفاريت، ولكن كيف السبيل إلي صرفها؟!!
كما قال الاستاذلاول مرة فى مصر هناك تهديد لفكرة الدولة نحن بلد في أزمة خطيرة تهدد وجود الدولة فيه، وذلك تحدٍ لم يواجهه هذا البلد علي طول ما واجه في تاريخه الحديث من تجارب... جرَّب الثورة... وجرَّب الحرب... وجرَّب الغزو، ولكنه لم يواجه في ذلك التاريخ الحديث تجربة خطر تهديد الدولة!!
أن الشعب المصري بحسه التاريخي ثار علي الأوضاع التي أوصلته إلي الأزمة، وكانت ثورته بطلائع شبابه وكتل جماهيره، وفي حماية جيشه، وتجلت إرادته في مطلبين: مواجهة التدهور في أحواله، والانتقال منها إلي أحوال مختلفة، يتوقف معها التدهور، وتنفتح أبواب الأمل.
وكانت هذه المهمة ثنائية صعبة تكاد تكون مستعصية، وكان الانتقال يحتاج إلي فترة.. إلي فترة انتقال تنزاح فيها أحوال قديمة رفضها الناس، وتهيئة الأسباب لأحوال جديدة يطلبونها، وهذه خطورة فترة الانتقال كما أسميناها، وكما أسماها مَنْ قبلنا كل شعب واجه أزمة بهذا الحجم، وتحرك فيها بالثورة، وأمسك بيده زمام مقاديره، وتحمَّل مسئولية مستقبله بشجاعة وتفاؤل، لكن الحقائق واجهته بما لم يتصوره!
كما اضاف الاستاذ تعليقا على المجلس العسكرى بأمانة فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة كان أول الأطراف الذين فاتهم فهم طبيعة وحقيقة مهام مرحلة الانتقال
فات المجلس أن ما جري ثورة حقيقية، تطلب تغييرا حقيقيا، أي تطلب عقدا اجتماعيا وسياسيا جديدا، أي دولة جديدة.
واقتصر الفهم علي أن الثورة كان سببها رفض التوريث، وبما أن المجلس استجاب له، وحمي حق الجماهير والشباب في منعه - إذن فقد انحلت العقدة، وبما أن المجلس أصبح السلطة الجديدة بعد سقوط سلطة "مبارك" وحلم توريث ابنه - فقد كان له أن يتصرف: يدير وربما يحكم!!
وبواقع الأمور فإن تصرف المجلس جاء من داخل الصندوق كما يقولون، أي بمنطق سلطة جديدة تدخل إلي موقع سلطة سابقة، ثم حدث أن بقايا السلطة السابقة كانت هي بنفسها، بعينها، بفكرها، هي التي راحت تتولي إرشاد وتوجيه السلطة الجديدة في عملية إعادة توزيع المهام والاختصاصات.

المشهد

مبارك وزمانه مـن المنصة إلى الميدان (الحلقة الرابعة عشرة) .ماذا نعرف عنه

1

محمد حسنين هيكل

كان تعبير الرجل الذى لا يعرفه هؤلاء الذين يظنون أنهم يعرفون عنه كل شىء ــ حاضرا معى أحد أيام نوفمبر سنة 1998، وكنت فيه على موعد فى مؤسسة «هاربر كولينز» على مدخل الطريق 4 الخارج من لندن، متجها إلى «وندسور» و«أوكسفورد». وكان موعدى هناك لاجتماع يبحث قائمة خاصة بالكتب التى تنشرها المؤسسة مع بداية الألفية، وهى قائمة أعدتها مجموعة عمل من مديرى النشر فى الأقسام المختلفة لـ«هاربر كولينز».

وعلى غير ترتيب مسبق جاءت ــ «چوانا» ــ سكرتيرة المدير العام للمؤسسة ورئيس مجلس إدارتها «إيدى بل»، تدعونى إلى لقائه، ومشيت معها نحو مكتبه، وهو قريب من قاعة الاجتماعات التى كنا فيها، وتطل مثلها على الشرفة الدائرية لصحن المبنى، المغطاة بالنباتات المتسلقة تكسو كل جدرانها من الدور السادس إلى الدور الأرضى.

●●●

وعندما دخلت مكتب «إيدى» كان أمامه ملف سميك مربوط بشريط محيط به يمسك أوراقه رزمة واحدة لا تنفرط.

وقال «إيدى بل» وهو يشير إلى الملف:

«لدينا مشكلة تصورنا أنك قد تستطيع مساعدتنا فى حلها، لأنها خاصة بالرئيس «مبارك»!».

وراح «إيدى» يشرح المشكلة.

«أحد الصحفيين الأمريكيين (ذكر اسمه)، عمل مراسلا لجريدته فى القاهرة عدة سنين، واقترح علينا أخيرا أن يكتب كتابا عن «مبارك»، وقبلنا اقتراحه، ووقعنا معه عقدا، ودفعنا له مقدم أتعاب، وعاد (المراسل) إلى القاهرة، فقضى ثمانية أشهر يجمع المعلومات، ويقابل المصادر، ويتقصى الروايات، ثم كتب نصا أوليا عرضه على هيئة التحرير، لكن الهيئة لم تر فى الكتاب مادة كافية تصلح للنشر عن شخصية مهمة فى العالم العربى، وبدا ما سمعته مما لا دخل لى به، لكن «إيدى بل» أضاف:

وفى هيئة التحرير طلبوا من (المراسل) أن يراجع ما كتب، وأن يُعيد كتابة نصه، (وقرروا أن يضيفوا إلى المبلغ الذى صُرف له) ليبحث أكثر ويتوسع بزيادة مواد تجعل الكتاب أكثر جاذبية لقارئ دولى (إنجليزى ــ أمريكى ــ بالدرجة الأولى)، وحاول (المراسل) وقدم نصا جديدا، ولكن ما فيه للمرة الثانية لم يزد كثيرا عما كتبه فى المرة الأولى، وكان فى مقدورنا صرف النظر عن الموضوع كله، ولكن المشكلة أننا استثمرنا أموالا فيه، ثم إننا سبق وكتبنا إلى السفارة المصرية هنا، وإلى السفارة البريطانية فى القاهرة نطلب منهما المساعدة على تسهيل مهمته، وبالفعل رتبوا له مقابلة «مبارك» وأفرادا من أسرته، وآخرين من حاشيته، وعدد من الذين عرفوه، وتعاملوا معه فى مراحل حياته المختلفة، ومعظم ذلك مسجل على أشرطة، كما أن هناك ــ إلى جانب النص المكتوب ــ مئات الصفحات من المذكرات والوثائق التى اعتمد عليها، لكن ذلك كله لم يساعد على مخطوطة كافية لكتاب مقروء (Readable)».

أضاف «إيدى بل»: «أنه حاول الاطلاع على المكتوب بنفسه، ولم يستطع أن يواصل القراءة فيه بعيدا».

