Affichage des articles dont le libellé est عادل حمودة. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est عادل حمودة. Afficher tous les articles

jeudi 5 janvier 2012

عادل حمودة يكتب : سيناريو الرعب فى 25 يناير صناعة عسكرية!

95


■ نشر التخويف بين الناس لتبرير ضرب حرية الصحافة وتهديد القنوات التليفزيونية وتكسير مقار منظمات حقوق الإنسان وخطف النشطاء فى التحرير وحرق المنشآت العامة
■ لو كان الذى يحذرنا من الكارثة هو المسئول عن حماية البلاد فلمن نلجأ طلبا للنجاة؟

وضعتنا ثورة 25 يناير فى حالة نشوة وطنية.. استثنائية.. لم تحدث لنا من قبل.. فجرت مشاعرنا الجوانية.. أضاءت كل المصابيح المطفأة فى نفوسنا المعتمة.. ومسحت الغبار المتراكم لسنوات طوال على وجوهنا وثيابنا وشبكيات عيوننا.. وطهرتنا من العفونة المزمنة بنوع مذهل من الأنتيبيوتك السياسى لم نعرفه فى يوم من الأيام.

حذفت هذه الثورة التى باغتت الجميع شعبا بأكمله من قائمة الخراف التى تنتظر الذبح.. والعجول التى تتوقع السلخ.. ووضعته فى قائمة الأمم التى تحترم.. والسيمفونيات التى تسمع.. وميادين الحرية الشهيرة التى تزار.

بعد نحو السنة.. تمنيت أن أكتب عن تلك الأيام النادرة فى تاريخنا التى عشتها لحظة بلحظة.. ونفسا بنفس.. وشعارا بشعار.. تمنيت أن أعبر عن الثورة التى غيرت نظام المجموعة الشمسية.. وسيطرت عليها.. فلم تكن هناك نجمة تطلع إلا بأمرها.. ولم تغب نجمة إلا تحت خيامها.

لكن.. الذين سرقوا الثورة وأذلوها وابتزوها ونهبوها واغتصبوها وعلبوها خطفوا الفرح من بين يدي.. وصادروا جميع مشاعرى الجميلة.. الطيبة.. ووضعوا الحدث الطازج فى الفريزر ليصبح سمكا مجمدا.

أما الشباب الذى أتى بالمعجزة فقد لاحقته النيابة العسكرية.. وكشوف العذرية.. وصافرات الأمن الصاخبة.. وأحذية الجنود الثقيلة.. وطلقات الرصاص المجهولة.. وعلقوا صوره مثل المجرمين على الجدران.. ووضعوا جائزة كبرى لمن يأتى برأسه.. وكانت مشكلة الصيادين أنهم لا يتمتعون بالحساسية الكافية أمام التغيير.. وبحكم الضبط والربط لم يكن سهلا عليهم وجود أسراب من العصافير تطير حرة دون أن تتحرك فى أعماقهم غريزة إطلاق النار.. دون أن يتحسسوا مسدساتهم.. ويضغطوا على الزناد.

وهكذا.. لم يكن لدينا وقت لنعرف شكل الفرح.. أو نشم عطره.. أو نتباهى بزهوه.. فقد سيطرت على الجو رائحة العرق والدم والبارود والغازات المسيلة للدموع.. لم يكن لدينا الوقت لتسجيل انفعالاتنا.. وصياغة كلماتنا.. فقد سقطت علينا الستارة قبل أن نصل إلى خشبة المسرح.

خطفوا الأقلام الملونة من أيدينا قبل أن نرسم قمرا وشجرة وطفلا يحمل الشمس فى يده كى يضيء المستقبل.. ليصبح كل ما هو قادم مظلما.. ليعود المخلوع إلى سطوته.. والوريث إلى عرشه.. والشعب إلى سجنه.

وبعد التخوين بدأ التخويف.. وبعد تهمة العمالة بدأ تيار فى المجلس العسكرى الترويج لسيناريو ما لم يفصح عن مؤلفه.. ومخترعه.. وكاتب مشاهده.. سيناريو ظل يتحدث عنه شهورا طويلة.. عن قوى هدامة من الشباب ستحطم أعمدة الدولة فى ذكرى الثورة.. ستشعلها نارا.. بحجارة من سجيل.. أو بأسلحة قناصة مهربة من أوروبا وإسرائيل.. ستقوم القيامة بكل علاماتها الصغرى والكبري.. الجبال ستتكسر.. الأنهار ستتفجر.. والبيوت ستتهدم.. الوطن سيتفتت.. وغيرها من مشاهد الرعب التى عشنا بعضا منها فى ماسبيرو والتحرير وشارع محمد محمود.. لكنها هذه المرة ساحقة.. مدمرة.. قاتلة.. لن ينجو منها أحد.. حسب تخيل «العسكري».

وبينما يصور العسكريون شباب الثورة وكأنهم شياطين خرجوا من جهنم الحمرا.. بدت صورة الإسلاميين جذابة.. صالحة.. تتفجر ورعا.. فهم أولياء الله.. ووكلاء الله.. والمتحدثون باسم الله.. ومنهم يخرج حاكم بأمر نفسه ويقولون إنه حاكم بأمر الله.

وبعد طول صبر بشرونا بالمهدى المنتظر.. المخلص.. الذى سيحقق العدل والحرية.. ويشفى الأبرص.. ويحيى الميت.. ويوظف العاطل.. ويصلح التعليم.. ويستر البنات.. ويحيل العشوائيات إلى منتجعات.. ويفجر أنهار السمن والعسل.. ويطرح البركة فى حقول المن والسلوي.. فإن لم يستطع ولن يستطيع سيدعو من صوتوا له فى الانتخابات للصوم.. والزهد.. والاعتصام بحبل الله.. انتظارا لمكافأة الآخرة.. قصر فى الجنة.. حيث الحور العين وأنهار الخمر وقطوف الفاكهة الدانية.

استسلم «العسكري» للإخوان وراح يطارد من فى «الميدان».. مرة بتحريض «الأهالى الشرفاء» عليهم.. ومرة بتشويه صورتهم.. مرة بالاعتقال.. ومرة بتنفيذ أجندة الخراب الأجنبية القادمة فى 25 يناير كى يضاعفوا من فزع الناس.. باللعب على العواطف والمتاعب والزهق من وقف الحال.. وليعطوا مبررات لتصرفاتهم القاسية.. بكل ما فيها من إجراءات ضرب وسب وقهر وكسر وتهديد ووعيد.. ليس فقط ضد أنصار التحرير.. وإنما أيضا ضد كل من يساند الثورة.. من صحفيين وسياسيين وحقوقيين شعر «العسكري» أنهم خطر عليهم.. بكشف تجاوزاته.. وفضح فشله.. وتهديد مصالحه.. خاصة أن المجلس الموقر وقَّع مع الإخوان معاهدة فك ارتباط بالثورة بعد أن اعتبرها الطرفان عورة.

لقد استغل الطرفان شباب الثورة ثم تجاوزا نبضه.. فدخل أنصار اللحية والكاب معا إلى مرحلة الجفاف والتكلس بكل ما فيها من ضجر وترهل وغلاظة.. دون أن يستوعبا أن الأمم تتكلس وتتيبس يوم تفقد قدرتها على الثورة.. يوم تعجز عن التواصل مع صناعها.. إن السلطة التى تصادر ثورة كما تصادر العملة المزيفة والمخدرات المهربة هى سلطة تستحق البكاء عليها.

كان التخويف مما هو قادم سببا ومبررا لدفع مجموعات صغيرة للهتاف ضد صحيفة «الفجر».. وضد رموز إعلامية ساندت الحرية فى وقت كان أعضاء المجلس العسكرى صامتين إلى حد العجز عن النطق.. لا يشكون الله فى سرهم حتى لا تسمعهم أجهزة أمن مبارك.. والغريب أن الإخوان شاركوهم فيما وصفوه بفساد الإعلام.. مع أنه نفس الإعلام الذى استهجن من قبل اعتقالهم وتعذيبهم ومطاردتهم وتشريدهم.. سبحان مغير الأحوال.. المضروب أصبح ضاربا.. والمقهور أصبح قاهرا.. والمسجون أصبح سجانا.

ولو كان الغضب نوعا من حرية الاختلاف لما توقفنا عنده.. لكن.. الغضب كان مدبرا.. منظما.. مدفوع الأجر.. فشهود العيان الذين كانوا هناك انتبهوا لوجود سيدة ترتدى السواد.. تدفع لكل مشارك ثمن مجهوده وعرقه.. وهو ما يثبت أننا أمام مهنة جديدة.. تستغل حالة البطالة.. وتورط الشباب فى البلطجة.

وفضح المشاركون عن محركهم ومحرضهم بسهولة.. فقد كان هتافهم الأول: « افرم افرم يا مشير احنا زهقنا من التحرير».. وهو هتاف يعتبر نوعا من البصمات التى تترك بجانب الجثث فى الجرائم الجنائية لتحديد الفاعل أو المستفيد.. ولو كنت منهم لاكتفيت بالشعارات التى وصفت ما نكتبه وما نقوله أنا وبعض زملائى - بأنه باطل.. باطل.

ولابد أنك فزعت مثلى من مطالبة المشير بالفرم.. بكل ما فى الكلمة من فاشية نبرئ الرجل منها.. لكنها على ما يبدو اتجاه لبعض مساعديه ومؤيديه كشف عنه اللواء أركان حرب عبد المنعم كاطو الذى وصف شباب التحرير بأنه صايع.. يستحق الحرق فى أفران الغاز النازية.. دون أن يدرك أن ما نطق به جريمة دولية تضعه فى السجن حتى الموت.. والغريب أنه مكلف من السلطة العسكرية بتبرير تصرفاتها.. ورد الهجوم عنها.

وربما كان علىَّ فى تلك اللحظات أن أتذكر تهديد أحد رموز المجلس العسكرى يوم اختلفنا معه على صفحات «الفجر» بأن رجاله مستعدون للتصفية والانتقام.. ولا أتصور أنهم نفذوا تهديدهم وإنما تركوه لغيرهم.. فشرفهم العسكرى يأبى عليهم ذلك.. مهما كان ولاءهم لقائدهم.. وهو ولاء مؤقت ينتهى بخروجه إلى المعاش.

وهاجمت مجموعة مجهولة فريق تصوير أرسلته القناة الثقافية الفرنسية لتسجيل حلقة عن الروائى الشهير علاء الأسوانى خوفا من أن يكون قد التقط مشاهد سحل الفتيات فى موقعة مجلس الوزراء.. ولم يترك المهاجمون الفريق إلا بعد أن تحطمت الكاميرات.. ومسحت اللقطات.. وحرقت محتويات الغرفة فى الفندق الذى يطل على ميدان التحرير.

وفى الوقت نفسه تلقى علاء الأسوانى تحذيرا من جيرانه بأن يأخذ حذره وهو قادم إلى بيته.. حيث تجمع أمامه مجموعة من البشر يهتفون ضده.. وجاهزون للاعتداء عليه.. ومستعدون لتأديبه عقابا على ما يكتبه ضد «العسكرى» .. مساندا للتحرير.. مطالبا بالانتقام لدماء شهدائه.

وربما كانت تلك المجموعة هى نفس المجموعة التى هاجمت «الفجر».. وربما كانت مجموعة أخرى تعمل لحساب نفس المتعهد.. فقد أصبح فى مصر الآن ما يسمى ببيزنس «البلطجة السياسية».

وقد نفى ضباط محترفون فى الداخلية أنهم وراء مثل هذه «الحركات».. قائلين: «لو كنا مكانهم ما تصرفنا بهذه الطريقة الساذجة.. المكشوفة».. لكنهم أضافوا: «إن ما حدث قد يتطور إلى ما هو أسوأ.. ضرب.. أو قتل.. أو حرق».. فالأسوأ قادم طالما هناك من يتصرف بهذه «الغشومية».

والحقيقة أن الأسوأ بدأ فى أحداث مجلس الوزراء.. حيث دفع بمجموعات منظمة من البلطجية لحرق المجمع العلمى دون أن يتدخل أحد لإنقاذه.. دون أن يتدخل الجيش لإطفائه جوا كما فعل عند حريق الدور العلوى فى مبنى التليفزيون.

وحسب ما ذكر شاهد عيان (هو عبد الله سيد بيومى أحمد 59 سنة) فإنه يوم 19 ديسمبر اقتحم هو ومجموعة من شباب التحرير مبنى المجمع العلمى لإنقاذ ما فيه من تراث إنساني.. لكنهم فوجئوا ب 16 صبيًا يرتدى كل منهم قميصا أصفر ويحمل حقيبة حمراء يمنعونهم من إخراج الكتب سليمة.. ولم يتردد أحدهم فى ضربه بشومة على ظهره.. كسرت له الفقرة الثالثة.. فأصبح قعيدا.. عاجزا عن الحركة.. وفى مستشفى قصر العينى لم يجد علاجا مناسبا.. ولجأ إلى الدكتور ممدوح حمزة.. وخرج من عنده على كرسى متحرك.

وتلقت صحف أخرى مثل «المصرى اليوم» نفس التهديدات التى تلقتها «الفجر» وإن أعطيت لها مهلة كى تراجع نفسها.

وأرسلت الهيئة العامة للاستثمار إنذارا لقنوات فضائية يصفها البعض بالخيانة لأنها تساند الثورة.. وتعرض ما يتعرض له الثوار على الهواء مباشرة.. وكانت حجة الهيئة أن هذه القنوات حسب تراخيصها قنوات منوعات وليست قنوات إخبارية.. وكأن المطلوب منها أن ترقص وتغنى وتنكت فى وقت يقتل فيه شباب التحرير برصاصات مجهولة.. دون الرغبة فى التوصل إلى الجاني.

ووجدت قنوات أخرى مشاكسة من يطلب منها تشديد الحماية على استوديوهاتها كى لا تتحطم.. إنذار مغلف بالسكر.. جعل أصحاب هذه القنوات يخشون على عشرات الملايين التى استثمروها فيها.. فأعادوا حساباتهم.. خاصة أن التهديد يأتى ممن يلجأون إليه لحمايتهم.

فلو حدث مكروه لصحيفة أو قناة.. لصحفى أو مذيع.. فلن يذهب يشكو لأحد.. فكل ما سيسمعه من عقيد شرطة أو لواء جيش.. هذه حرية تعبير عن الرأي.. لذلك.. ليس أمامنا سوى السيدة نفيسة.. نطلب رعايتها.