أضاف: «وقد توصلنا إلى اقتراح نريد طرحه عليك، وهو أن نضع تحت تصرفك هذا النص، وكذلك تسجيلات مقابلات صاحبها ومذكراته، ثم تقوم أنت بأى جهد تراه لتجديد الكتاب، وفى هذه الحالة سوف نطلب منك إشارة رقيقة فى المقدمة إلى مَنْ قام بالعمل التحضيرى لمشروع الكتاب، وأظن أنك تقبل ذلك!».

ولم أكن فى حاجة إلى إطالة التفكير، وإنما قلت صراحة لـ«إيدى بل»: «إن لدى على الفور أسبابا كثيرة للاعتذار!!».

● أولها: أننى لم أكتب من قبل «قصة حياة» لأحد، ولم أفعل ذلك حتى مع «عبدالناصر»، وإنما كان كتابى عنه The Cairo Documents مركزا على صداقاته الدولية، وعلى عصر العمالقة الذى عاش فيه، ثم إننى لم أفعل ذلك مع «السادات»، وإنما كان كتابى عنه مركزا على خريف سنة 1981 ــ «خريف الغضب» Autumn of Fury، وتحديدا مشهد مأساة اغتياله.

أى أن كل كتبى باللغة العربية أو الإنجليزية كانت عن مراحل أو وقائع، وليست عن أشخاص.

● والسبب الثانى أن السير الشخصية (Biography) تحتاج إلى تجرد وحياد، وذلك قد يتوافر لمؤرخ، لكنه يصعب إنسانيا أن يتوافر لصحفى، وصحفى له موقف، وهذا ثانى أسبابى للاعتذار.

● هناك سبب ثالث نفسى أكثر منه عملى، وهو أن القبول بمثل هذه المهمة قد يقتضى منى طلب مقابلة «مبارك»، أو بعض المحيطين به، وهو ما لا أريده لأسباب تخصنى، بينها حرصى على الاحتفاظ بمسافة من السياسة المصرية الجارية!!

●●●

وللحق فإن «إيدى بل» لم يواصل إلحاحه وإنما أبدى تفهما، لكنه لم يستطع صرف النظر عن مشروع الكتاب بأسره، وقد سألنى فى محاولة أخيرة «إذا كان لدىَّ مانع من قراءة المواد الجاهزة، وإبداء رأى فى إمكانية استكمالها، إذا وجدت بعد قراءة النص أن لدىَّ ما أقترحه!!».

ولم أستشعر لدىَّ «مقاومة» لهذا الاقتراح، بل لعلى ببعض «خصائص» المهنة كنت مهيأ له، وطلب «إيدى» من سكرتيرته أن توضع قاعة الاجتماعات الملاصقة لمكتبه تحت تصرفى اليوم وغدا، بما يوفر لى فرصة القراءة الهادئة، وأن تجىء إلىَّ بالنص المكتوب، والصندوق الذى يحوى ما يتصل بها من الأوراق مثل محاضر وشرائط ومذكرات جمعها (المراسل) الذى كتب كتابه مرتين!!

وما بين الحادية عشرة صباحا إلى الرابعة بعد الظهر جلست فى قاعة الاجتماعات، منكبا على القراءة، وعلى الاستماع إلى مقاطع من التسجيلات.

وخرجت إلى مكتب «چوانا» أعيد إليها ما عندى، ولكنها قالت «إن رئيسها لايزال فى مكتبه، وقد يهمه أن يرانى ليسمع منى، ودخلت إليه، ولم يترك «إيدى» لى فرصة، بل سألنى إذا كنت وجدت حلا، وهززت رأسى نفيا، وقلت: «إن الرجل (أقصد المراسل) بذل جهدا خارقا، لكنه أعطى نفسه مهمة مستحيلة!!».

وسألنى «إيدى» عما أعنيه، وقلت: «إن الصورة هنا على الورق مماثلة تماما للصورة كما تظهر هناك على الأرض، وليس فى مقدور الرجل ــ إنصافا له ــ غير أن يعرض ما رأى، إلا إذا طلبت منه ما هو خارج طاقته!!

وسألنى «إيدى بل»: «هل يمكن أن يكون ما هو مكتوب هو كل ما هناك «على الأرض»؟!» ــ وقلت تأكيدا وإنصافا للرجل: «على الأرض ــ هو كل ما هناك!!».

●●●

وفيما بعد فكرت طويلا فى المسألة، وكان مؤدى ما توصلت إليه أن النص الذى قرأته ليس كل القصة، ولكنه ما يبدو للرائين منها، لأن بطل القصة (أى «مبارك») سواء ــ للأحسن أو للأسوأ ــ لم ينس أثرا حيث ذهب، ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يُعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل أجراها جميعا على انفراد، وفى الغالب الأعم فإن تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها، وتجميعها، ومضاهاتها، ودراستها!!

وهنا يصدق التعبير بأن من يتصورون أنهم يعرفون كل شىء عنه ــ بظاهر ما رأوا كله ــ هم فى الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!

●●●

● وخلال سنوات طويلة سمعت ــ دون قصد ــ آراء كثيرين ممن عرفوه.

ــ بعض من عرفوا أسرته فى «كفر المصيلحة»، وليس فيهم من يعرف عنه شخصيا شيئا محددا، وقد سمعت كثيرا عنه (كما أسلفت) من شقيقه «سامى مبارك»، لكنه كله مما أرد نفسى عن استعمال شئ منه، فهو خصوصية أسرة، ثم إنه يحوى بعضا من عقدة قتل الأخ Fratricide وهو ما لا شأن لى فيه!!

ــ وبعض زملائه فى الكلية الحربية، وفى كلية الطيران، يجيبون إذا سُئلوا بأنه «لم يعط سره لأحد « على حد تعبير أحدهم، وهم يعرفون أنه يحب سماع الحكايات وروايتها، ويحب إطلاق النكات وتكرارها، لكنه وراء ذلك كتوم!!

ــ بعض هؤلاء أضافوا أنه رجل يثابر أكثر منه رجل يفكر، وهو مستعد بالنشاط العضلى يعوض ما يفوت عليه بالنشاط العقلى، وهو جاهز لذلك طول الوقت.

ــ وبعض هؤلاء يقولون إنه شديد الطاعة لرؤسائه، يكرس جهده دائما لإرضائهم مهما كانت المهام التى يطلبونها منه، وأثناء الدراسة فى كلية الطيران لم يخرج فى الإجازات، وإنما كان على استعداد باستمرار للبقاء فى الكلية نوبتجيا، بينما غيره ينتظر الإجازات ويتشوق لها.

ــ وبعض زملائه يروى أنه عندما تخرَّج والتحق بأحد المطارات كان يحاول التأثير بأن يلحق طابور الصباح كل يوم قفزا من النافذة إلى ساحة التدريب أمام الناس، ليُظهر سرعة حركته.

ــ وبعض زملائه يقول إنه نال الحظوة لدى من عمل معهم من قادة الطيران، ثم دار من حولهم عندما وجد منفذا إلى وزراء الدفاع، خصوصا الفريق «محمد فوزى»، والفريق «محمد أحمد صادق»، وهو يحقق نفاذه إذا اطمأن إلى أن قادته المُباشرين لا يعلمون، أو يعلمون ولا يقولون شيئا، لأن مرؤوسهم وطَّد صلته بالمستويات الأعلى!!

ــ وبعض زملائه فى قاعدة «بلبيس» يحكون كثيرا عن أنه كان معهم وهم يشترون اللحم من سوق «بلبيس» لبيته ولأسرة قرينته، لأن أسعارها أوفر، مع حرصه على أن يأخذ ورقة بالسعر ليستوفى حقه «بلطافة» (على حد تعبير القائل) دون أن يطلب بنفسه (وذلك لا عيب فيه).

ــ وزميل آخر يحكى كيف كان غرامه شديدا بالأرغفة الصغيرة المحشوة بـ«الفول المدمس» أو بـ«الطعمية»، وهو فى السيارة من القاعدة إلى البيت أيام الإجازات يأكل معظمها.

ــ وبعيدا عن زملائه القُدامى كلهم أو بعضهم، فإن من جاءوا فى حياة «مبارك» بعدهم لا يعرفون ما هو أكثر، ففى ذكريات أحد معاونيه الذين خالطوه عن قُرب فى بعض مراحل عمره «أن انبهاره الأكبر كان بالغِنى وبالأغنياء، والثروة والأثرياء، وعندما يعرف أن أحد زملائه ينتمى إلى أسرة غنية، فإن سؤاله باستمرار كان طلب ترجمة الأوصاف إلى أرقام بسؤال «يعنى يطلع عنده كام؟!».

ــ وهو شغوف بكل ما يستطيع أن يسمع من تفاصيل عن حياة الآخرين، وتلك من خَصاله، منذ كان ضابطا صغيرا حتى أصبح رئيسا.

ثم يضيف هذا المتحدث صيغة للتعامل مع «مبارك»: «يا هنا» ذلك الذى يحتاج «مبارك» إليه، و«يا ويل» من يحتاج هو إلى «مبارك»!!

ــ وهو رجل لا ينسى مهما طال الزمن إساءة ــ أو ما يعتبره إساءة من أحد، ولا يذكر مهما قصر الزمن فضلا ــ أو ما يعتبره فضلا من أحد!!

ــ وأخيرا هناك أحد الأدباء البارزين الذين اهتموا بحضور مؤتمراته وواظبوا عليها، وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثقافية: «أنه ــ ذلك الأديب ــ حضر عشرات المؤتمرات لـ«مبارك»، ولم يشعر على طول ما سمع أن «مبارك» قرأ كتابا، أو تذوَّق فنا، أو استشهد ببيت شعر، أو أشار إلى قول مأثور شعرا أو نثرا!!».

●●●

وربما كان أطرف ما سمعت فيما يمكن اعتباره «المأثورات» هو ما رواه لى «خالد عبدالناصر» بعد لقاء مع «مبارك» بعد عودة «خالد» من غيبة طويلة خارج مصر بسبب اتهامه فى قضية شباب مصر الأحرار، والتى قيل عنها إنها دبرت اعتداءات على رعايا إسرائيل عند مجيئهم إلى مصر بعد اتفاقية السلام.

وكان «مبارك» ــ للإنصاف أيضا ــ قد اتخذ فى هذه القضية موقفا كريما يُحسب له، وفى أثر ما شاع عن هذا الاتهام، فإنه ترك «خالد عبدالناصر» يسافر من مصر سنوات، وعندما عجز «خالد» عن تحمُّل الغيبة عاد ــ ورأى «مبارك» أن يلتقيه لقاء أب بابنه.

وكانت رواية «خالد عبدالناصر» عن نصيحة «مبارك» له ــ وقد رواها «خالد» عنه بجد، ولم أستطع أن آخذها كذلك.

كانت نصيحة «مبارك» قُرب نهاية اللقاء قوله:

ــ اسمع يا ابنى: تبسبس آه ــ تهلس آه ــ لكن تسيِّس لأ!!

وترجمة القول:

«تبسبس» (من بيزنس Business) ــ و«تهلس» (مفهومة دون ترجمة) ــ وتسيِّس (من السياسة)!!

وبالتالى فالحكمة المقصودة هى أن كل المجالات حلال، وأما مجال السياسة فهو الحرام شخصيا!!

●●●

كانت الصفة الأخرى التى ركز عليها هؤلاء الذين يعرفون «مبارك» عن قُرب هو أنه لا يحب أن يسمع كلمة طيبة عن غيره هو، وقد لمحت هذه الخاصية من خلال موقف رواه لى رئيس الوزراء اللبنانى السابق «رفيق الحريرى»، فقد تصادف أن «رفيق الحريرى» فى أول زيارة رسمية له إلى مصر بعد توليه منصب رئيس الوزراء، نزل فى فندق «شيراتون» الجزيرة، وهو شبه ملاصق لمكتبى، واتصل بى «رفيق الحريرى» فى الساعة الثامنة صباحا يقول لى إنه استيقظ مبكرا ويسأل إذا كان يستطيع أن يجىء إلىَّ الآن، ورحبت، وجاء «رفيق الحريرى»، وأول ما بدأ به قوله أنه التقى «مبارك» بالأمس، وأن «الرئيس» وضعه فى موقف شديد الحرج، فقد حضر وزير الخارجية المصرى وقتها ــ السيد «عمرو موسى» ــ الدقائق الأخيرة من اللقاء، وبعد انتهائه مشى «مبارك» من حيث كان يجلس مع ضيفه إلى باب قاعة الاجتماع ووراءهما السيد «عمرو موسى».

وقال «رفيق الحريرى»: «إننى أوقعت «عمرو موسى»، وأوقعت نفسى فى حرج شديد»، وراح يحكى أنه أراد مجاملة الرئيس المصرى بمدح وزير خارجيته، فقال له: «سيادة الرئيس اسمح لى أن أهنئك على نشاط وزير خارجيتك».

وتوقَّف «مبارك» فى مكانه، وقد بدا عدم ارتياحه قائلا لرفيق الحريرى، و«عمرو موسى» يسمع: «إيه.. وزير الخارجية لا يرسم سياسة .. رئيس الدولة يرسمها»!!

ولم يكتف بذلك بل التفت إلى «عمرو موسى» قائلا له:

«عمرو.. اشرح للأخ «رفيق» أن وزراء الخارجية لا يرسمون السياسة، ولكن ينفذونها فقط!».

وكان تعليق «رفيق الحريرى» أنه كان فى «نص هدومه» من شدة ما أحس بالحرج لنفسه ولوزير الخارجية المصرى، وقد ظن أنه يمدحه!!