ولم تتجرأ هيئة الاسثتمار وترسل نفس الإنذار إلى القنوات الدينية وهى بالمناسبة خرجت بتراخيص منوعات أيضا.. لكنها.. لا تختلف مع العسكرى وإنما مع خصومه من الثوار ومؤيديهم.. وهو ما يمنحها وساما.. لا تهديدا.

وبعد شهور طويلة من اتهام منظمات حقوق الإنسان بتلقى تمويل من الخارج جرى اقتحام مقار 17 منظمة منها بطريقة خشنة وكأنها منظمات إرهابية.. ولم يكن بين هذه المنظمات جمعية واحدة إسلامية أو سلفية رغم أن تقرير لجنة تقصى الحقائق الحكومية كشف عن تلقى جمعية أنصار السنة 181 مليون جنيه من دول خليجية.. فهل خشيت السلطة من قوة أنصار هذه الجمعيات.. أم أنها تبارك أموالها النفطية؟.

الحقيقة أن الذى أعطى الأمر بالهجوم لا يريد سوى رقبة المنظمات المدنية الليبرالية التى ترفض السلطة الدينية وتنتقد السلطة العسكرية.. لذلك فهى مكروهة ومطلوبة منهما.

وما يثير الدهشة أن أغلب مسئولى هذه المنظمات هم أعضاء فى المجلس القومى لحقوق الإنسان.. وهو ما يعنى أن الاعتداء مزدوج.. يتضمن انتهاكا للمؤسسة الرسمية التى تواجه الانتهاكات.

وأمام رد الفعل الأمريكى والأوروبى الغاضب خرج وزير العدل يبرر ما حدث.. ويتحدث عن الإجراءات القانونية التى اتبعت.. وهو كلام لم يقنع أحدًا.. ولم يبلعه أحد.. فالعالم شاهد ما حدث بالصوت والصورة على موقع يوتيوب الذى كان يبث فيديوهات الاقتحام والتحطيم أولاً بأول.

إن غالبية هذه المنظمات تشغل مكتبا صغيرا به عدد محدود من الموظفين.. يسهل استدعاؤهم بأجهزة الكمبيوتر التى يعملون عليها إلى النيابة العامة.. ولا يحتاج الأمر إلى كل هذا الإرهاب الشرس الذى لم يحدث من قبل فى عز عداء نظام مبارك لهذه المنظمات.

ومهما كان الحكم على التصرف فإنه وضع «العسكرى» فى موقف حرج مع الإدارة الأمريكية التى تواجه ضغوطا من الكونجرس لإلغاء المعونة العسكرية أو على الأقل تخفيضها.. خاصة أن اللوبى اليهودى لا يرى مبررا لوجود جيش مصرى كبير وقوى مع معاهدة سلام مع إسرائيل.. وكانت الأحداث الأخيرة التى تورط فيها الجيش فى ضرب وسحل متظاهرين قد نبهت الكونجرس إلى أن المؤسسة العسكرية فى مصر خرجت عن القانون الأمريكى الذى يمنع منح دولة معونة يمكن استخدامها ضد مواطنيها.

لقد تصرف «العسكرى» وهو يدير البلاد بعدم خبرة سياسية جعلت الأحزاب الدينية تفوز بتورتة الانتخابات.. وتصرف بعدم خبرة اقتصادية ضاعفت من متاعب الناس.. وتصرف بعدم خبرة أمنية شوهت صورته فى عيون الدنيا كلها.. ولم يكن أمامه سوى أن يتهم الإعلام ويعلق على شماعة الكلمة والصورة واللوحة الكاريكاتورية كل أخطائه وتقصيره وتورطه فى سكة الندامة السياسية مع أنصار الدولة الدينية فى أكبر جريمة دستورية شهدتها مصر.. وبدلا من أن يعترف بما فعل واصل أسلوبه القاسى فى المواجهة بدعوى أن مصر مقبلة على كارثة وهو يحذر منها.. ويضرب من يحرض عليها أو يشجعها ضربات وقائية.

وسوف تشهد الأيام القليلة القادمة اختفاء نشطاء واعتقال شخصيات بعينها وهجمات على التحرير من مواقع التواصل الاجتماعى الذى لم يعد أحد ينفرد به.. كما أن من يحركون الميادين لم يعودوا يتمتعون بعنصر المفاجأة التى كانت لصالحهم فى الأيام الأولى للثورة وما بعدها.

فى ليلة رأس السنة امتلأ التحرير بعشرات المئات من البشر احتفلوا برحيل العام بسماع أغان وطنية دون توتر أو غضب أو عنف.. فهم يعبرون عن أنفسهم ويعرضون مطالبهم بأسلوب سلمى مناسب وشرعي.. لكن.. هناك من يحول الفرح إلى مأتم.. والطرب إلى ضرب.. والتعبير إلى تدمير.. ترى ما هى صلة ذلك المجهول بمن يحذرنا بالكارثة القادمة فى ذكرى الثورة؟

vendredi 25 novembre 2011

عادل حمود : – انا والجنزورى – من هو الجنزورى

446

كتاب صدر من قبل  للاستاذ عادل  حمودة  ابان فترة  تولي الجنزوري لرئاسة الوزراء تعرض لاهم الانتقادات  التي نالت  الجنزوري .. فهل تخلص منها  ليتولى الوزراة في احلك  الظروف  التي تمر بها مصر حاليا ؟ .. واهم الانتقادات كما  يقول عادل حمودة: 

"كانت اهم الانتقادات التي وجهت للجنزوري من جانب عناصر مسئولة تتلخص فيما يلي :

التركيز الشديد للسلطات في يديه ليس فقط من خلال توليه المسئولية المباشرة عن عدد من المواقع

تدخله في عمل كل وزارة وهيئة وقد وصل الامر الي حد التدخل في اعمال القضاء من خلال سحب المتنازعين (من قيادات الاعمال في القطاعين العام والخاص) الي مجلس الوزراء لحسم خلافاتهم بقرارات نهائية لا طعن عليها.

تدخل الجنزوري في اعمال البنك المركزي وحال دون صدور قانون تبعيته لرئيس الجمهورية

حاول ترسيخ فكرة ان رئيس الوزراء وحده هو صاحب الحق في التكلم امام رئيس الجمهورية بالنيابة عن الكل ( بما في ذلك الوزارة السيادية )

انشغل الجنزوري بالعمل المكتبي دون النزول الي الشارع 

اهتمامه بترسيخ فرص بقائه بغض النظر عن الاساليب التي يستخدمها 

اخذ اخرون علي الجنزوري ايضا ضيقه الشديد بحرية الصحافة وتدخله في حالات بعينها للتأثير علي كتاب وصحف

الاهتمام بصناعة لوبي من رجال الاعمال والاعلام لتعضيده وضرب خصومه

قيامه بالعدوان علي اختصاصات الوزراء بشكل مهين

ورغم ان وسائل الاعلام والاوساط السياسية استقبلت الجنزوري استقبالا حسنا الا انه بمرور الوقت لم يعد قادرا علي تقبل اي خلاف.

jeudi 13 octobre 2011

عادل حمودة : الخطة التى نفذت للوقيعة بين الجيش والأقباط

180

عادل حمودة يكتب : رسالة خاصة من البابا شنودة: فى ذهـــنى وقلبى كلام كثير لأقوله..لكنى أفضل الصمت لـــكــــــى يتكلم الله!

■ الخطة التى نفذت للوقيعة بين الجيش والأقباط هى الخطة التى سبق أن نفذت فى واقعة مسرح البالون وألتراس الأهلى والسفارة الإسرائيلية

■ نواب فى الكونجرس يطالبون بتحويل المعونة العسكرية إلى معونة اقتصادية.. وسأل أحدهم: مادامت مصر فى سلام مع إسرائيل فما حاجتها إلى جيش قوى؟! ■ مشهد المدرعة التى دهست متظاهرين أمام ماسبيرو يهدد بقطع المعونة العسكرية الأمريكية لمصر

هل كان المجلس العسكرى سيلجأ إلى نفس الأسلوب لو كان المتظاهرون سلفيين أو إخواناً أو جهاديين؟!

■ السفارة الأمريكية بالقاهرة تبحث فى ملفات ضباط الجيش وأمن الدولة المرشحين للسفر فى بعثات تدريبية لتضمن خلو ملفاتهم من استخدام العنف ضد المواطنين ■ الجيش الذى رفض إطلاق النار على متظاهرى الثورة وجد من يورطه فى استخدام سلاحه ومدرعاته مع الأقباط

مثل سيارة إسعاف تصل بعد وفاة المصاب راح عصام شرف يتفقد ميدان معركة «الأحد الحزين» بعد أن سكتت طلقات النار.. وهدأت أنفاس المدرعات.. وانشغل الفريقان بإخلاء القتلى والجرحى، لم يجد رئيس الحكومة «البسكوتة» أمامه سوى إلقاء مسئولية ما حدث على قوى دنيئة خفية «تسعى للإجهاز على الدولة» دون أن يحددها أو يشير إليها أو يضع إصبعه فى عينيها.. مكتفيا بصيغة المبنى للمجهول التى اعتاد عليها. بل.. والأهم.. دون أن ينتبه إلى أن ضعفه وعجزه وقلة حيلته كانت أسبابا مباشرة لما حدث، أما المجلس العسكرى فلم نسمع له صوتا فى تلك الليلة.. فقد كان حزينا بالقطع على ما اصاب رجاله، ولساعات طويلة عانت الكنيسة من داء الخرس المزمن المعتادة عليه فى مثل هذه الأزمات، وخلال هذه الساعات التى مرت دهرا على المجمع المقدس بدا البابا شنودة مكتئبا.. رافضا التعليق على ما حدث.. مكتفيا بإنكار العنف عن رعاياه.. داعيا للصوم ثلاثة أيام.. وهو إجراء دينى لم تلجأ إليه الكنيسة منذ أكثر من ثلاثين سنة.. تعبر به عن لجوئها إلى السماء.. عندما تفشل فى التفاهم مع الواقع على الأرض. وبدأت تيارات قبطية مختلفة تتعامل مع زمانها وكأنها فى «عصر الاستشهاد».. حين كان الرومان يقتلون كل من ينطق باسم الرب.. ولايزال المسيحيون يحتفلون بشهدائهم الأوائل فى العيد الذى يسمى «النيروز».. فى الخريف.. وتوزع فيها الكنائس البلح الأحمر رمزا للدماء التى سالت فى ذلك العصر.

1

كان أول تليفون تلقيته بعد عودتى من رحلة أمريكية متأنية، من محامية تنتمى لما يسمى «اتحاد شباب ماسبيرو».. تدعونى للمشاركة فى وقفة قبطية احتجاجا على هدم كنيسة «إدفو».. وتحددت مطالبها بمحاسبة المحافظ.. وإعادة بناء كنيسة مارى نياب التى هدمها متطرفون بحجة متعصبة.. أن قبابها وصلبانها تؤذى مشاعرهم.. وتعويض الضحايا الأقباط الذين حرقت بيوتهم ونهب متاعهم بنفس القوى الغاشمة. كان المتفق عليه أن يقف الأقباط بعد عصر الأحد الماضى أمام مبنى التليفزيون ثلاث ساعات (من الخامسة إلى الثامنة مساء) وهم يرتدون الملابس السوداء ويحملون الشموع البيضاء.. فى مشهد يتفجر بالرومانسية السياسية.. ثم ينصرفوا.. دون عنف.. أو قطع طريق، ضمت المسيرة التى تصدرها الأب صليب متى راعى كنيسة الجيوشى فى شبرا والناشط الحقوقى نجيب جبرائيل أطفالاً ونساءً تأكيداً على سلميتها.. وظهرت فى مقدمة الصفوف سيدة حامل.. مما يعنى أن نية المواجهة لم تكن موجودة.. وكسبت المكتبات المسيحية ببيع كل ما لديها من صلبان وصور للسيد المسيح والسيدة العذراء. لكن.. ما أن وصلت المسيرة إلى أسفل كوبرى السبتية حتى بدأت ساعة الصفر الحامية.. فهناك كانت كميات هائلة من كسر الرخام -الذى سبق استخدامه فى موقعة الجمل- جاهزا كى يمكن لمن يشاء استخدامه.. لتتكرر مأساة لاتزال منظورة أمام القضاء. كانت المسيرة تضم نحو عشرة آلاف شخص.. انضم إليهم عند كوبرى السبتية نحو 500 شاب مجهولى الهوية.. يضعون خوذات على رءوسهم وقد تجردوا من النصف العلوى لملابسهم.. وكانوا يهتفون «سلمية سلمية».. لكن ما أن وجدوا قواتاً من الجيش أمامهم حتى سارعوا بالهجوم عليها بما يحملونه من شوم وحجارة وسنج وسيوف.. لتبدو الصورة وكأنها مواجهة بين الأقباط والجيش.. وهو فخ وقع فيه الإعلام الرسمى دون أن يسمى عليه أحدا.

2

لقد راح تليفزيون أسامة هيكل يدعو المصريين «الشرفاء» على حد قول مذيعيه إلى حماية الجيش من الأقباط.. ولم يتردد فى أن يظهر جريحا يسب الأقباط ويصفهم بما لا يجوز تكراره.. وهو ما شجع رموزاً من تيارات إسلامية للنزول إلى الساحة.. بمزيد من التحريض.. وبسب البابا شنودة.. ليصب مزيداً من البنزين على النيران الهائجة. لقد سبق أن طلب الجيش من الشعب فى بداية الثورة حماية نفسه من البلطجية.. ورغم غرابة الطلب فإن الناس استجابت وشكلت ما عرف باللجان الشعبية.. لكن.. أن يطلب التليفزيون الحكومى من «الشرفاء» حماية الجيش من الأقباط فى وقت يعيش فى سلام مع اليهود فهذا ما لم يفهمه أحد.. بل كانت دعوة فى غير صالح الجيش الذى صرح قائده العام قبل عدة أيام بأنه جاهز لكل الاحتمالات بما فى ذلك ما يجرى فى سيناء، واللافت للنظر أن وزير الإعلام حذر القنوات الخاصة من عدم الموضوعية التى لم يقدر هو شخصيا على احترامها.. ومن ثم فإن الرجل الذى تولى من قبل رئاسة تحرير صحيفة «الوفد» المعارضة، ليس أمامه سوى أن يستقيل فإن لم يفعل فعلى من جاء به أن يقيله.. ولا نقول محاكمته بتهمة التحريض الطائفى وتهديد الوحدة الوطنية، لكن.. الصورة المظلمة لم تخل من بقع ضوء مبهرة.. فقد رفض مذيعون ومذيعات من التليفزيون الحكومى سياسة وزيرهم.. وتركوا مستقبلهم وراءهم حرصا على أمانة الكلمة التى كانت أول ما خلق الله.