●●●

ثم أتيح لى أن أسمع قصة مشابهة إلى حد ما، وهى تتعلق بى مباشرة، فقد حدث أن الرئيس «مبارك» قام بزيارة رسمية لليابان، واحتفلت به أكبر دور النشر هناك وهى «يوميورى شيمبون»، فأقامت له حفل غداء، دعت إليه جمعا من الشخصيات، وجلس الضيف المصرى بجانب رئيس مجلس إدارة مؤسسة «يوميورى» وهى عملاق فى عالم النشر، وصحيفتها اليومية «يوميورى شيمبون» توزع فى اليوم 6 ملايين نسخة ــ وقال المضيف لضيفه وهو يظن أنه يجامله:

«أنت تعرف يا سيادة الرئيس أن أحد كتابكم يشارك ثلاثة غيره من «كبار الكُتَّاب» فى مقال شهرى يُنشر فى «يوميورى شيمبون»، وهم يتناوبون عليه كل شهر، كل واحد منهم يكتبه أسبوعا، لأننا نقصد أن نجعل القارئ اليابانى متصلا بالعالم الخارجى، (وتفضل الرجل فذكر أسماء الكُتَّاب الأربعة من العالم وبينهم اسمى)!!

ورد الرئيس «مبارك» قائلا:

ــ «ولكن (تفضَّل هو الآخر بذكر اسمى) ليس معنا ــ هو ممن يعارضوننى».

ودُهش رئيس مجلس إدارة «يوميورى شيمبون»، وأغلق باب المناقشة فى الموضوع على الطريقة اليابانية، قائلا مشيرا لضيفه ــ إلى آنية من البللور وسط المائدة: هل تعجبك زهور الكريزانتم يا سيدى الرئيس ــ هذا موسمها فى اليابان!!

●●●

وكانت علاقة الرئيس «حسنى مبارك» مع السيدة «چيهان السادات» ظاهرة تستحق الدراسة، ومع أن هذه السيدة الذكية شديدة الحرص فى حديثها عن تلك العلاقة، فقد كانت بعض العبارات والروايات تفلت منها أحيانا.

وعلى مائدة العشاء فى بيت قرينة الوزير السابق الراحل («أمين شاكر») كان مقعدى على المائدة بجوار السيدة «چيهان السادات» وأمامنا الدكتور «مصطفى خليل»، والحديث هامس، والسيدة «چيهان» تبدى ضيقها من بعض ما تتعرض له، قائلة:

«إنه («مبارك») لم يغفر لها ما بلغه من ملاحظاتها على أدائه أثناء عمله نائبا للرئيس». والتفتت إلىَّ السيدة «چيهان» قائلة: «أنت كنت أنتقد «أنور» وسياساته، وسوف تعرف أنها «نار «أنور السادات» ولا جنة «حسنى مبارك»!!، ثم يغلب الضيق عندها على الحذر، وتقول:

«لا أعرف لماذا تمسَّك به «أنور» إلى النهاية» ــ ثم تواصل كلامها بما مؤداه «أنها أثارت مع زوجها أكثر من مرة موضوع صلاحية «حسنى مبارك» لأن يكون نائبا للرئيس، ولكن أنور السادات» كان يقاطعها كل مرة قائلا لها على حد روايتها (چى.. (كذلك كان نداؤه عليها باسمها تدليلا) هل تريدين أن تكون علاقتك سيئة برئيس الدولة القادم؟!».

وتوقفت طويلا أمام هذه العبارة الأخيرة، لأن القطع فى الأمر بهذه الصيغة له ــ أغلب الظن ــ سبب!!

●●●

وكان الدكتور «مصطفى خليل» جالسا أمامنا يتابع، وقد التقط بدوره خيط الحديث من السيدة «چيهان» ــ وراح يحكى أنه لا يذكر اجتماعا حضره مع «حسنى مبارك» (عندما كان نائبا لرئيس الحزب الوطنى، وعضوا فى لجنته العُليا) ــ ثم جرى بحث أمر من الأمور على نحو جدى من البداية إلى النهاية، صحيح أنه فى كل مرة كان هناك جدول أعمال، لكن ما كان يحدث بالفعل هو أن الاجتماعات ما تلبث أن تزدحم بالحكايات والروايات، ثم ينتهى الاجتماع.

ويستطرد «مصطفى خليل»:

«وأفتح الجرائد صباح اليوم التالى، وأجد تصريحا «طويلا عريضا» لـ «صفوت الشريف»، يستفيض ويستطرد فى الكلام عن موضوعات يُفترض أننا بحثناها ودرسناها، وقررنا فى شأنها أثناء اجتماعنا، بينما نحن فى الحقيقة لم نتطرق لها على الإطلاق.

ويضيف «مصطفى خليل»: «أنه لم يقابل «مبارك» سواء بصفته نائب رئيس الحزب الوطنى، أو بوصفه مسئولا فى النظام، إلا وقد سبق اللقاء تحذير من الحاشية بأن «سيادة الرئيس لديه من المشاكل ما فيه الكفاية، فإذا كان لديك ما يمكن أن يضايقه فـ «حاسب على الراجل»، وإذا كان عندك ما يشرح صدره، فقل ما تشاء!!».

●●●

لكن ذلك كله لا يكفى لتفسير «مبارك»، ولا لتقييم شخصيته، فهذه الأوصاف بكل ما تقدمه من دلالات وإيماءات لا تكفى، فهذا رجل مشى فى عمله الوظيفى من أصغر رتبة إلى أعلى رتبة، ومشى على خط متواصل دون عقبات أو عثرات تعترض طريقه أو تعطِّله.

ــ ثم هو رجل تساقط خصومه ومنافسوه أمامه واحدا بعد الآخر، وبقى هو بعد الجميع، وتلك استمرارية تحتاج إلى تفسير أكثر اتساعا وعمقا من كل ما هو شائع وذائع من الحكايات والروايات.

ــ ثم إن هذا رجل تقدم من الصفوف فجأة إلى قمة السلطة، وقد يقبله الناس لظروف، لكن «الظروف» ــ فى العادة ــ لا تطول إلى ثلاثين سنة!!

ــ بقيت ظاهرة لا يمكن إغفالها، وهو أنه رغم خلعه عن السلطة ــ فإن «مبارك» لم يترك دائرة الضوء، بل ظل قضية مُثارة، جارية على الألسن فى كل حديث عام، واردة فى حساب التطورات المأساوية التى عاشتها وتعيشها مصر، ولو من باب مسئوليته عنها دون حساب حقيقى حتى الآن!!

وتلك كلها ليست أمورا سهلة، تؤخذ بظواهرها.

وإنما لابد أن يكون وراءها شىء لم تلمحه الأوصاف، ولم تحسبه التقديرات.

والمشكلة أن هذا «الشىء» ــ على فرض وجوده ــ لا تظهر له علامات ولا بشارات!!

lundi 13 février 2012

هيكل يكشف أسرار الصدام بين العسكرى والشباب.. وعدم مساعدة العرب لمصر.. وكوارث الاقتصاد

56

قال الكاتب الكبير، محمد حسنين هيكل، إن نظام الرئيس السابق حسنى مبارك، حاول استعمال التيار الإسلامى (الإخوان) شبحًا يهدد به معارضوه، إما أن يقبلوه بحكمه وبتوريث ابنه، وإما فإن عليهم أن يستعدوا للتيار الإسلامى، وأن مبارك حين روّج للتيار الإسلامى كنقيض، فإنه رجّحه كبديل، مضيفًا: "لست أحد المتحمسين لزحف التيار الإسلامى على السلطة وسيطرته عليها".
أفاد هيكل بأن المجلس العسكرى خلط بين رؤيته ورؤية الثورة، فهو لم يكن يريد التوريث، لكنه لم يستطع أن يتصور أكثر من ذلك، فى حين أن الشباب والشعب كله كانوا فى حالة ثورة، حتى وإن كانوا لم يحددوا مطالبها بدقة، فقد كانوا فى حاجة إلى وقت، والنتيجة أن المجلس العسكرى ركز على تعديلات دستورية جرى تصنيعها لصالح الوريث، ورسم للمستقبل مسارًا فى هذا النفق الضيق.
أضاف -فى الجزء الثانى من حواره مع الكاتب الصحفى ياسر رزق، وتنشره جريدة الأخبار فى عددها الصادر صباح اليوم الثلاثاء- "ساد الارتباك مرحلة التفكير والتخطيط والعمل للمرحلة الانتقالية، التي بدأت بالانتخابات، وأظن أنه كان علينا البدء بالدستور.. لكن لأن وضع الدستور كان يستغرق وقتا، حيث إن الدساتير ليست كتابة نصوص أو نقل مواد بأكملها من دساتير سبقت، وخوفا من أن تطول المرحلة الانتقالية، مع انفراد المجلس العسكرى بالسلطة العليا فيها، فإن الخطى بدت متسرعة ومتعثرة فى نفس الوقت".
وقال: "كنت أتمنى أن أضيف تصورًا عن دور السلفيين وأحزابهم فى البرلمان الجديد، لكننى أرد نفسى لأنى لا أعرف مايكفينى للحديث عنهم، أعرف شيئا عن السلفية، وأعرف شيئا عن السلفيين، لكن حجم نجاحهم جاء مفاجئًا لى، ولست من أنصار التسرع برأى فى شأنهم، فقد سمعنا بعض التصريحات، ورأينا بعض الصور، لكن الحركات السياسية لا تُقاس بفرقعات فردية".
اعتبر هيكل أن سوء الفهم بين المجلس العسكرى وشباب الثورة، تسبب فى صدام بين الطرفين، مؤكدًا أن هذا السوء فى الفهم بين الطرفين ترك جراحًا لابد من علاجها، وقال: "جرى توسيع الجراح بتوزيع اتهامات بغير سند، وجاء لى جماعات من الشباب إلى مكتبى وحكوا لى عن أسباب ضيقهم إلى حد المرارة مما واجهوا، لكنهم برغم ذلك كانوا على استعداد للفهم، فمثلا جماعة 6 أبريل قالوا لى إنهم لايتصورون نسيان حق الشهداء، فقلت لهم إن هذا مشروع وواجب وحق مقدس، لكن مع الحذر من أن يتحول الحق المقدس إلى ثارات قبائل عقيمة تطلب الثأر وتقتص للدم بالدم".
وقال: "من المفارقات أن المجلس العسكرى كان نظريًا واعيًا لخطر الصدام، وقد سمعت ممن أتيح لى أن ألقاهم بنفسى –عدد محدود من أعضائه- أنهم يتحاشون بكل وسيلة حدوث صدام، وقولهم إن سلاح الجيش ليس سلاما أمنا، لكنه سلاح قتال، وإذا جرى استعماله فهى الكارثة بعينها، والمحظور الذى يجب توقيه، لكن المشاكل فى ظروف الثورة تنشأمن سوء الفهم، وغياب الحوار الحقيقى، وليس الحوار الأبوى أو السلطوى بين الأطراف، وكذلك وقع بعض ما كان يجب أن لايقع بين المجلس العسكرى والشباب، وهذا مأزق لابد من معالجة آثاره، بصرف النظر عما انتهت إليه نتائج الانتخابات النيابية".
وأضاف هيكل فى سياق كلامه عن قضية الوحدة الوطنية والمواطنة: "المشكلة الطائفية واضحة، لا تحتاج إلى شرح أو تفصيل، وليس طبيعيًا فى ظل دولة المواطنة أن لا يكون هناك محافظ مسيحى إلا على سبيل الاستثناء، لكن، أليس لافتًا أن المجلس العسكرى ليس فيه –كما يبدو لى وأرجو أن يصححنى أحد إذا كان هناك من لا أعرفه- مواطن قبطى واحد من بين أكثر من 20 قائدًا؟".
وقال: "لم أذهب إلى ميدان التحرير ولا مرة، فقد كان إحساسى من أول لحظة أنها ثورة جيل آخر، ولابد أن يأخذ حقه كاملا فى تصرفه دون مؤثرات، ومع أننى دُعيت مرات عديدة من بعض جماعات الميدان إلى زيارته، فقد اعتذرت، ملتزمًا بحدود وجدتها لائقة، بل أكثر من ذلك، فقد نصحت كثيرين من جيلى والأجيال القريبة منه، بأن يتركوا الميدان لأصحابه، حتى لايشوش عليهم أحد".
وكشف هيكل عن أنه اقترح على المسئولين فى الدولة بعد سقوط نظام مبارك، أن يقدموا تقريرًا إلى الأمن عن حالتها كما تركها العهد السابق، لأن السكوت عن أحوال معينة سوف يجعل السلطة الجديدة جزءًا من الأزمة وليست جزءًا من الحل، وهنا قال: "من سوء الحظ أن أحدًا لم سمع، بل ولم يناقش، ووقع المحظور".
وذكر هيكل –وعلى مسئوليته الشخصية- أن صورة الوضع الاقتصادى بالأرقام مثيرة للانزعاج، قائلا: "حجم الأموال التى خرجت من مصر لدواعٍ غير مشروعة، قانونية فى الإجراءات فقط، وإن لم تكن غير شرعية فى الجوهر، وفى عهد تحول إلى فساد، وليس فقط فساد دولة، وأن حجم الأموال التى خرجت من مصر فى تلك الظروف وصل إلى ما بين 250 إلى 300 مليار دولار، وأن حجم الدين الداخلى وصل إلى 200 مليار دولار، أى ما يزيد على تريليون جنيه مصر".
وأضاف: "حجم الدين الخارجى فى حدود 36 مليار دولار، أى 300 مليار جنيه، وحجم العجز فى الموازنة هذه السنة المالية 2011 – 2012 يتراوح ما بين 30 إلى 35 مليار دولار، أى ما بين 160 إلى 170 مليار دولار، أى أن العجز يصل إلى أكثر من 10% من الدخل القومى، ومعنى ذلك أن حجم العجز اليومى 500 مليون جنيه.. وحجم الاحتياطى لدى البنك المركزى كان 36 مليار دولار، فى بداية عام 2011، ونزل إلى 18 مليارًا، مع العلم أن ثلاثة مليارات منه سبائك ذهب لايمكن التصرف فيه".
وحول ذلك قال: "الأزمة طاحنة، والجاهزون للمساعدةكثيرون حتى هذه اللحظة فى حالة غياب، كل منهم لأسبابه: فالولايات المتحدة الأمريكية لا تساعد لأنها فى صدد أن تضغط لمزيد من التطويع، والقادرون على المساعدة فى العالم العربى مترددون، ولكل منهم أسبابه، لكن أخلصهم نية يقول وقد سمعتها بنفسى: "نحن نريد أن نساعد الشعب المصرى، ولكن لا نريد أن نسد العجز فى ميزانية جارية، وإنما نريد أن نساعد أوضاعا دائمة، ولا نساعد أوضاعا مؤقتة، وإلا فمعنى ذلك أننا سوف نطالب بالمساعدة مرتين، مرة لوضع مؤقت، ومرة ثانية لوضع دائم يجئ ويطالب من جديد".