3

والحقيقة أن الخطة التى نفذت فى الوقيعة بين الجيش والأقباط، هى الخطة التى سبق أن نفذت من قبل فى أحداث تكريم أمهات الشهداء عند مسرح البالون.. وسبق أن تكررت مع الألتراس فى استاد القاهرة.. وسبق أن شاهدناها أمام السفارتين الإسرائيلية والسعودية ومديرية أمن الجيزة يوم جمعة الغضب.. إن هناك قوى جاهزة لكتابة المشهد الأخير من كل حركة احتجاجية سلمية بطريقة همجية. سيناريو قديم سبق تجريبه بنجاح لإحداث الفوضى.. بالتنقيط.. أو بالتقسيط.. يستغل التحركات السلمية بدس بلطجية لتصبح مواجهات تخريبية.. تلتصق تهمتها فيمن خرج للتعبير عن نفسه بطريقة مشروعة.. لكن.. رغم تكرار السيناريو فإن أجهزة الأمن الخفية والمعلنة فشلت فى كشف أبعاده وأسراره.. أو ربما لا تريد أن تفصح عما تعرف. إن من السهل معرفة من وراء ذلك بمشاهدة التسجيلات التى صورتها القنوات الإخبارية التى صورت الأحداث.. ومعرفة الأشخاص الذين خرجوا على القانون.. والقبض عليهم والتحقيق معهم ومعرفة من يمولهم.. فالبلطجية ليسوا مناضلين أو أصحاب قضية.. فهم عبيد لمن يدفع أكثر.. وربما كان المحرضون من أنصار النظام السابق أو من أنصار جماعات تحلم بنظام قادم. ولو كان المجلس العسكرى قد كلف الحكومة بتشكيل لجنة لتقصى الحقائق، فإن الخوف أن تنتهى هذه اللجنة إلى نفس الطريق المسدود الذى انتهت إليه كل ما سبقها من لجان مشابهة.. وإن كان من الصعب الكذب والتلفيق هذه المرة.. فقد كانت هناك قنوات إخبارية مثل «العربية» و«البى بى سى» تبث لقطات حية تكشف وتفضح وتضع يدها على الحقيقة.. وفى الوقت نفسه شكل الاعتداء على قناة 25 يناير -الذى جرى إرسالها على الهواء- دليل إدانة على ضعف الموقف الرسمي.

4

ولو كان من الصعب تحديد المسئولين عن سيناريو الفوضى الذى سبق أن توقعته بوضوح منذ أسبوعين، فإنه من السهل تحديد أهدافه والمستفيدين منه، لقد قال مبارك قبل تنحيه: «إما أنا أو الفوضى».. وفى ظل نظامه الذى أفرز مليارديرات كون أغلبهم ثرواتهم من الفساد المالى والخلقى فإن رصد واحد فى المائة من أموالهم لتحقيق نبوءته ليس صعباً.. وربما كان نوعاً من رد الدين للنظام السابق الذى هو فى الحقيقة ولى نعمتهم، ولو كنت من جمال مبارك وشعرت بفقدان هيروين السلطة بعد إدمانه لدفعت كل ما أملك مقابل جرعة منه، وفى الوقت نفسه هناك قوى خارجية وداخلية تحلم بالسيطرة على مصر بإضعافها وتقسيمها وتمزيقها.. وليس أسهل من افتعال الفتن الطائفية.. فالشحن متوهج.. والتشدد متربص.. والسحل يمكن أن يكون على الهوية.. وهو ما تحقق يوم الأحد الماضى.. فقد كان هناك من يسأل المارة فى منطقة الأحداث عن ديانته.. أو يفتش فى ذراعه عن وشم صليب.. ليكون السحل مصيره. ويصر السيناريو المتكرر على إضعاف الأمن.. والصدام مع الجيش.. وهدم الدولة.. وتحطيم أعمدتها القوية.. لتبنى من جديد على مزاج من يخطط ويمول ويحرك.

5

والغريب أن قيادات فى المجلس العسكرى تعرف ذلك وتخشاه وتحذر منه.. وكانت تتوقع أن تنفذ المؤامرة بحصار وحداته ومعسكراته مما يضطر للضرب فى المليان.. وهو ما لم يحدث.. وإن كان ما حدث لا يقل سوءاً.. فقد تورط الجيش فى اشتباكات مع الشعب.. وحقق بنفسه ما كان يتوقعه من غيره. ويمكن القول إن حسابات المجلس العسكرى فى التعامل بعنف مع الأقباط، لم تكن مناسبة هذه المرة.. فقد تصور أن تعب الناس من تعطيل الحياة بسبب المظاهرات سيعطيه مبررا لما فعل.. لكن.. السؤال: هل كان سيلجأ إلى نفس الأسلوب لو كان أمامه سلفيون أو إخوان أو جهاديون؟. والسؤال الأهم: من الذى دفع الجيش إلى الصدام مع الأقباط بالذات، ليكون بين الطرفين دم لن يستفيد منه سوى من يكره الأقباط ويريد ترحيلهم، ومن يسعى لتشويه سمعة الجيش الذى حمى الثورة كى يكون بديلا له فى السلطة؟.. إن الإجابة عن السؤالين بصراحة وجرأة ستحدد لنا المستفيد قبل الجانى، ولعل الخاسر الأكبر فيما جرى هو الجيش نفسه.. وربما كانت أكثر التيارات قربا منه هى أكثرها تضليلا له.. فليس كل ما يقال يصدق.. بما فى ذلك الكلام المعسول الذى يغازل به الإخوان الأقباط، ولو إلى حين تنتهى الانتخابات.. ولو كان الإخوان وغيرهم ممن يقفون فى خندقهم، جادين فيما يقولون عن مساواة المواطنة بين المسلمين والمسيحيين، فعليهم إثبات ذلك عمليا، بأن يذهب مرشد الإخوان ورموز الأحزاب السلفية إلى «إدفو» للمشاركة فى وضع أساس الكنيسة التى هدمت هناك.. «المية تكدب الغطاس».

6

فى الثلاثين سنة الماضية شهدت مصر 166 حادثاً طائفياً.. منها 11 حادثاً وقعت بعد ثورة يناير التى كانت فى حد ذاتها دليلاً صافياً على نقاء النسيج الوطنى من البقع والعقد. بدأت الفتن الأخيرة بكنيسة أطفيح وقرية صول ثم امتدت إلى المقطم، ثم وصلت إلى إمبابة ثم مرت على عين شمس، ثم استقرت مؤقتا فى أسوان لحين تحديد مكان الجريمة القادمة.. ورغم الحرائق التى اشتعلت والأقباط الذين قتلوا فإن العدالة لم تضع يدها على متهم واحد.. وهو أمر مثير للدهشة.. خاصة أن المحرضين والمنفذين معروفون بالصوت والصورة فى سيديهات لم تفحصها النيابة العامة حتى الآن. وفى هذه السيديهات.. هناك من قال: «إنهم لن يكونوا رجالا إذا لم يحرقوا الكنائس فى إمبابة».. وهناك شيخان قادا الأهالى فى إدفو لهدم كنيسة مارى نياب.. وحرق بيوت الأقباط.. وهناك بلاغات من محامين أقباط ضد قيادات متعصبة دعت من فوق منابر مساجد معروفة، إلى عدم مصافحة المسيحيين وعدم قبول المشى خلفهم، وإزالة الصلبان وقباب الكنائس وحرمانهم من الجهر بشعائرهم، وفى خلفية المشهد جماعات سلفية خرجت من تحت جناح جهاز أمن الدولة، بعد أن استغلها ضد الإخوان والأقباط لتبدو كأنها تحررت من ظلم مزمن دون أن يجرؤ بعضها على الدفاع عن نفسه، فى تهمة تلقى ملايين من الخارج.. وهى تهمة لم تنكرها.. ولم تحاسب عليها. وفى نفس الخلفية قتلى من عينة عبود الزمر وعاصم عبدالماجد أصبحوا نجوما للمانشيتات الصحفية والفضائيات التى جعلت منهم أبطالاً.. وجعلوا من أنفسهم سياسيين تائبين يسعون للحكم بصندوق الانتخاب، بعد أن عجزوا عن الوصول إليه بالسلاح. وفى مكر لا يصعب إدراكه يحرك الإخوان الأمور فى اتجاه واحد.. مصلحتهم وحدهم.. إنهم يشعرون أنهم أمام فرصتهم الأخيرة للفوز بالسلطة بعد أن بدت قطوفها دانية، إن الجماعة لا تزال محظورة.. ليست لها شرعية قانونية.. وترفض الاكتفاء بالحزب الذى شكلته وأعلنته من قياداتها الدينية.. كى لا تجد نفسها خاضعة لحساب الأجهزة الرقابية التى ستسألها عن الملايين التى تنفقها.. من أين أتت؟.. وإلى أين ذهبت؟، ورغم كل الأحزاب السلفية والجهادية التى خرجت إلى النور لا يزال هناك من يقول إن القانون يمنع قيام أحزاب على أسس دينية، وفى اليوم التالى لموقعة ماسبيرو أصدر القضاء الإدارى حكما بإعلان حزب الجماعة الإسلامية.. ومن اسم الحزب يصعب إنكار أنه حزب دينى، فى هذا المناخ السياسى والإعلامى والدينى المتشدد والمتشنج كان من السهل أن يحدث ما حدث.. بل.. فى ظل المناخ نفسه فإن ما هو قادم أخطر وأسوأ وأشد. وربما أذيع سرا لو قلت إن السلفيين كانوا وراء فرض حظر التجول فى منطقة الأحداث فى نفس ليلة وقوعها.. لقد تجمع نحو خمسة آلاف سلفى فى ميدان مصطفى محمود كى يتحركوا فى اتجاه تجمع الأقباط لمواجهتهم.. فسعت أجهزة الأمن لوساطة من سلفيين عقلاء كى لا تصبح لترات الدم التى سالت بحورا تفيض.. وكان حظر التجول -كما تحدد زمانه ومكانه- هو الحل.

7

كانت لقطات معركة ماسبيرو محزنة.. مقبضة.. فهناك سيارات عسكرية محترقة.. جثث ضحايا ملقاة فى الشوارع ومداخل العمارات وطرقات المستشفى القبطى.. جرحى عاجزون عن النطق.. قوات أمن منهكة.. ساحات مغطاة بالطوب والحجارة الملوثة بالدماء.. لكن.. الأكثر ألماً هو أن القتال الشرس كان بين مصريين ومصريين.. بين أبناء وطن واحد.. فى سابقة مؤلمة لن يتركها التاريخ تمر بسهولة. إن الجيش الذى رفض إطلاق النار على متظاهرى الثورة وجد من يورطه فى استخدام مدرعاته فى مواجهة متظاهرى يوم السواد والشموع.. ويحتاج عقل أشد الناس غلظة وقتاً طويلاً ليستوعب كيف هاجمت سيارة مصفحة بشرا لا يغطى لحمهم شيئا.. لتعيد إلى الذاكرة الوطنية مشهد سيارة الأمن الشهيرة التى سبق أن فعلت الشيء نفسه فى الأيام الأولى للثورة.. ولتعيد للذاكرة الخارجية مشهد المدرعات الصينية وهى تسحل معارضى الحكم الديكتاتورى هناك. ولست قادراً حتى الآن على استيعاب أن سيارة عسكرية دهست رأس مواطن مصرى لا يهمنى معرفة ديانته أو مهنته أو عائلته.. يهمنى فقط مخه الذى اختلط بأسفلت الطريق.. وعظامه التى تحولت إلى بودرة تلك.. وحياته التى انتهت بآخر وسيلة قتل يتخيلها.. ونتوقعها. مشهد صعب قبوله أو تصديقه أو تخيله.. سيكون شهادة قاسية ضد المؤسسة العسكرية التى تعانى متاعب يفرضها عليها الكونجرس الأمريكي، كى لا تحصل على المعونة التى تتلقاها سنويا للتسليح والتحديث والتدريب وقطع الغيار.

8

لا يستمر الخريف فى واشنطن طويلا.. فسرعان ما يفرض عليه الشتاء برده القارس ليخفف من سخونة الأحداث السياسية التى تعيشها دائما العاصمة الأمريكية. وأنا هناك عرفت أن وفدا من غرفة التجارة المصرية الأمريكية برئاسة جمال محرم ويضم سبعة أعضاء غيره وصلوا واشنطن يوم السبت الماضي.. يوم أن غادرت الولايات المتحدة عائداً إلى مصر - ولولا ارتباطات هنا لكنت قد بقيت لمتابعة مهمتهم هناك، كانت زيارة الوفد هى الزيارة الثالثة بعد الثورة.. كانت الزيارة الأولى فى مارس.. والزيارة الثانية فى يونيه.. وهذه هى الزيارة التى عرفت أنها جاءت تلبية لرغبة المجلس العسكرى وبتنسيق مع شركات اللوبى الأمريكية التى تعمل لصالح الحكومة المصرية للضغط على الكونجرس والبيت الأبيض كى تصل إلى ما تريد، وفهمت من مسئولين تنفيذيين فى هذه الشركات أن الوفد المصرى له مهمتان.. الأولى: هى مواجهة رفض أعضاء فى الكونجرس استمرار المعونة العسكرية (1300 مليون دولار) وتحويلها إلى معونة اقتصادية.. فما دامت مصر على حد قولهم فى سلام مع إسرائيل فما حاجتها إلى جيش قوى؟، ويتصدر القائمة النائب اليهودى «انتونى وينر» الذى وصل بتطرفه إلى حد المطالبة بحظر المساعدات العسكرية لمصر تماما.. بينما اكتفى زميله «ديفيد أوباى» بخصم 200 مليون دولار من المعونة إذا لم يحدث إصلاح ديمقراطى حقيقى فى مصر.. وطالب فريق ثالث بأن يذهب الجزء المقتطع من المعونة العسكرية للإنفاق على دوريات حماية الحدود بين مصر وإسرائيل. وحسب قانون سابق جرى إقراره فإنه لا يجوز منح معونة عسكرية للدولة تستخدمها ضد شعبها.. وكانت السفارة الأمريكية فى القاهرة تفحص ملفات ضباط الجيش وضباط أمن الدولة المرشحين للسفر فى بعثات تدريبية لتطمئن إلى أن لا أحد منهم استخدم القوة ضد مواطن مصرى، ويحاول اللوبى اليهودى تمرير قانون يحمل رقم 696 وباسم قانون الإصلاح السياسى ومكافحة الإرهاب فى مصر وينص مشروعه الذى لم يجر التصويت عليه بعد «على حظر تقديم مساعدات عسكرية فى السنة المالية 2010 والسنوات التالية لها»، وستتولى شركات اللوبى التى تعمل مع مصر ترتيب لقاءات مع وفد الغرفة المصرية الأمريكية مع أعضاء الكونجرس، ليس فقط من أجل مواصلة تدفق المعونة العسكرية وإنما ايضا بحثاً عن فرص مناسبة للاقتراض.. ففى مصر أزمة سيولة يمكن وصفها بأنها حادة.. لا نجاة منها سوى بالاقتراض.. ولأن فائدة الاقتراض على الدولار أقل من ربع الفائدة على الاقتراض بالجنيه، فإن الحل يمكن أن يكون فى الخارج، وكان المجلس العسكرى قد رفض شروط البنك الدولى للاقتراض وقدم مليار جنيه قرضا بلا فائدة من مدخراته.. وفى الوقت نفسه هناك -على ما يبدو- شروط أفضل يمكن الحصول عليها من صندوق النقد الدولى أو من مؤسسات مالية أخرى.. وهذا ما يجرى البحث عنه فى واشنطن الآن.