حسنين هيكل : مبارك وزمانه .. من المنصة إلى الميدان (الحلقة الأولي)

 17

محمد حسنين هيكل

ملاحظة:

لم ألزم نفسى طوال هذه الصفحات بأوصاف للرئيس «حسنى مبارك» من نوع ما يرد على الألسنة والأقلام منذ أزيح عن قمة السلطة، وإنما استعملت الإشارات العادية طالما أن الرجل لم يُحاكَم، ولم يُحْكَم عليه.

ومع أن «مبارك» وصل إلى قاعة محكمة ــ ممددا على سرير طبى دخل به إلى زنزانة حديدية ــ فإن التهم التى وُجهَت إليه لم تكن هى التهم التى يلزم توجيهها، بل لعلها الأخيرة فيما يمكن أن يوجَّه إلى رئيس دولة ثار شعبه عليه، وأسقط حكمه وأزاحه.

والمنطق فى محاكمة أى رئيس دولة أن تكون محاكمته على التصرفات التى أخل فيها بالتزامه الوطنى والسياسى والأخلاقى، وأساء بها إلى شعبه، فتلك هى التهم التى أدت للثورة عليه.

●●●

أى أن محاكمة رئيس الدولة ــ أى رئيس وأى دولة ــ يجب أن تكون سياسية تثبت عليه ــ أو تنفى عنه ــ مسئولية الإخلال بعهده ووعده وشرعيته، مما استوجب الثورة عليه، أما بدون ذلك فإن اختصار التهم فى التصدى للمظاهرات ــ قلب للأوضاع يستعجل الخاتمة قبل المقدمة، والنتائج قبل الأسباب، ذلك أنه إذا لم يظهر خروج «مبارك» على العهد والوعد والشرعية، إذن فقد كان تصديه للمظاهرات ممارسة لسلطته فى استعمال الوسائل الكفيلة بحفظ الأمن العام للناس، والمحافظة على النظام العام للدولة، وعليه يصبح التجاوز فى إصدار الأوامر أو تنفيذها ــ رغبة فى حسم سريع، ربما تغفره ضرورات أكبر منه، أو فى أسوأ الأحوال تزيدا فى استعمال السلطة قد تتشفع له مشروعية مقاصده!!

وكذلك فإنه بعد المحاكمة السياسية ــ وليس قبلها ــ يتسع المجال للمحاكمة الجنائية، ومعها القيد والقفص!!

●●●

بمعنى أن المحاكمة السياسية هى الأساس الضرورى للمحاكمة الجنائية لرئيس الدولة، لأنها التصديق القانونى على موجبات الثورة ضده، وحينئذ يصبح أمره بإطلاق النار على المتظاهرين جريمة يكون تكييفها القانونى إصراره على استمرار عدوانه على الحق العام، وإصراره على استمرار خرقه المستبد لعهده الدستورى مع الأمة!!

ومن هذا المنطق فإننى لم أستعمل فى الإشارة إلى «مبارك» أوصافا مثل «المخلوع»، أو «المطرود»، أو حتى «السابق»، وإنما استعملت على طول سياق هذه الصفحات ما هو عادى من الإشارات.

وعلى أى حال فإنه من حق من يشاء ــ إذا شاء ــ أن ينزع إشارات استعملتها بمنطق ما قدمت، وأن يضع بدلها «المخلوع» و«المطرود» أو«السابق»!!

أردت بهذه الملاحظة أن أطرح مبكرا «وجهة نظر» ولا أكثر، وحتى لا يأخذ علىَّ أحد «تهمة أدب يتزيد»، أو «تمسك بأصول» أسقطتها الدواعى!!

●●●

18

مقدمة :

بدأت التفكير فى هذه الصفحات باعتبارها مقدمة لكتاب تصورت أن أجمع داخل غلافه مجمل علاقتى بالرئيس «حسنى مبارك»، وقد كانت علاقة محدودة وفاترة، وفى كثير من الأحيان مشدودة ومتوترة، وربما كان أكثر ما فيها ــ طولا وعرضا ــ لقاء واحد تواصل لست ساعات كاملة، ما بين الثامنة صباحا إلى الثانية بعد الظهر يوم السبت 5 ديسمبر 1981 ــ أى بعد شهرين من بداية رئاسته ــ وأما الباقى فكان لقاءات عابرة، وأحاديث معظمها على التليفون، وكلها دون استثناء بمبادرة طيبة منه. لكن الواقع أن الحوار بيننا لم ينقطع، وكان صعبا أن ينقطع بطبائع الأمور طالما ظل الرجل مسيطرا على مصر، وظللت من جانبى مهتما بالشأن الجارى فيها، وعليه فقد كتبت وتحدثت عن سياساته وتصرفاته، كما أنه من جانبه رد بالتصريح أو بالتلميح، وبلسانه أو بلسان من اختار للتعبير عنه أو تطوع دون وكالة.

وقد تراكم من ذلك كثير مكتوب مطبوع، أو مرئى مسموع، وفكرت أن أجعله سجلا وافيا ــ بقدر الإمكان ــ لحوارات وطن فى زمن، ولعلاقة صحفى مع حاكم ومع سلطة فى الوطن وفى الزمن!!

لكنى رُحت أسأل نفسى عن الهدف من جمع هذا السجل، ثم ما هو النفع العام بعد جمعه؟!!

ــ وبداية فقد ورد على بالى أن تسجيل ما جرى فى حد ذاته قد يكون وسيلة إلى فهم مرحلة من التاريخ المصرى المعاصر ما زالت تعيش فينا، وما زلنا نعيش فيها!!

ــ ثم ورد على بالى أن كثيرا من قضايا ما جرى ما زالت مطروحة للحوار، وبالتالى فالتسجيل سند للوصل والاستمرار.

ــ ثم ورد على بالى أن بعض الملامح والإشارات فى سياق ذلك الحوار ربما تكون مفيدة فى التعرف أكثر على لغز رجل حكم مصر، وأمسك بالقمة فيها ثلاثين سنة لم يتزحزح، وتغيرت فيها الدنيا، وظل هو حيث هو، لا يتأثر.

وذلك لابد له من فحص ودرس!!

●●●

وتركت خواطرى تطل على كل النواحى، ثم اكتشفت أن الاتجاهات تتفرع وتتمدد ــ لكن الطرق لا تصل إلى غاية يمكن اعتبارها نقطة تصل بالسؤال إلى جواب.

وعُدت إلى ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى، وبرغم آثار كثيرة وجدتها، ومشاهد عادت إلىَّ بأجوائها وتفاصيلها، فقد طالعنى من وسط الزحام سؤال آخر يصعب تفاديه ــ مجمله:

ــ ماذا أعرف حقيقة وأكيدا عن هذا الرجل الذى لقيته قليلا، واشتبكت معه ــ ومع نظامه ــ طويلا؟!!