9

فى مجلة «بوليتكو «الأمريكية تناول المحلل الاستراتيجى «جين ديماجيو» ما وصفه بالمستقبل الغامض لمبيعات الأسلحة الأمريكية لمصر.. خاصة إذا جاءت حكومة فى مصر ليست على هوى الولايات المتحدة، والمقصود بحكومة ليست على الهوى الأمريكى، حكومة متطرفة دينيا.. بجانب شرط آخر هو حماية الأقليات.. وهو ما يجعل الأحداث الأخيرة تلقى بظلالها على قضية المعونة العسكرية.. ومن ثم فإن مشهد السيارة العسكرية التى راحت تفرق المتظاهرين الأقباط سيكون مشهداً مغرياً لخصوم مصر فى الكونجرس من النواب اليهود، ويتوقع «جين ديماجيو» أن تؤثر الاضطرابات التى تحدث فى مصر على عقود بمليارات الدولارات بين الحكومة المصرية وشركات السلاح الأمريكية.. فالسياسة هنا أهم من البيزنس. لكن.. مساعد وزير الدفاع الأسبق «أريك ايدلمان» يرى أن كل شىء سيبقى على حاله «فليس هناك سبب يدعو للعكس». وأغلب الظن أن المباحثات التى عقدت مؤخرا بين قادة الجيش المصرى ووزير الدفاع الأمريكى «روبرت جيتس» ورئيس الأركان «مايكل مولن» كانت بهدف طمأنة الجانب المصرى ببقاء الأمر على ما هو عليه.. وإن كانت هذه الطمأنة سابقة على الأحداث الأخيرة.. وهو ما يعنى أن مصر فى حاجة لممارسة مزيد من الضغوط بأكثر من وفد مصرى كى تصل إلى ما تريد، وطبقا لتقرير مركز بحوث الكونجرس فإن مصر اشترت من الولايات المتحدة بضائع بما يزيد على 12 مليار دولار، بما فيها الأسلحة التى ضمت صواريخ هيلفاير وبلاك هوك وهيلكوبتر أباتشى وغيرها. وليست المشكلة فى المعونة نفسها فالقوات المسلحة المصرية لديها مدخرات مالية بقيمة عشر سنوات من المعونة لكن المشكلة أن توافق الحكومة على بيع الأسلحة وقطع الغيار ولو نقدا.. فهم -على حد قولهم- لا يبيعون لنا الطائرات فقط، لكن يبيعون لنا أجزاء من الطائرة.. بجانب التحديث الدورى لها.. والتدريب عليها.. ومن ثم لا تتردد الولايات المتحدة فى استخدام نبرة التهديد، بقطع المعونة عن مصر لو تزايد عداء الحكومة لها، لكن من الصعب فى الوقت نفسه - إنكار حاجة الولايات المتحدة لمصر.. فعلى حد تعبير «جريم بانرمان» -الخبير فى معهد الشرق الأوسط ومؤسس شركة استشارات بانرمان- فإن مصر ساعدت الولايات المتحدة فى كل شىء تقريباً.. بداية من تبادل المعلومات والتعاون المخابراتى، مرورا بمناورات النجم الساطع التى ساعدت الجيش الأمريكى على تدريبه فى المناخ الصحراوى للحرب قبل حرب الخليج الأولي.. كما أن الولايات المتحدة تتمتع بميزة الإبلاغ المتأخر عن مرور سفنها فى قناة السويس.. فالسفن العسكرية لا تحتاج سوى يوم واحد للإبلاغ.. بينما السفن العسكرية للدول الأخرى تحتاج إلى أشهر، ويضيف بانرمان: إن الأمريكيين ينظرون إلى الجيش المصرى على أنه القوى الوحيدة التى تضمن انتقال السلطة فى المرحلة القادمة.. وأنه المؤسسة الوحيدة القادرة على العمل بكفاءة وسط الفوضى القائمة.. فهو جزء من الحل وليس جزءاً من المشكلة.. وإن كانت الحكومة الأمريكية تتصرف بحذر خشية أن تبدو وكأنها معارضة لإرادة الشعب.

10

طلبت حوارا مع البابا شنودة يعبر به عن مشاعره بعد ما حدث فى ماسبيرو.. لكنه رد برسالة بليغة من كلمات معدودة لخص بها ما كان من الصعب على ساعات طويلة أن تقوله. قال: «فى ذهنى كلام كثير لأقوله.. وفى قلبى كلاما أكثر من هذا.. لكنى أفضل أن أصمت.. لكى يتكلم الله».

mardi 4 octobre 2011

هام : المقال الذي تسبب في تأخر طباعة العدد الاسبوعي من الفجر

13

عادل حمودة يكتب: سؤال ليلة قصر النيل: هل يصبح المشير رئيسًا؟

ظهور المشير لدقائق في وسط البلد فتح باب التخمينات بأنه يرشح نفسه للحكم خاصة أنه زار المكان بزيه المدني

أدفع نصف عمري وأعرف ما دار في عقل المشير حسين طنطاوي لحظة أن قرر النزول من سيارته السوداء مساء الاثنين الماضي ومشي وسط القاهرة وصافح بشرا تصادف مرورهم وتحدث معهم بما وصف بالود والترحاب. 

وربما كان السؤال: هل كانت الزيارة الخاطفة مهمته المباشرة.. أم أنها جاءت عابرة.. فكر فيها لحظتها؟

إن الرواية المتوقعة أنه كان يحضر حفل زفاف في نادي السيارات وفي اللحظة التي كاد فيها يركب سيارته فكر في أن يتمشي بمفرده قليلا.. فكان ما كان. 

ولابد أن المكان دخل طرفا في الحوار الذي دار بينه وبين نفسه.. فهو موقع الثورة.. وموضع تأثيرها.. ومسرح أحداثها.. بل أكثر من ذلك يستعد المكان لجمعة ساخنة.. ربما كان الرجل نفسه هدفا لها.. بعد أن شاع أنه ينقذ مبارك من حبل المشنقة في تهمة قتل المتظاهرين.. فهل كانت الزيارة العابرة الخاطفة للمنطقة ولقاء المارة والحوار معهم نوعا من التأييد الفوري له.. ورسالة صامتة لمن هاجموه ــ علي المواقع الاجتماعية الإلكترونية ــ بعد شهادته الأخيرة.. رسالة تقول: إنه إذا كان البعض يختلف معه فإن البعض الآخر يتفق عليه.. إذا كانت قوي سياسية تعارضه فإن فئات شعبية تسانده؟

لو كان ذلك هدفا فإنه تحقق لبعض الوقت.. ثم انقلب فيما بعد.. فقد وجدها منتقدوه فرصة كي يزيدوا من هجومهم عليه.. واختلافهم معه.. وإن كان الرجل حسب ما أعلم واسع الصدر.. سبق أن تسامح في قضية ناشطة معروفة وصلت إلي النيابة العسكرية قبل أن تغلق، والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولي التي ينزل فيها المشير إلي الشارع.. لقد نزل بملابس الميدان وقت الثورة والتقي جنوده الذين كانوا يحمون مبني التليفزيون.. وكانت الأحداث في ذروتها. 

وما إن انتهي عمر سليمان من قراءة بيان تنحي مبارك ــ الذي صاغه المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية ــ حتي صافحهما المشير وغادر مقر المجلس العسكري متجها إلي التحرير.. لكن.. الحشود التي سدت الطرقات جعلته يكتفي بالبقاء في منطقة مصر الجديدة.

أما الزيارة الأخيرة فكانت بملابس مدنية.. ودون حراسة.. أو إجراءات أمنية.. ربما ليدلل بذلك علي أن البلاد آمنة رغم كل ما ينشر ويقال عن البلطجة والخطف والسرقة المسلحة وعصابات قطع الطرق.. ربما لأنه يعرف أن مثل هذه الزيارة ستلقي اهتماما شعبيا وإعلاميا يغطي علي ما سبقها.. وهو ما يريده بعد العبارات العنيفة التي تعرض لها علي شبكات الفيس بوك وملخصات التويتر.

وما ضاعف من تأثير المشهد الأخير أن الإعلام نفخ في صورته.. خاصة التليفزيون الرسمي الذي وزع فيلما قصيرا ــ قيل إن مواطنا التقطه للمشير وسط الناس ــ علي كل برامجه ونشراته التي راحت تعيد وتزيد في عرضه.. وفي ظل سوء النية الذي يسيطر علي الجميع لم يمر المشهد مرور الكرام.. بل وضع صاحبه وبطله ونجمه المتميز ــ الذي لا نراه إلا قليلا ولا نسمعه إلا نادرا ــ في مرمي نيران الاحتمالات والتخمينات والتخيلات.

كان أولها أن الزي المدني الذي ظهر به يرشحه للحكم.. ويقدمه للشعب رئيسا.. مثله مثل كل من حكموا مصر منذ ثورة يوليو 1952.. والغريب أن ذلك الرأي المتخيل فرض نفسه بقوة رغم تأكيد المشير أكثر من مرة أنه هو والمجلس العسكري لن يبقوا في السلطة بعد تسليمها لرئيس منتخب من الشعب.. لكن.. في الوقت الذي تتزايد فيه مخاوف الناس من مستقبل مظلم يسوده الاضطراب وغياب الشعور بالأمان نجد من يطالب ببقاء العسكريين في السلطة مع تشديد قبضتهم.. وهو ما ترفضه بالقطع التيارات السياسية المختلفة التي تصر علي انتخابات برلمانية ورئاسية وعودة الجنرالات إلي ثكناتهم. 

ويستشهد الخائفون من الحكم العسكري بالسيناريو الذي جري بعد ثورة يوليو.. فقد فشلت القوي السياسية في التوافق.. وعجزت عن الاتفاق علي خارطة طريق.. ومع فوضي الإضرابات والاضطرابات تدخل مجلس قيادة الثورة لإلغاء الأحزاب.. ونسي الدستور الذي كان يعد.. وأعدم قيادات عمالية (خميس والبقري).. وتولي قيادة البلاد.. فجاء جمال عبد الناصر رئيسا.. ومن يومها والحال علي ما هو عليه. 

ويبرر ذلك في نظر غالبية من المصريين تراخي الجيش في التصدي بحزم للخارجين علي القانون وكأنه يجد فيما يحدث ذريعة كي يبقي ويستمر.. بل إن هناك من يتوقع أن يلغي العسكريون الانتخابات البرلمانية فور سقوط قتلي في لجانها.. لتكون حجة توليهم السلطة مناسبة.

لقد فتحت الدقائق المعدودة التي قضاها القائد العام للقوات المسلحة في شارع قصر النيل الباب أمام هذه الاجتهادات وغيرها.. وليس هناك دليل يدعمها.. أو ينفيها.. لكن.. من المؤكد أنها تعكس حالة من القلق الشعبي.. والفشل السياسي.. والعجز الأمني.. والخوف الجماعي.

إن أبسط حركة تأتي من المسئول الأول عن حكم البلاد الآن لن تمر بسهولة مهما كانت عفوية وغير مقصودة.. فعندما لا يعرف أكثر الناس خبرة وحنكة ما الذي يحدث في مصر فإن كل شئ مباح

mercredi 28 septembre 2011

عادل حمودة يكتب: هل يصبح المشير رئيسًا؟

30

ظهور المشير لدقائق في وسط البلد فتح باب التخمينات بأنه يرشح نفسه للحكم خاصة أنه زار المكان بزيه المدني

أدفع نصف عمري وأعرف ما دار في عقل المشير حسين طنطاوي لحظة أن قرر النزول من سيارته السوداء مساء الاثنين الماضي ومشي وسط القاهرة وصافح بشرا تصادف مرورهم وتحدث معهم بما وصف بالود والترحاب. 

وربما كان السؤال: هل كانت الزيارة الخاطفة مهمته المباشرة.. أم أنها جاءت عابرة.. فكر فيها لحظتها؟

إن الرواية المتوقعة أنه كان يحضر حفل زفاف في نادي السيارات وفي اللحظة التي كاد فيها يركب سيارته فكر في أن يتمشي بمفرده قليلا.. فكان ما كان. 

ولابد أن المكان دخل طرفا في الحوار الذي دار بينه وبين نفسه.. فهو موقع الثورة.. وموضع تأثيرها.. ومسرح أحداثها.. بل أكثر من ذلك يستعد المكان لجمعة ساخنة.. ربما كان الرجل نفسه هدفا لها.. بعد أن شاع أنه ينقذ مبارك من حبل المشنقة في تهمة قتل المتظاهرين.. فهل كانت الزيارة العابرة الخاطفة للمنطقة ولقاء المارة والحوار معهم نوعا من التأييد الفوري له.. ورسالة صامتة لمن هاجموه ــ علي المواقع الاجتماعية الإلكترونية ــ بعد شهادته الأخيرة.. رسالة تقول: إنه إذا كان البعض يختلف معه فإن البعض الآخر يتفق عليه.. إذا كانت قوي سياسية تعارضه فإن فئات شعبية تسانده؟

لو كان ذلك هدفا فإنه تحقق لبعض الوقت.. ثم انقلب فيما بعد.. فقد وجدها منتقدوه فرصة كي يزيدوا من هجومهم عليه.. واختلافهم معه.. وإن كان الرجل حسب ما أعلم واسع الصدر.. سبق أن تسامح في قضية ناشطة معروفة وصلت إلي النيابة العسكرية قبل أن تغلق، والحقيقة أن هذه ليست المرة الأولي التي ينزل فيها المشير إلي الشارع.. لقد نزل بملابس الميدان وقت الثورة والتقي جنوده الذين كانوا يحمون مبني التليفزيون.. وكانت الأحداث في ذروتها. 

وما إن انتهي عمر سليمان من قراءة بيان تنحي مبارك ــ الذي صاغه المستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية ــ حتي صافحهما المشير وغادر مقر المجلس العسكري متجها إلي التحرير.. لكن.. الحشود التي سدت الطرقات جعلته يكتفي بالبقاء في منطقة مصر الجديدة.

أما الزيارة الأخيرة فكانت بملابس مدنية.. ودون حراسة.. أو إجراءات أمنية.. ربما ليدلل بذلك علي أن البلاد آمنة رغم كل ما ينشر ويقال عن البلطجة والخطف والسرقة المسلحة وعصابات قطع الطرق.. ربما لأنه يعرف أن مثل هذه الزيارة ستلقي اهتماما شعبيا وإعلاميا يغطي علي ما سبقها.. وهو ما يريده بعد العبارات العنيفة التي تعرض لها علي شبكات الفيس بوك وملخصات التويتر.

وما ضاعف من تأثير المشهد الأخير أن الإعلام نفخ في صورته.. خاصة التليفزيون الرسمي الذي وزع فيلما قصيرا ــ قيل إن مواطنا التقطه للمشير وسط الناس ــ علي كل برامجه ونشراته التي راحت تعيد وتزيد في عرضه.. وفي ظل سوء النية الذي يسيطر علي الجميع لم يمر المشهد مرور الكرام.. بل وضع صاحبه وبطله ونجمه المتميز ــ الذي لا نراه إلا قليلا ولا نسمعه إلا نادرا ــ في مرمي نيران الاحتمالات والتخمينات والتخيلات.

كان أولها أن الزي المدني الذي ظهر به يرشحه للحكم.. ويقدمه للشعب رئيسا.. مثله مثل كل من حكموا مصر منذ ثورة يوليو 1952.. والغريب أن ذلك الرأي المتخيل فرض نفسه بقوة رغم تأكيد المشير أكثر من مرة أنه هو والمجلس العسكري لن يبقوا في السلطة بعد تسليمها لرئيس منتخب من الشعب.. لكن.. في الوقت الذي تتزايد فيه مخاوف الناس من مستقبل مظلم يسوده الاضطراب وغياب الشعور بالأمان نجد من يطالب ببقاء العسكريين في السلطة مع تشديد قبضتهم.. وهو ما ترفضه بالقطع التيارات السياسية المختلفة التي تصر علي انتخابات برلمانية ورئاسية وعودة الجنرالات إلي ثكناتهم. 

ويستشهد الخائفون من الحكم العسكري بالسيناريو الذي جري بعد ثورة يوليو.. فقد فشلت القوي السياسية في التوافق.. وعجزت عن الاتفاق علي خارطة طريق.. ومع فوضي الإضرابات والاضطرابات تدخل مجلس قيادة الثورة لإلغاء الأحزاب.. ونسي الدستور الذي كان يعد.. وأعدم قيادات عمالية (خميس والبقري).. وتولي قيادة البلاد.. فجاء جمال عبد الناصر رئيسا.. ومن يومها والحال علي ما هو عليه. 

ويبرر ذلك في نظر غالبية من المصريين تراخي الجيش في التصدي بحزم للخارجين علي القانون وكأنه يجد فيما يحدث ذريعة كي يبقي ويستمر.. بل إن هناك من يتوقع أن يلغي العسكريون الانتخابات البرلمانية فور سقوط قتلي في لجانها.. لتكون حجة توليهم السلطة مناسبة.

لقد فتحت الدقائق المعدودة التي قضاها القائد العام للقوات المسلحة في شارع قصر النيل الباب أمام هذه الاجتهادات وغيرها.. وليس هناك دليل يدعمها.. أو ينفيها.. لكن.. من المؤكد أنها تعكس حالة من القلق الشعبي.. والفشل السياسي.. والعجز الأمني.. والخوف الجماعي.

إن أبسط حركة تأتي من المسئول الأول عن حكم البلاد الآن لن تمر بسهولة مهما كانت عفوية وغير مقصودة.. فعندما لا يعرف أكثر الناس خبرة وحنكة ما الذي يحدث في مصر فإن كل شئ مباح

mardi 13 septembre 2011

كل رجال الرئيس : رشدى صبحى تاجر السلاح الذى كان يعمل لمصلحة النظام فى الخفاء

71

بدأ فى عصر السادات.. وامتدت أعماله إلى عصر مبارك

■ رشدى صبحى

أحد أكبر تجار السلاح فى الشرق الأوسط

■ بدأ موظفاً فى الحكومة فى عهد السادات

■ صاحب مشروع هضبة الهرم وامتياز أرض المقطم وصاحب شركة «هبى تورز»

كان الابن يهوى ركوب الخيل والعربات المسرعة.. ركب طائرته الخاصة مع أصدقائه لعمل مغامرة فى الهند، لكن الطائرة تحطمت وتحطم قلب الأب.. الشاب كان «كريم» أما الأب فكان «رشدى صبحي» أكبر تاجر سلاح عرفته منطقة الشرق الأوسط.. وكان قريبا جدا من كل دوائر السلطة فى مصر.

كل نظام فى العالم لديه رجال يعملون لمصلحته فى الخفاء، وهؤلاء غالبا ما يعملون فى تجارة السلاح أو يقومون بتهريب الأموال.. كان رشدى لطيفاً ومتواضعاً ولديه قدرة على أن يكون شخصاً اجتماعياً.. يعرف كيف يجمع الناس حوله ويكسب ودهم.. مثله فى ذلك مثل أى تاجر يعمل فى تجارة ممنوعة أو فى تجارة الموت.. دائما ما تجده يعمل خدمات لأهل دائرته.. لأنه يكون محتاجا لدعمهم وحمايتهم.

بدأ رشدى صبحى حياته موظفا بسيطا لكنه رفض العمل الميري.. واحترف تجارة السلاح بعد أن دخل فى مجموعة من التجارات الأخرى.. كبر اسمه ونما فى عهد السادات.. وقد أهدى السادات مجموعة من السيارات المرسيدس المصفحة.. وكانت رئاسة الجمهورية وقتها فقيرة لا تحصل على مصاريف سرية ولا مخصصات ولا تأخذ من دخل قناة السويس ولا تقبل هدايا أو عطايا من الملوك والأمراء العرب.

المدهش أنه بعد مظاهرات الطعام التى حدثت فى 18 و19 يناير 1977 تعرضت مصر لأزمة اقتصادية فعرض البنك الدولى قروضاً على مصر.. لكنه اشترط أن يكون هناك شخص ضامن للحكومة المصرية، وطلبوا من رشدى صبحى أن يكون الضامن.. فقبل وأصبح ضامنا لحكومة السادات لدى الغرب.

منحه السادات بسبب موقفه هذا مشروعين.. الأول هو مشروع هضبة الأهرامات فى منطقة حرم الآثار عند أجمل وأخطر منطقة لعمل منتجعات أثرية، وغضب المثقفون وقادت غضبهم الكاتبة نعمات أحمد فؤاد.. فعوضه السادات ومنحه امتياز أرض المقطم وأخذ حق عمل أول كازينوهات للقمار فى مصر، وبدأ رشدى يقسم الأرض التى حصل عليها ويجنى الأرباح.

وأهم ما يمكن أن يقال عن رشدى صبحى أن كل رجال الأعمال الذين نراهم ارتبطوا به بشكل أو بآخر.. ففى الخمسينيات أنشأ شركة «هابى تورز» وكان شركاؤه فى الشركة كل من: سامى سعد.. أمين فخرى عبد النور.. مكرم كمال عثمان.. محمد نصير التلميذ النجيب له.. وهو الذى ساعده حتى يؤسس شركات تتاجر فى السلاح.. وكانت أول شركة كونها نصير هى «جيزا سيستم» للتكنولوجيا.. ثم بعد ذلك كون شركة «ألكان» لتوكيلات السلاح.

من بين شركاء رشدى صبحى فى هابى تورز كان كمال عتمان، وقد ساعده رشدى فى أن يحصل على أول مقاولة عمومية لمترو أنفاق مصر.. ولم يكن رشدى يتوقف عن الحديث عن شريكه سامى سعد، لأنه كان لا ينام فى أى عملية مقاولات يقوم بها حتى أصبح عنده توكيل مرسيدس.

المضحك أن أصدقاء رشدى صالح عندما كانوا يجلسون معه، ويتحدثون عن صفقة المرسيدس الشهيرة التى ارتبطت بما عرف إعلاميا برشوة مرسيدس ولم يكن أحد يعرف من الذى حصل على هذه الرشوة.. كان صبحى يضحك لأنه كان يعرف السر.. من بين أصدقاء رشدى صبحى أيضا كان صبحى غالى وهو رجل الأعمال الوحيد الذى كان يملك سيارة رولزرويس ملاكى اسكندرية رقم 700 أيام جمال عبد الناصر.. وفى بدايته أنشأ عددا من الشركات وتعثر بسبب دخول بعض التوكيلات الأجنبية.. وتدخل رشدى صبحى واشترى منه بعض الشركات باسم ابنه فى محاولة منه لإنقاذه أو تعويمه.

عندما تزوجت دينا ابنته من عادل نصيف فى لندن.. حرص أبوها أن يكون حفل الزفاف فى فيللته بلندن وأن يكون الحفل بسيطاً.. وقد شاهد المصريون جميعا هذه الفيللا فقد تم تصوير إعلان سر شويبس فيها.. وهو الإعلان الذى كان ينفذه طارق نور لصالح سامى سعد.. وقدم الإعلان الممثل الراحل حسن عابدين.

على باب الفيللا وقف أصحاب الفرح ليستقبلوا الضيوف.. وكان من بينهم أشرف مروان وكمال أدهم.. وكانت الهدايا بسيطة جدا بالنسبة لهم.. ظرف فيه شيك بـ 250 ألفاً أو 500 ألف دولار.

أسس رشدى صبحى لزوج ابنته بنكا لكنه تسبب فى إفلاسه.. كان هدف رشدى من تأسيس البنك أن يأخذ منه غطاء لهابى تورز.. وللسفريات التى يقوم بها رشدى ولأسراره.. لكن عادل نصيف دخل فى صفقات سكر وأشياء أخري.. وخسر خسائر بمئات الآلاف من الدولارات.

كل رجال الرئيس : حسين سالم نديم الرئيس الذى باع مصر لإسرائيل فى صفقة غاز

70

هو الصندوق الأسود لأسرار وأموال مبارك وعائلته

■ حسين سالم

■ تاريخ الميلاد: 1928

■ مكان الميلاد: سيناء

■ المهنة: رجل أعمال

■ الجنسية: إسبانى - مصرى

بدا المشهد من بعيد هكذا.. جمال مبارك يقف مع حسين سالم وبينهما شد وجذب يصل إلى درجة الخناق على عمولة صفقة الغاز.. وهل هى 4% أم 5%.. كانت الخناقة عنيفة جدا خاصة أن جمال كان عصبياً وسريع الغضب.

بالقرب منهما وقف علاء مبارك يلطف الأجواء المشتعلة.. وفجأة طلب محمد ابن علاء مبارك آيس كريم من نوع معين، ولما لم يكن هذا النوع موجودا إلا فى باريس.. فقد توقفت المشاجرة وركبوا جميعا طائرة خاصة ليشتروا الآيس كريم لمحمد حفيد الرئيس الذى كان حسين سالم صديقه المقرب (الرئيس وليس الحفيد بالطبع).

كان لكل رئيس مصرى مدينة صيفية يفضلها.. عبد الناصر كان يفضل الإسكندرية.. السادات كان يعشق جزيرة الفرسان بالإسماعيلية.. أما مبارك فكان يهوى ويعشق شرم الشيخ.

وكما كان لكل رئيس مدينته المفضلة.. أيضاً كان لكل رئيس نديمه.. خفيف الظل الذى يعرف أكبر كمية من النكات السياسية والاجتماعية وربما البذيئة أيضا.. وكان النديم فى حياة مبارك هو حسين سالم الذى كان يستطيع فى لحظات قليلة أن يخرج مبارك من حالة إلى حالة.. وبكلمات قليلة جدا.

حسين من بدو سيناء.. أصله من هناك.. ينتمى إلى إحدى قبائلها.. الغريب أنه ورغم إصابته بشىء غريب فى إحدى عينيه إلا أنه عمل موظفا فى المخابرات العامة، وخدم إلى جوار أمين هويدى عندما كان وزيرا.. وعمل فى مناطق مختلفة منها العراق والإمارات.. وعندما حدثت له مشاكل فى الإمارات وألقى القبض عليه تم إنقاذه بسبب علاقاته القوية مع رجال الحكم فى الإمارات.

يمتلك حسين سالم 7 آلاف غرفة فى شرم الشيخ.. لديه أيضا محطات تحلية للمياه.. وفى فندقه الموفنبيك كان يتواجد كل رجال الرئيس فى الأعياد والمناسبات الخاصة.

نزلت أنا وعائلتى فى هذا الفندق مرة واحدة.. كانت هى المرة الأولى والأخيرة.. فقد كنت وأنا أتحرك فى الفندق مضطرا للسلام على بعض الشخصيات، وهو ما كان يضيع الإجازة كما أننى كنت مضطراً لمقابلة شخصيات لا يصح أن تراها دون أن تسلم عليها.

كانت تحدث أشياء غريبة فى شرم الشيخ.. مرة طلب الملك عبد الله عاهل السعودية أن يبنى قاعة مؤتمرات فى المدينة على أساس أنها أصبحت مدينة مؤتمرات.. فقال له حسين سالم ولماذا تبنى من الأساس.. لدينا قاعة جاهزة، حصل حسين على 190 مليون جنيه مقابل القاعة.. رغم أنها لا تساوى أكثر من 60 مليوناً.