والأهم من ذلك:

ــ ماذا يعرف غيرى حقيقة وأكيدا عن الرجل، وقد رأيت ــ ورأوا ــ صورا له من مواقع وزوايا بلا عدد، لكنها جميعا لم تكن كافية لتؤكد لنا اقتناعا بالرجل، ولا حتى انطباعا يسهل الاطمئنان إليه والتعرف عليه، أو الثقة فى قراره.

بل لعل الصور وقد زادت على الحد، ضاعفت من حيرة الحائرين، أو على الأقل أرهقتهم، وأضعفت قدرة معظمهم على اختيار أقربها صدقا فى التعبير عنه، وفى تقييم شخصيته، وبالتالى فى الاطمئنان لفعله؟!!

وإذا أخذنا الصورة الأولى للرجل كما شاعت أول ظهوره، وهى تشبهه بـ «البقرة الضاحكة» La vache qui rit ــ إذن فكيف استطاعت «بقرة ضاحكة» أن تحكم مصر ثلاثين سنة؟!!

وإذا أخذنا الصورة الأكثر بهاء، والتى قدمت الرجل إلى الساحة المصرية والعربية بعد حرب أكتوبر باعتباره قائدا لما أطلق عليه وصف «الضربة الجوية» ــ إذن فكيف تنازلت «الأسطورة» إلى تلك الصورة التى رأيناها فى المشهد الأخير له على الساحة، بظهوره ممددا على سرير طبى وراء جدران قفص فى محكمة جنايات مصرية، مبالغا فى إظهار ضعفه، يرخى جفنه بالوهن، ثم يعود إلى فتحه مرة ثانية يختلس نظرة بطرف عين إلى ما يجرى من حوله، ناسيا ــ أنه حتى الوهن له كبرياء من نوع ما، لأن إنسانية الإنسان ملك له فى جميع أحواله، واحترامه لهذه الإنسانية حق لا تستطيع سلطة أن تنزعه منه ــ إلا إذا تنازل عنه بالهوان، والوهن مختلف عن الهوان!!

وإذا أخذنا صورة الرجل كما حاول بنفسه وصف عصره، زاعما أنه زمن الإنجاز الأعظم فى التاريخ المصرى منذ «محمد على» ــ إذن فكيف يمكن تفسير الأحوال التى ترك مصر عليها، وهى أحوال تفريط وانفراط للموارد والرجال، وتجريف كامل للثقافة والفكر، حتى إنه حين أراد أن ينفى عزمه على توريث حكمه لابنه، رد بحدة على أحد سائليه وهو أمير سعودى تواصل معه من قديم، قائلا بالنص تقريبا:

ــ «يا راجل حرام عليك»، ماذا أورِّث ابنى ــ أورثه «خرابة»؟!!

ولم يسأله سامعه متى وكيف تحولت مصر إلى «خرابة» حسب وصفه!!

وهل تولى حكمها وهى على هذا الحال، وإذا كان ذلك فماذا فعل لإعادة تعميرها طوال ثلاثين سنة، وهذه فترة تزيد مرتين عما أخذته بلاد مثل الصين والهند والملايو لكى تنهض وتتقدم!!

ثم إذا كان قد حقق ما لم يستطعه غيره منذ عصر «محمد على» ــ إذن فأين ذهب هذا الإنجاز؟!! ــ وكيف تحول ــ تحت نظامه إلى «خرابة»؟!! ــ ثم لماذا كان هذا الجهد كله من أجل توريث «خرابة»، خصوصا أن الإلحاح عليه كان حقل الألغام الذى تفجر فى وسطه نظام «الأب» حطاما وركاما، ما زال يتساقط حتى هذه اللحظة بعد قرابة سنة من بداية تصدعه وتهاويه!!

وكيف؟!! ــ وكيف؟!! ــ وكيف؟!!

وهنا فإن التساؤل لا يعود عن الصور، وإنما ينتقل إلى البحث عن الرجل ذاته!!

●●●

وعلى امتداد هذه الصفحات فقد حاولت البحث عن الرجل ذاته قبل النظر فى ألبوم صوره، وعُدت إلى ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى عن «حسنى مبارك»، ثم وقع بمحض مصادفة أننى لمحت قصاصة من صحيفة لا أعرف الآن بالتحديد ما دعانى إلى الاحتفاظ بها ثلاثين سنة، لكنى حين نزعتها من حيث كانت وسط المحفوظات ــ رُحت أقرؤها وأعيد قراءتها ــ متفكرا!!

وكانت القصاصة مقالا منشورا فى جريدة «الواشنطن بوست» فى يوم 7 أكتوبر 1981، وفى بداية المقال جملة توقفت عندها، وفى الغالب بنفس الشعور الذى جعلنى أحتفظ بها قبل ثلاثين سنة!!

والجملة تبدأ بنقل «أن الأخبار من القاهرة بعد اغتيال الرئيس «السادات» تشير إلى أن الرجل الذى سوف يخلفه على رئاسة مصر هو نائبه «حسنى مبارك» ــ ثم تجىء جملة تقول بالنص: «إنه حتى هؤلاء الذين يُقال إنهم يعرفون «مبارك» هم فى الحقيقة لا يعرفون عنه شيئا».

والآن بعد ثلاثين سنة وقفت أمام هذه الجملة، وشىء ما فى مكنونها يوحى بأنها «مفتاح» المقال كله، لأننا بالفعل أمام رجل رأيناه كل يوم وكل ساعة، وسمعناه صباح مساء، واستعرضنا الملايين من صوره على امتداد ثلاثين سنة، لكننا لم نكن نعرفه ولا نزال!!

●●●

وكان سؤالى التالى لنفسى:

ــ إذا لم تكن للرجل صورة معتمدة تؤدى إلى تصور معقول عنه، فكيف أتفرغ شهورا لجمع ونشر ما سمعت منه مباشرة خلال مرات قليلة تقابلنا فيها، أو ما قلته له بطريق غير مباشر ــ أى بالحوار والكتابة والحديث ثلاثين سنة؟!

وترددت، لكننى بإلحاح أن تلك ثلاثين سنة بأكملها من حياة وطن، وهى نفسها ثلاثين سنة من المتغيرات والتحولات فى الإقليم وفى العالم، قادنا فيها رجل لا نعرفه إلى مصائر لا نعرفها ــ فإن زمان هذا الرجل يصعب تجاوزه أو القفز عليه مهما كانت الأسباب، مع أن هناك أسبابا عديدة أبرزها أن التاريخ لم ينته بعد كما كتب بعض المتفائلين من الفلاسفة الجُدد»!!