من الصعب أن نظن أن حسين سالم كان يقوم بذلك لحسابه الخاص.. فالرجل ومن خلال سيرته وتاريخه مؤكد أنه الصندوق الأسود لكل أسرار وعلاقات عائلة مبارك سواء فى مصر أو خارجها.

أهم ما ينسب لحسين سالم هو صفقة بيع الغاز لإسرائيل.. وكنت أول من كشفها.. وتتلخص فى أن تل أبيب لا تحصل على الغاز بشكل مباشر ولكن عن طريق شركة وطنية تعمل كوسيط.. تشترى الشركة الغاز بـ دولار ونصف الدولار.. ثم تبيعه لإسرائيل، وهنا لا يستطيع أحد أن يتكلم لمدة 15 سنة كاملة.. رغم أن السعر أقل من السعر العالمى.

وهنا أكشف سراً لأول مرة، فعندما عرف مبارك تفاصيل هذه الصفقة قال لمن حوله: هذا كلام فارغ.. وقد قاد رشيد محمد رشيد مفاوضات مع حسين سالم.. وانتهت المفاوضات بأن تدفع إسرائيل 3 دولارات بأثر رجعى.

اشتعلت الحرب ضدى بعد أن كشفت الغطاء عن صفقة الغاز.. حاولوا كثيرا أن يثنونى عن الكتابة.. ووجدت حسين سالم يتصل بى ويسألني: مش نازل شرم قريب؟.. فكنت أهرب منه، وحضرت مرة مؤتمراً اقتصادياً حضره جورج بوش الابن مع مبارك، وحدث الهجوم المتبادل بين الرئيسين.

قابلت حسين سالم فى المؤتمر ووجدته يسألني: مش عاوز عربية؟ مش عاوز أوتيل؟ شعرت بالحرج، حاول معى بكل الطرق.. ولما فتح لى بات للمعلومات عما يدور فى المؤتمر أنصت إليه، لكن لم يكن لهذه المعلومات التى حصلت عليها أى ثمن لدي.

فى 2010 ولأن حسين سالم كان ذكياً جدا.. كان يشعر أن مبارك لن يستمر.. لذلك باع فندق موفنبيك لناصر عبداللطيف بـ 80 مليون دولار.. نشرت الخبر.. وكان هذا نذير خطر، فالرجل الذى يعتبره مبارك ظله يصفى أعماله.. شعر مبارك بالخطر الشديد.. وأجبره على إعادة الفندق مرة أخرى.

الغريب أنه رغم هذه العلاقة القوية التى كانت بين مبارك وحسين سالم إلا أن جمال مبارك لم يكن يحب سالم.. وكان كلما يرى مشروعا جديدا له فى شرم الشيخ يقول لمن حوله «هدوه».. وأغلب الظن أن ما يجرى كان لونا من ألوان الغيرة من شخص عصبى ضد شخص يفوقه ذكاء وبمراحل.

كان حسين سالم ذكيا للغاية.. وكانت له طريقة غريبة فى البيزنس.. كانوا يطلقون عليه «رجل النصف ساعة الأولى».. فهو يدخل أى مشروع ويصبح المقاول ويأخذ العمولات ثم يصبح شريكا.. وبعد ذلك يترك المشروع للدولة.. وبالفعل وكما قال فله فى شركات كثيرة نسبة 5% فقط.. وإن كان هذا يعطينا إشارة إلى أن بقية الشركات والتى تمثل 95 % تملكها عائلة مبارك.

حسين سالم كانت له تصرفات غريبة.. فمن بين ما يحكى عنه أنه ترك لابنه خالد العمل فى بيزنس صغير هو إصلاح الطائرات.. وكان قد نجا ابنه من حادث مروع تهشمت فيه سيارته، أخذه إلى سويسرا ليعالجه هناك.. وحتى يضمن حسين سالم أن يمن الله على ابنه بالشفاء الكامل.. قام ببناء مسجد فى شرم الشيخ وظل يبكى فيه طويلا.. وقد شفى خالد تماما.. لكن هل بنى حسين سالم قصره من فلوس حلال.. وهل يمكن أن يبنى الله له قصراً فى الجنة مقابل بنائه للمسجد فى شرم الشيخ؟

الأغرب أننى كنت مرة فى شرم الشيخ وسهرت فى مكان مع أحد الأصدقاء.. وكان فيه مغنية رومانية اسمها ماريا.. فارعة الطول وجذابة.. وعرفت بعد ذلك أن حسين سالم تزوجها وسافرت إلى بوخارست وهناك بنى لها مولا تجارياً ضخما باسمها كلفه 200 مليون جنيه.

كل رجال الرئيس : عصام شرف .. عضو أمانة سياسات جمال مبارك رئيسًا لوزارة الثورة

69

لم يحارب فسادًا.. ولم يعترض على تجاوز عندما كان وزيرًا للنقل

الاسم :  عصام عبد العزيز شرف

تاريخ الميلاد: 1952

مكان الميلاد: الجيزة

المهنة: رئيس وزراء مصر

كان وزير نقل فى حكومة نظيف

تدرج فى المناصب كأستاذ لهندسة الطرق جامعة القاهرة ثم أستاذ مساعد

حاصل على جائزة الدولة التشجيعية ثلاث مرات

النمر.. السفاح.. الطاووس.. المنجز.. كانت هذه كلها ألقاب تطلق على رؤساء الوزارات.. ألقاب تدل عليهم وعلى نفوذهم.. وما يقومون به من أعمال صعبة ومرهقة وما ينجزونه من مشروعات كبيرة.. وكان مضحكا ومؤسفا فى الوقت نفسه أن أسمع لقب «البسكوتة» يطلق على رئيس وزراء.. وهو ما فعله الدكتور يحيى الجمل نائب رئيس الوزراء السابق وهو يتحدث عن رئيس وزراء الثورة الدكتور عصام شرف.

لقد نجحت الثورة التى قام بها ملايين الشباب.. الذين قدموا أفكارا جديدة ورؤى جديدة ليس فى السياسة فقط ولكن فى الحياة بشكل عام.. وكان مهما أن يتم اختيار من يدير البلاد فى هذه المرحلة.. وكانت المشكلة أنه لم يخرج أحد من الثوار ليتولى القيادة.. فكلهم شباب.

قبل أن يتنحى مبارك كان قد عين أحمد شفيق رئيسا للوزراء.. وكانت للرجل إنجازات واضحة فى المطار.. ويمكن أن نعتبره التلميذ النجيب لمبارك عندما كان قائدا للقوات الجوية.. فقد نجح وإلى حد بعيد فى عزل هذا السلاح عن الجيش باعتباره ملكية خاصة للرئيس.

وهنا سر أعتقد أنه ينشر للمرة الأولى، فقد كانت عائلة الرئيس تميل إلى أن يتولى أحمد شفيق منصب نائب الرئيس بدلا من عمر سليمان، لأنهم كانوا على ثقة أنه سيسلم المنصب بعد ذلك لجمال مبارك.. لكن حتى وجود أحمد شفيق كرئيس للوزراء أغضب الثوار ولم يسكتوا عليه إلا بعد أن رحل.. ولا فرق بعد كونه قدم استقالته أو أن هناك من أجبره على ذلك.

لكن ما هو الفارق بين أحمد شفيق وعصام شرف؟

من الناحية الشكلية إذا كان أحمد شفيق حلف اليمين أمام مبارك، فعصام شرف فى وقت من الأوقات حلف اليمين أمام مبارك عندما تولى وزارة النقل فى منتصف العام 2004.. ومن الناحية الشكلية أيضا هناك فارق لصالح أحمد شفيق الذى لم يكن عضوا فى أمانة السياسات.. بينما كان شرف عضوا فيها.. ولا أدرى على أى أساس اختاره الثوار.. هل كانوا يجهلون أنه كان عضوا فى أمانة السياسات؟

حقيقة الأمر فإن عصام شرف رجل طيب ومحافظ ومتدين.. تغلب عليه طبيعته الرومانسية.. وهو ما جعل كثيرين يصفونه بأنه لم يكن قويا بما فيه الكفاية ولا قادرا على اتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب.. وإذا عرفنا أن كل وزراء شرف لا يقدمون ولا يؤخرون فهو أمر طبيعى.. فإذا كان رب البيت بالدف ضاربًا.

وهناك من المواقف ما يؤكد ذلك.. ففى أحد اجتماعات مجلس الوزراء طلب منه أن يأخذ قرارا بالأمر المباشر لشراء سيارات للشرطة.. فخاف أن يحاسب فيما بعد.. ولم يهتم بأن البلطجية يهاجمون أقسام الشرطة بالفعل.

أما الموقف الثانى فقد وافق المجلس العسكرى من حيث المبدأ على أن تحدث تسوية مع رجال الأعمال الشرفاء الذين لم يتورطوا فى قضايا خيانة.. لكنه قال لا.. ولا أدرى لماذا؟ فهناك طول الوقت حالة من النفاق للشارع وللإعلام بلا مبرر.

عندما كان عصام شرف وزير نقل لم يدافع أبدا عن صلاحياته أو اختصاصاته.. فالطرق والكبارى كانت تحت سيطرة إبراهيم سليمان.. والطيران فى يد أحمد شفيق.. ولم نعرف له تخصصا ولا ما الذى يجب أن يكون مسئولا عنه.. قلنا النقل البحرى فقيل إن من أخرجه من الوزارة كان ممدوح اسماعيل.. وهو ما لم يكن صحيحا فقد خرج من الوزارة فى ديسمبر 2005 ومصيبة العبارة حدثت فى فبراير 6002.. ما آلمنى فعلا أننى عندما سألته عن ممدوح اسماعيل أنكر أنه يعرفه تماما.

فى الوقت الذى كان فيه عصام شرف وزيرا للنقل كانت هناك جريمة تحدث ولم يفتح فمه ولو بكلمة واحدة.. وهى جريمة ميناء العين السخنة، كان هناك شخص مجهول.. قبطان بحرى أردنى اسمه أسامة الشريف، منحته عائلة مبارك امتيازا على البحر الأحمر لميناء السخنة لمدة 25 سنة.

كون الشريف شركة للإدارة ودفعت الحكومة 200 مليون جنيه ليكمل باقى منشآته، ووجدنا أسامة الشريف يبيع 90% من شركته لإدارة موانئ دبى بحوالى 800 مليون دولار، ولم يفتح عصام شرف فمه.. بل ابتلع لسانه ولم يتكلم عن الفساد.

الغريب أن محمد منصور وزير النقل الذى جاء بعده وهو رجل أعمال هو الذى فتح ملف القضية وأعاد الأموال التى دفعتها الدولة.. بل كان هناك شرط وهو أن الدولة لا تقيم أى ميناء على البحر الأحمر إلا بموافقة الشريف، لكن محمد منصور استطاع أن يلغى هذا الشرط تماما.

وهو فى الوزارة لم نسمع عنه شيئا، لم يعترض على فساد.. ولم يحارب تجاوزا.. بل إنه لم يتحدث فى الصحف عما جرى بعد خروجه من الوزارة كما فعل آخرون.. لكن وجدناه فجأة فى ميدان التحرير أيام الثورة.. ولما أصبح رئيسا للوزارة وقف فى الميدان مرة أخرى إلى يمينه رمز إخوانى وإلى يساره رمز إعلامي.. وعندما بدأ العمل وجدناه بالفعل مثل البسكوتة.. فقد وصفه يحيى الجمل بدقة.

أهم ما فى رئيس الوزراء البسكوته أنه غاوى تصوير.. ينزل يأكل فول وطعمية مع أسرته ويستدعى كاميرات التصوير لتسير خلفه، ويخرج علينا ليقول إن ابنه دفع مخالفة مرورية.. ثم إنه دائما على سفر وكأن السفر هو الذى سيحل مشاكل مصر كلها.

لذلك كله فقد المصريون تفاؤلهم به وبدأوا يمارسون معه سلاحهم الذى لا ينفد وهو السخرية.. فقالوا إنه ينفع مطرب لأنه يشبه عبدالحليم حافظ فى رومانسيته بالطبع.. ووجدتنى أتذكر جملة توفيق الدقن الشهيرة «أحلى من الشرف مفيش».. لتصبح مانشيتا فى «الفجر».. لكن بما يناسب الواقع: فـ«أسوأ من شرف مفيش».. والقافية تحكم كما يقولون.

كل رجال الرئيس : ابراهيم كامل أستاذ الجامعة الذى سيطر على مبارك بعشرة طاولة

68

الاسم : إبراهيم أبو العيون أحمد كامل

تاريخ الميلاد: 13 يونيه1941م - القاهرة.

المؤهل الدراسى : حاصل على الدكتوراة من أمريكا 1965م وعمل استاذا بكلية التجارة جامعة القاهرة لمدة 3سنوات.

المهنة : رجل أعمال وعضو الهيئة العليا للحزب الوطنى الديمقراطى.

خطط للتوريث.. وأذاق جمال مبارك

حلاوة أول قطفة من البيزنس

إبراهيم كامل

فى المؤتمر الأخير للحزب الوطنى وقف رجل الأعمال وعضو الأمانة العامة فى الحزب وسط مجموعة من رؤساء التحرير، قال لهم: حرام عليكم الراجل تعب خلوه يستريح.. سيبوه يعيش سنينه الأخيرة فى راحة ومن غير إزعاج.

من تحدث كان رجل الأعمال إبراهيم كامل، أما الرجل الذى يجب أن يستريح فكان مبارك.

لكن السؤال: هل كان مبارك يريد أن يستريح فعلا؟.. لقد كانت هناك خطة للتوريث تبدأ فى أول مارس الماضى، كانت ستخرج مجموعة من الصحفيين الكبار ورؤساء التحرير وبعض المحللين ليتحدثوا عن التجديد والتحديث، وأن الرئيس أدى دوره، ويجب أن يراقب التطوير من بعيد.

كانت هذه هى الخطوة الأولى، أما الثانية فكان موعدها 15 مايو يخرج فيها مبارك شخصيا ليقول إنه لن يترشح لفترة رئاسية جديدة.. وبعد شهرين يرشح الحزب جمال مبارك للرئاسة.

لكن يظل السؤال هو: هل كان مبارك مستعدا لأن يتنازل ويكون رئيسا سابقا؟

ما أعرفه عن مبارك أنه لم يكن ليقبل بلقب رئيس سابق، ولأنه كان سيخرج ويعلن فجأة أنه سيترشح للرئاسة، ولديه أسبابه، فقد كان يخاف على ابنه من القتل إذا ما ترشح، ثم إنه كان يعرف أن نجله لا يملك قدرات ترقى به لرئاسة مصر، كما أنه كان يعرف أن موقف الجيش صعب من ابنه.

وهنا يظهر سؤال آخر: هل كان مبارك سينجح فيما يخطط له؟.. أعتقد وأتحدى أن يكذبنى أحد أن مبارك كان سيجرى عليه انقلاب أبيض داخل قصره، كان جمال بمساعدة الهانم وزكريا عزمى وأطراف أخرى سيجبرون مبارك على أن يترك الترشيح لجمال.

لقد وصلت خطة التوريث إلى مرحلة الجنون، وكانت هناك أطراف سياسية واقتصادية تصر على إتمام التوريث حتى نهايته لأن مصالحها كانت تتعلق بنجاحه.. لقد عاملوا جمال مبارك خلال السنوات الأخيرة على أنه الرئيس الفعلى للبلاد.. وكان الشيء الغريب أن العنصر الوحيد الذى لم يدخل فى حسابات صناع سيناريو التوريث هو الشعب المصرى الذى لم يعمل أحد حسابا لإرادته.. وهى الإرادة التى أسقطت حسنى مبارك وأنهت أسطورة التوريث تماما.

كان من أهم الداعمين لسيناريو التوريث رجل الأعمال إبراهيم كامل.. وهو أستاذ جامعى درس فى أمريكا، تعرف على أسامة الباز هناك وأصبحا صديقين، وعندما عاد حاول أن يعمل فى الجامعة، لكن يبدو أن الجامعة لم تكن على قدر طموحه.. ليقرر أن يتركها ليتفرغ للبيزنس.

كان والده يعمل فى جمع زهور الفل والياسمين ويحولها إلى زيت تمهيدا لكبسها وتحويلها إلى عجينة، وهى العجينة التى كانت تباع للاتحاد السوفيتى وبعض الدول الأوروبية لتصنيع العطور منها، بعد موته فشل إبراهيم فى إكمال مسيرة والده.

اتجه ابراهيم كامل اتجاها آخر.. ليجد فى طريقه جمال مبارك، كان كامل قد عمل فيما يمكن أن نطلق عليه بيزنس الصفقات المتكافئة، وربما تكون أو قطفة بيزنس لجمال مبارك عن طريق ابراهيم كامل من هذه الصفقات.

اشترك ابراهيم كامل مع جمال مبارك فى تأسيس ما يسمى بالمركز المصرى للدراسات، وهو المركز الذى كان غطاء للقاءات جماعة الوريث، ومن هنا بدأت فكرة أن يأتى جمال مبارك رئيسا لمصر خلفا لأبيه.

لم يكتف إبراهيم كامل بعلاقته بجمال مبارك، فمن خلال صداقته بأسامة الباز وعلاقة البيزنس التى تربطه بجمال وصل إلى مبارك.. رأس الرئيس مباشرة.

عرف إبراهيم كامل أن مبارك غاوى طاولة.. وكان فخورا جدا أنه يلعب مع الرئيس.. والحقيقة أن جلسات الطاولة هذه كانت سببا فى أن يصبح ابراهيم كامل مقربا من مبارك، وهو القرب الذى جعل بنك القاهرة يعجز عن مطالبته بديونه التى وصلت إلى 2 مليار جنيه.

كان إبراهيم كامل يساند التوريث بكل ما يملك، فلم يكن لديه حل آخر.. فلو جاء رئيس آخر غير جمال فيمكن أن تنهار امبراطوريته.. فقد كان يحصل على كل شيء.. أعطوا له تقريبا الساحل الشمالى و17 ألف متر فى قرية غزالة ومطار العلمين وكل هذه ببركة لعب الطاولة.. وحتى يمنحوه قوة أكبر.. جعلوه رئيس جمعية مستثمرى الساحل الشمالى.

وعندما اختير موقع الضبعة بعد أكثر من 5 سنوات من الدراسات والأبحاث وتحليل التربة وحركة الرمال وأماكن تخزين النفايات.. وهى الدراسة التى تكلفت من 400 إلى 600 مليون جنيه لتكون مقرا للمشروع النووى المصرى، كان من سوء الحظ أنها كانت على أطراف قرية غزالة التى يملكها كامل.. وهى قرية يسكنها كبار فى الحزب والحكومة والصحافة والشرطة.

انزعجوا بشدة من أن المفاعل النووى سيكون بجوارهم.. وهنا دخل إبراهيم كامل بكل ثقله ليمنع إنشاء المفاعل النووى فى أرض الضبعة.. كان شعاره يا جماعة خلينا نبيع الأرض دى ونكسب من 10 إلى 12 مليار.. وبها نمول مشروع المفاعل النووى.

لم يكن هذا الكلام مناسبا لا من أستاذ جامعة ولا من سياسى يساند جمال مبارك فى مشروع التوريث، لكنه بدأ حملة قوية ضد مشروع الضبعة، وبعد 5 شهور عقد اجتماع بلجان مجلس الشعب ولجان الحزب.. وبشكل علنى أعلن مبارك لصديقه المقرب وربما للمرة الأولي: انسى الضبعة يا ابراهيم.

لم ييأس إبراهيم كامل، دعا محمود الجمال حما جمال مبارك ومحمد عبد السلام المحجوب باعتبارهما من أعضاء جمعية مستثمرى الساحل الشمالى.. على الغداء فى قرية غزالة.. وهم على الغداء قال لهم: حرام نهدر هذا المنظر الساحر.. إحنا ممكن نعمل مارينا تانية.. وغزالة رابعة.

نشرت ما جرى فى هذا اللقاء، فكلمنى محمود الجمال وقال لي: أنا جرى تضليلى.. ولا ناقة ولا جمل لى فى الموضوع.. وهو ما كرره عبد السلام المحجوب أيضا فقد قال لي: لقد جرى استخدامى.

لقد ظل إبراهيم كامل يدافع عن مبارك حتى النفس الأخير.. لأنه فى الحقيقة كن يدافع عن نفسه.. وعندما خرج مبارك فى 1 فبراير يتحدث للشعب المصرى بعاطفية شديدة.. خرج كامل ليعلن أنه سينظم مسيرة تأييد للرئيس مبارك فى ميدان مصطفى محمود.. وفيها وقف إلى جواره عمر طنطاوى صديق جمال مبارك وعدد من رموز الحزب الوطنى.. وهو نفس اليوم الذى وقعت فيه موقعة الجمل الذى أحيل كامل على ذمتها إلى محكمة الجنايات.

والآن.. لو تمكن إبراهيم كامل من الحصول على البراءة فى موقعة الجمل.. فمؤكد أنها لن يراها فى موقعة بنك القاهرة.. فعليه أن يسدد عدة مليارات بفوائدها.. وإن لم يستطع.. فليس عليه إلا أن يسدد ديونه خدمات فى السجن.

كل رجال الرئيس : رفعت المحجوب أستاذ الجامعة الذى كان يخضع له الرئيس

67

كان من المفروض أن يُعيّنه مبارك نائبًا له.. لكن قوة خفية منعت ذلك

لو عرفتم كثيرًا أو حتى قليلاً مما يجرى خلف الكواليس السياسية فى مصر - كما أعرف - لغضبتم كثيرًا من ملك الموت.. لأنه أخذ منا مثلاً الدكتور رفعت المحجوب.. الرجل الذى مات برصاص إرهابي.. كان المحجوب رجلاً سياسيًا كبيرًا جدًا من أيام الاتحاد الاشتراكى فى عهد جمال عبد الناصر، وبعد حرب أكتوبر 1973 هو الذى أعد الورقة الشهيرة المعروفة بورقة أكتوبر.. والتى كانت ورقة سياسية أدت بمصر إلى الانتقال من مرحلة المنابر إلى مرحلة الأحزاب.. والحقيقة أن حسنى مبارك كان يحترم الدكتور رفعت المحجوب جدا.. ولن أبالغ إذا قلت إنه كان يخاف منه.. كان يعمل له ألف حساب.. كان يسمع كلامه بشكل واضح.. فى القوانين وفى السياسات العامة وفى ترشيح رؤساء الحكومات.كان رفعت المحجوب رئيس مجلس شعب «مالى مكانه»، كما يقولون.. لكنه فى النهاية اغتيل.. وقيل: إن الجماعة الإسلامية هى التى قتلته.. لكن الحقيقة أن المحكمة العسكرية التى حكمت وحاكمت المتهمين برأتهم جميعا.. وشبه المؤكد الآن أن قوة خفية هى التى قتلت رفعت المحجوب لأنه كان مرشحا بقوة أن يكون نائبا للرئيس.. بل إن مبارك كان على وشك أن يصدر هذا القرار لأنه كان يراه الأنسب للمنصب.. لكن يبدو أنه كانت هناك قوى داخلية وأخرى خارجية قررت القضاء وبشكل نهائى على رفعت المحجوب.. بقتل رفعت المحجوب اختفى نجم حقيقى من نجوم العمل السياسى فى مصر.. والرجل كان أستاذى فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. كان العميد بتاعي.. وطلب منى بالفعل بسبب تفوقى الدراسى أن أذهب لأحلق شعرى وألبس بدلة من أجل تعيينى معيداً فى الكلية.. لكننى فضلت الصحافة، ووقتها شاغبته وناورته وقلت له: لو أنا معيد عندك هفضل طول عمرى تحت أمرك.. لكن لو أنا صحفى هقدر أكلمك وأهاجمك وأجيلك فى أى وقت وأنت هتعمل لى ألف حساب.. ولم يكن ما قلته بالطبع إلا مشاغبة من تلميذ لأستاذه.

كل رجال الرئيس : منير ثابت شقيق الهانم التى انتقمت من عبد المنعم عمارة لأجله

66



مبارك كان يرى أن نسيبه محدود القدرات العقلية
■ منير ثابت
شقيق سوزان مبارك
■ تاريخ الميلاد: 1936
■ مكان الميلاد: قنا
■ المؤهل: بكالوريوس فى العلوم العسكرية والملاحة الجوية
■ الوظائف: رئيس الشركة المصرية لخدمات الطيران
رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية
كان ممنوعًا ومحرمًا أن يفتتح أحد محلا أو مقهى أو مطعمًا فى المسافة التى تفصل بين بيت الرئيس السابق حسنى مبارك فى مصر الجديدة ومطار القاهرة.. لكن فجأة وبدون مقدمات وجدنا محل ملابس فخمة اسمه «إيجو» يفتح أبوابه فى طريق العروبة.
لم تكن للمحل رخصة ولا سجل تجاري.. وكان طبيعيا أن نعرف أن المحل ملك طارق وخالد ابنى منير ثابت.. شقيق سوزان زوجة الرئيس.
من قدر مبارك أن عائلة زوجته كانت أقوى منه.. ولذلك وجدنا أسماء كثيرة من عائلة سوزان تطفو على سطح الحياة السياسية والعامة، وفى الوقت نفسه لم نسمع اسمًا واحدًا من أسماء عائلة مبارك.. وعندما حدث ذلك كانت الأسماء قليلة ومحترمة.
وهذا يجعلنى أعود نحو سنة إلى الوراء لأفتح ملف القضية رقم 20 لسنة 1960 أحوال شخصية محكمة شبين الكوم الجزئية بتاريخ 4 مايو، وهو نفس تاريخ ميلاد مبارك.. فى هذا التاريخ تقدمت سيدة تدعى نعيمة محمد محروس للقاضى طالبة نفقة من ابنها محمد حسنى مبارك.. الذى كان مرتبه صغيرا وقتها، وبالفعل دفع للأم 340 قرشًا من باب الود.
شيء غير هذا تماما حدث مع عائلة سوزان.. كان مبارك يكبر وكانت عائلة ثابت تزداد شراسة وقوة ومالاً.. كان مبارك ينظر إلى منير ثابت شقيق زوجته على أنه تلميذ محدود القدرات.. وكان قد قابله عند الفنان أسامة عباس الذى كان جارهم فى مصر الجديدة.. لم يكن يتكلم ورآه مرة فى محاضرة كان مبارك يلقيها فى مكان مفتوح فوجده أيضا لا يتكلم مع أحد.
عندما ترك منير ثابت الخدمة أسس شركة لخدمات الطيران، والطريف أنه فى اليوم الذى حصل على الرخصة أو السجل التجارى لشركته أخذ أول عملية من وزارة الطيران، لكن الأهم من هذا كان ملف الخصخصة، ويمكن أن نتصفح ملفًا واحدًا لنعرف ما الذى جري.
الملف يخص «يونيتد كابيتال» وهى شركة مساهمة تأسست طبقا لقانون الاستثمار رقم 8 لسنة 1997 بسجل تجارى رقم 31547 وحصلت على ترخيص من هيئة سوق المال للاكتتاب.. كان لهذه الشركة وظيفة خفية وهى بيع شركات القطاع العام.. وكان المساهمون فيها عصابة منير ثابت الذى كان له 20%.. وصديقه الأنتيم ماجد المنشاوى كان له نصيب كبير فى الشركة.
ماجد المنشاوي، هذا خريج كلية التجارة وكنت تجده فى كل وأى مكان.. وقد رأيته مرة وكنت مسافرًا مع عاطف عبيد إلى دمشق، وجدته يتحدث معه فى بعض المطالب التى تتعلق بالتوظيف، وعرفت أنه كون هو ومنير ثابت ومجدى راسخ شركة لعمل مراكز تسويق كبرى «مولات» خارج القاهرة.. واختاروا المنصورة التى غضب التجار بها.. ولم تنقذهم إلا الثورة.
كان حاتم الجبلى مساهمًا أيضا فى هذه الشركة بـ20% وكان معهم فريد إبراهيم بـ20% أخري.. ولكن كان هناك مساهم آخر اكتسب من أنه كان المسئول عن مكتب عاطف عبيد.. وكان مسئولاً عن قطاع المال والخصخصة وهو محسن صادق.. وعندما تعرف القائمة التى تعمل فيها هذه الشركة يمكن أن تصاب بالذهول.. فقد كانت تعمل فى 71 شركة غزل فى 16 قطاعًا منها 5 شركات فى قطاع الغزل والنسيج.. و4 شركات فى قطاع تجارة المنسوجات، وعلى رأسها عمر أفندى وصيدناوي.. كما اقترحوا كذلك بيع شركات الأدوية.
بعد أن تنحى حسنى مبارك كان أن اختفى منير ثابت تمامًا.. ولم يظهر فى أى مكان.. لا فى النادى ولا فى البيت ولا فى شرم الشيخ ولا حتى مع شلته المقربة منه.. كان منير ثابت وبحكم علاقته بمبارك صاحب مواقف غريبة وطريفة فى الوقت نفسه، حكى لى أحد رجال الأعمال أنه عمل مسابقة فى شرم الشيخ، وكان فيها سحب على سيارة فخمة جدا، وكان منير موجودًا فى القاعة التى تجرى فيها المسابقة، وكان الكل يعرف أنهم سيجرون قرعة على من يربح السيارة.. وكان الكل يعرف أيضا أنه سيكون منير ثابت ولا أحد غيره.
فى عام 92 كنت قد سافرت مع الدكتور عبد المنعم عمارة إلى جنوب إفريقيا بعد سقوط النظام العنصرى بها.. وقتها حضرت ماتش السوبر.. رغم أنه ليس لى تقل على ماتشات الكرة.. عندما عدنا إلى القاهرة عن طريق باريس وقبل أن تمر 48 ساعة وجدت الدكتور حسن مصطفى يطلبنى ويطلب مقابلتى فى مكان خارج المكاتب.. يقصد بعيدًا عن أى تسجيلات محتملة.
ولما قابلته قال لى حاجة غريبة جدا، فقد كلمه جمال عبد العزيز سكرتير الرئيس مبارك وقال له: انت وعادل حمودة بتشتموا الرئيس مبارك.. فيه حد كنتم بتتكلموا معاه ونقل الكلام ده لمنير ثابت.. وهو نقله لمبارك.. والدكتور عبد المنعم عمارة أكد الواقعة.
قلت للدكتور حسن مصطفى أنت المقصود بالكلام ده يا دكتور مش أنا.. وبالفعل وبعد فترة قصيرة جدا حدث صراع حاد على رئاسة اللجان الأوليمبية بين حسن مصطفى ومنير ثابت.
ومن بين ما يذكر أن عبد المنعم عمارة عندما جاء فى العام 1991 لينظم الدورة الإفريقية دخل منير ثابت على الخط وأراد أن ينظم الدورة، لكن مبارك انحاز لعبد المنعم عمارة لأنه كان يعرف إمكانيات نسيبه الحقيقية.. ولم يفعل منير شيئا إلا متابعة بيع التذاكر، وهو ما أغضب سوزان جدا.. ولم تنسها لعبد المنعم عمارة وظلت خلفه حتى أخرجته من الحكومة رغم أن مبارك كان مقتنعًا بإمكانياته.. لا يزال هناك ما هو أغرب فعندما خلا منصب رئيس اللجنة الأوليمبية بوفاة الدمرداش التوني.. تقدم عبد المنعم عمارة ومنير ثابت وحسن مصطفى للانتخابات.. فاتصل مبارك بعمارة وقال له: يا منعم اطلع من الموضوع وسيبه لمنير.. وبالفعل طلع منها عمارة وتولى حملة الدعاية لمنير فى الانتخابات الدكتور كمال الجنزوري، بمساعدة ودعم ورعاية من سوزان مبارك.





