ثم كان أن توصلت إلى صيغة توفيق بين هذه الاعتبارات:

من ناحية تصورت أن أحاول فى مقدمة مستفيضة لهذا الكتاب، أن أترك ما تحويه ملفاتى وأوراقى، ومذكراتى وذكرياتى ــ تنقل بعض الخطوط والألوان عن «حسنى مبارك» ــ معترفا مقدما ومسبقا أن هذه المقدمة مهما استفاضت ليست كافية لإظهار لوحة تستوفى شروط المدرسة الكلاسيكية لفن الرسم، لكنها ــ كذلك خطر لى ــ قد تستطيع مقاربة شروط مدرسة الرسم التعبيرى.

بمعنى أنها قد تكون صورة لا تحاول تقليد مدرسة «ليوناردو دافنشى» أو «مايكل أنجلو» وحيا موصولا بالطبيعة، وإنما تحاول تقليد مدرسة «رينوار» و«مانيه» ــ تلمس موضوعها بمؤثرات أجوائه الإنسانية، وتشير إلى الطبع والشخصية مما يبلغه الحس ولا يطوله البصر!!

●●●

وراودنى على نحو ما أن الجميع ــ ربما ــ أخطأوا فى تصوير الرجل.

لجأوا إلى الكاميرا تلتقط الصورة ومضا بالضوء، بينما كان يجب أن يلجأوا إلى الفرشاة واللون رسما بالزيت، ثم إنهم كرروا الخطأ حين اختاروا المدرسة الكلاسيكية فى الفن، بينما كان يجب أن يلجأوا للمدرسة التأثيرية!!

وأظن أن ذلك ما حاولت بلمسات ألوان على مساحة ورق، تنزل عليها فرشاة زيت تشبعت به خفيفة وكثيفة، تومئ بالظل أو بالفراغ، وتوحى بأكثر مما تصيح، وتعبر بقدر ما هو مستطاع فى زمن لم يعد فيه متسع لرقة «رينوار»، أو خيال «مانيه».

●●●

ولقد ساءلت نفسى كثيرا عن السبب الذى دعا الجميع إلى هذا التقصير فى البحث عن الرجل ذاته، وكيف تراكم التقصير فى التعرف عليه ثلاثين سنة؟!!

وكان التفسير متعدد الأسباب وكلها منطقية، لكنها تاهت فى الزحام:

ــ بعض الناس تلقفوه حين وجدوه، ولم يتوقفوا أمام شخصيته وهى تقفز من المنصة إلى الرئاسة، فقد أخذهم هول ما وقع على المنصة، وتمسكوا بمن بقى بعده!!

ــ وبعضهم أخذه الظاهر من الرئيس الجديد واستخف بما رأى، واعتبره وضعا مؤقتا لعبور أزمة، وبالتالى فالإطالة فى تحليله إضاعة للوقت!!

ــ وبعضهم شدته الوقائع التى ظهر الرجل طرفا فى معمعانها، واستطاعت الصورة العامة للأحداث الكبرى التى دهمت المنطقة أن تستوعب دوره ضمن الأدوار، ومع قيمة مصر فإن الجالس على قمتها التحف برايتها، وساعده الطامعون فى إرث الدور المصرى على تحويل هذه الراية إلى برقع يستر ملامح متغيرة للسياسة المصرية!!

ــ وبعضهم خصوصا من أجيال الشباب نشأوا وشبوا ولم يعرفوا رئيسا غيره، وبالتالى فإن أجيالا تعوَّدت عليه، وتأقلمت بالتطبيع على وجوده.

ــ وبعضهم رغبة فى راحة البال تجاهل السؤال عن الرجل، واستعاض عنه بقبول جواب معبأ يصنعه إعلام يأتمر بالغلبة ــ غلبة السلطة ــ أو غلبة الثروة فى مصر، وكان لسوء الحظ إعلاما فقد تأثيره، وإن بقى هديره!!

ولعل.. ولعل.. وكلها علامات استفهام تحار فيها الظنون، لكن الواقع قبل وبعد أى شىء أن الرجل بقى على القمة فى مصر ثلاثين سنة!!

وأستأذن أن أؤكد وبوضوح أن هذه الصفحات وإن طالت عما توقعت ــ ليست قصة حياة، ولا هى سيرة رجل، وإنما هى لمحات قصرتها على ما رأيت بنفسى أو عرفت، وذلك هو عذرى ــ واعتذارى ــ عن استعمال صيغة المتكلم فى بعض الفصول، وعذرى ــ واعتذارى أيضا ــ عن استعمال ألفاظ وعبارات بالعامية نقلتها كما سمعتها طلبا لدقة التعبير.

وهنا أضيف أننى لم أسعَ إلى لقاء أحد ممن عملوا مع «مبارك» عن قُرب أو عايشوه، فتلك مهمة غيرى إذا حاول كتابة سيرته أو تتبَّع دوره.

ولقد راعنى ــ وأظنه راعَ غيرى ــ أن كثيرين من هؤلاء الذين عملوا معه ومباشرة، كانوا أوائل من انقلبوا عليه، والمعنى هنا أن الرجل لم يرتبط بعلاقات إنسانية عميقة مع محيطه، ولا تواصل بولاءات متبادلة أو حميمة مع الذين اقتربوا منه وخالطوه، وإنما كانت علاقاته بهذا المحيط ــ على الأرجح ــ خدوشا على السطح لا يتبقى منها غير ندوب على الجلد تشحب وتزول بعد أيام أو أسابيع لا أكثر!!

وتلك ظاهرة لافتة كذلك!!

19

●●●

ذلك هو الجزء الأول من هذا الكتاب!!

بقى الجزء الثانى، وذلك هو الجزء الأكبر فى الكتاب، وهو يشمل ما جمعت مما كتبت على الصفحات أو قلت على الشاشات، وكله مرتبط بقضايا العصر عرضا وتحليلا ــ شرحا وتفصيلا، وظنى أنه وقد امتد على مساحة ثلاثين سنة، قد يعوض بالكلمات بعض ما لم تستطع أن تستوفيه الألوان!!

وأملى ــ ربما ــ أن شيئا فى هذا كله قد يرسل شعاعا يكشف ولو لمحة من تلك الفجوة المجهولة التى أشارت إليها جريدة «واشنطن بوست» منذ اليوم الأول لعصر «مبارك»، حين قالت «إن الذين يظنون أنهم يعرفون الرجل هم فى الواقع لا يعرفون عنه شيئا»!!

وذلك ــ مع الأسف صحيح ــ فلقد فاجأت هؤلاء العارفين بدايته، وفاجأتهم نهايته!!

●●●

يتبقى أن هناك سؤالا لابد أن يصل إلى آذان الجميع: كيف استطاع هذا الرجل أن يجلس على رئاسة مصر ثلاثين سنة؟! ــ ثم كيف استطاع شعب مصر أن يصبر ثلاثين سنة؟!!

وبالنسبة لـ:«كيف» الأولى فالجواب على سؤالها: أنه حظه طالما استطاع البقاء!!

وأما «كيف» الثانية فجواب سؤالها: أنها مسئولية الشعب المصرى كله لأنه هو الآخر استطاع ــ استطاع بالصبر والصمت ــ وإظهار السأم والملل أحيانا ــ حتى جاءت ثورة 25 يناير 2011، وعندما لم يعد الصبر قادرا، ولا الصمت ممكنا، ولا الملل كافيا!!