كل رجال الرئيس : أسامة الباز معلم مبارك السياسى الذى غدر به ابن الرئيس

65

كان الموقف دالاً وكافيًا لتعرف من هو الرجل

الأسم: د. أسامة الباز

تاريخ الميلاد: 1931

المؤهل: ليسانس حقوق وحاصل على الدكتوراة فى القانون

شارك فى مفاوضات كامب ديفيد

المستشار السياسى للرئيس المخلوع

لا ينتمى لأى حزب أو جماعة

فى الثمانينيات كنت صحفيا صغيرا، جمعتنى رحلة عمل مع اثنين من الدبلوماسيين فى مؤتمر بإحدى الدول الإفريقية، فى المطار سرقت حقائبنا، ووجدنا السفير المصرى فى هذه الدولة يقول لنا ببساطة: متأسف الشنط بتاعتكم بتتباع دلوقتى فى سوق الحرامية.

لم يكن أمامنا إلا أن نشترى ملابس جديدة، وبالفعل اشترى الدكتور أسامة الباز بـ100 دولار.. واشتريت أنا بـ50 دولارًا.. أما الدكتور بطرس غالى فقد اشترى بـ1500 دولار كاملة.. فقال له أسامة الباز: «تستاهل إنت جى تستعرض.. كان كفاية عليك قميص وبدلة».

كان هذا مؤشرا على أننى أمام شخصية متواضعة دون أن تدعي.. ومن بين ما جرى أن أول حوار أجراه الدكتور أسامة الباز فى الصحافة كان معي.. ونشرته فى مجلة «روزاليوسف».. وقتها كنت فى منظمة الشباب وجرت تغييرات فى المكتب السياسى للمنظمة.. ووقتها كان مسئولا عن العلاقات الخارجية.. وقد عرفته وعاصرته خلال ثلاثة عقود عمل فيها فى مطبخ السياسة المصرية وبالقرب من رأس الدولة مباشرة.

جذب أسامة الباز الأضواء إلى اسمه وشخصيته بسبب مشاركته مع الرئيس السادات فى مفاوضات كامب ديفيد بأمريكا.

ومن نوادر من يحكى عما جرى فى كامب ديفيد أن المشاركين فى المفاوضات كانوا يخافون على السادات من ضغوط أسامة الباز، ووصل الأمر إلى أن اعتقدوا ذات مرة أن السادات مات بالفعل من ضغوط أسامة، وذهبوا إلى مكان إقامته ليطمئنوا عليه.

لم تكن الأضواء فقط هى التى أتت لأسامة الباز بعد مفاوضات كامب ديفيد، ولكنه عاد منها وهو المستشار السياسى للرئيس السادات.. وهو المنصب الذى لازمه بعد ذلك فى عهد الرئيس مبارك.. وهو كذلك المفتاح الذى يمكن أن نفتح به أسرار العلاقة بينهما.

كان أسامة الباز، وبدون مبالغة، المعلم السياسى المباشر لمبارك، ومؤكد أنه يسأل نفسه الآن: كيف فشلت فى تعليم هذا الرجل؟.

عرف أسامة الباز عن مبارك من البداية أنه عنيد جدا، وأنه لا يقرأ.. وكل قراراته التى يأخذها تعتمد على السماع لا على الدراسة.. ولا يمكن لأى حاكم مهما كانت قدراته أن يأخذ قرارا على السمع، ولذلك كان أسامة الباز كثيرا ما يتصل بمبارك ويقول له: «كلامك مش مضبوط وكان لابد أن يعرض بالطريقة الفلانية».. كان يتعامل معه طوال الوقت بمنطق المعلم.

وأذكر أننى عندما فجرت «فضيحة على النيل».. وهى الحملة الصحفية التى كشفت وجوها مصرية وسعودية على هامش فضيحة أخلاقية، وجدتنى أتعرض لضغوط هائلة وتهديدات بخطف بناتي، وشتائم تحاصرنى من كل مكان.. طلبت وزير الداخلية وقتها حسن الألفي.. فلم يقدم لى شيئا.. طلبت من الجنزورى أن يتدخل لإيقاف هذه المهزلة.. وكأننى لم أقل شيئا وكأنه لم يكن مسئولا.. بل بالعكس زادت التهديدات والشتائم.

وكان الحل أن أمارس التصعيد.. أن أصدر كتابا عن القضية رغم أنها لم تنته بعد.. والتهديدات أصبحت سعودية وسافرة من عبد العزيز الإبراهيمى الذى كان يملك فندق الميريديان وتزوج من الفنانة شيرين سيف النصر.. وكانا بطلى القصة من بدايتها.

نشرت الكتاب.. وبعد يومين فقط وجدت اثنين يتصلان بى لمقابلة أسامة الباز.. كانت هذه أول مرة يطلب أن نتقابل.. وكان أول ما قاله وبشكل صارم وكأنه لم تكن هناك معرفة أو ود سابق بينى وبينه: «الرئيس مبارك هيرفع عليك قضية إهانة رئيس دولة صديقة».

قلت له: «لو فعلها فسوف يوفر عليّ مجهودا كبيرا وسأدخل التاريخ لأننى سأكون أول صحفى يرفع عليه رئيس الجمهورية قضية بسبب رأيه».

كنت أشعر بأن مبارك يتابع لقائى بالباز عبر الكاميرا.. وقلت له: يا دكتور إنت علمتنا المفاوضات.. أنا عملت الكتاب علشان أتفاوض معاكم.. الـ27 قضية اللى رفعتها شيرين سيف النصر تتنازل عنها.. وأطلب حمايتى وحماية أسرتى بشكل شخصي.. وخصوصا أن رئيس مباحث العاصمة قبض على شاب من أمام بيتى ومعه مية نار وقال لى إنه يستهدفنى ويستهدف أسرتي».

رد الباز على الفور: «كفاية كده».

قلت له: «لو لم تتم الاستجابة لطلباتى هاعمل مؤتمر صحفى وأكشف فيه كل حاجة حدثت معي».. وانتهت المقابلة، وبعد ثلاث ساعات فقط وجدته يتصل بى ويقول لي: «موافقين ونعدك بحمايتك أنت وأسرتك».

الغريب أن هذا الرجل الأسطورى بالفعل كان راتبه فى رئاسة الجمهورية 400 جنيه.. وآخر تجديد له وصل الراتب إلى 600 جنيه فقط.. لكن هذا لم يمثل مشكلة فى حياته، فلم يكن يحب المال ولا الجاه.. لم يستخدم صالة كبار الزوار فى المطار.. رغم أنه كان من هؤلاء الكبار.. بل كان أكبرهم شأنا ومقاما.

كل رجال الرئيس : كمال الشاذلى.. رحلة برلمانى شهير من «عجلة الباجور».. إلى قصر مارينا

64

كتبت عن نهاية خرافته.. فتحول إلى «فيل هائج»

الأسم  : كمال الشاذلى

تاريخ الميلاد : 1934

مكان الميلاد: مصر - الباجور - المنوفية

تاريخ الوفاة 16 نوفمبر 2010

تعلم كمال الشاذلى السياسة ولعبة الانتخابات وأسرار البرلمان على يد نوال عامر البرلمانية القوية والتى تزوج شقيقتها بعد ذلك.. هى التى نقلته من مجرد محامٍ فى الأرياف إلى أن يصبح عضوا فى البرلمان.. من رجل يتحرك بعجلة فى طرقات الباجور إلى صاحب قصر فى مارينا.

وصل به الحال إلى أنه كان واحدًا من أعمدة حكم مبارك.. أو بدقة أكثر كان أحد الفرسان الثلاثة الذين يديرون البلد ويتحكمون فيه.. إبراهيم سليمان فى الحكومة.. زكريا عزمى فى الرئاسة.. وكمال الشاذلى فى البرلمان. لكننى دخلت فى جملة مفيدة مع كمال الشاذلى فى العام 2000.. كان الرجل فى عز قوته.. كان الأقوى والأهم والأخطر فى مصر.. يسيطر على مجلس الشعب.. وفى انتخابات 2000 فاز بمقعد البرلمان بالعافية.. قبل إعلان النتيجة بساعات أعلنوا أنه سيدخل الإعادة.. وبدأت تتكشف حقيقة كمال الشاذلي.

لم أقاوم إغراء أن يكون مانشيت العدد الأول من جريدة «صوت الأمة» التى أصدرتها فى العام 2000 هو: «سقوط خرافة كمال الشاذلي».

قرأ الشاذلى ما كتبت فجنَّ جنونه.. تحول إلى فيل هائح ، بدأ يشتم ويسب ويلعن.. هدد بإيقاف الجرنال.. لكن كل ما استطاعه أن هدد رجال الأعمال وكان بعضهم فى البرلمان أو فى مجلس الشوري، ومنعهم من أن يعطوا الجريدة أى إعلانات.. لكن الجريدة استطاعت أن تقف على قدميها.. فقد كان ما نكسبه من التوزيع أكثر من عائد الإعلانات التى منعها.

ولم تكن هذه أول مرة أتعرض لكمال الشاذلي.. فعلت ذلك مبكًرا جدًا.. كنت أعرف أنه جاء من الباجور يركب العجلة حتى وصل إلى أول مركز فى القاهرة ليركب بعد ذلك تاكسى بالنفر.. لكنه عندما عاد إلى الباجور.. عاد على قصره الذى كان يطلق عليه البيت الأبيض.

رجع كمال الشاذلى إلى الباجور ومعه مرسيدس.. بل كان هناك أكثر من ذلك فقد عاد ومعه توكيلات المرسيدس فى شركات القطاع العام.. وهو ما جعلنى أفتح ملفات المحاسيب.. وكان ذلك فى ما بين 92 و93.. كتبت عن أبناء الوزراء والوزراء الذين كونوا ثروات.. وأشرت من طرف خفى إلى استغلال النفوذ.. وكانت الرقابة الإدارية تعمل دون ضغوط ضخمة كما حدث فى سنوات مبارك الأخيرة. وصلت تقارير من الرقابة الإدارية عما يفعله أبناء صفوت الشريف وكمال الشاذلى على وجه التحديد.. ووجدت الرئيس يتصل بى تليفونيًا الساعة الثامنة صباحًا ليقول لى الجملة التى سمعتها منه كثيرًا:لو الكلام ده مش مظبوط هقطع رقبتك.. وقد ظل مبارك يردد هذه الكلمة فى كل مناسبة حتى وصل الفساد إلى الدرجة التى كتبت نهاية مبارك شخصيًا. وعندما جاء جمال مبارك، وأتى برجاله إلى الحكومة والبرلمان كان لابد أن يدخل رجال مبارك الأب إلى الجراج ، وأن يختفى كمال الشاذلى ويتلاشى تماما.. جاءت حكومة رجال الأعمال.. ظهر رشيد محمد رشيد ومحمود محيى الدين وأحمد المغربي، وكان ضروريًا أن يطيحوا بإبراهيم سليمان.. ولما جاء الطفل المعجزة أحمد عز الذى رمى شباكه على أمانة التنظيم بالحزب الوطنى كان لابد أن ينزل كمال الشاذلى من على المسرح وبأقصى سرعة.. وحتى أحمد نظيف لم يرغب فى بقائه وزيرًا فى حكومته فأطاح به من منصبه كوزير لشئون مجلسى الشعب والشورى.. وهو ما جعل الشاذلى يكره الأحمدين.. عز ونظيف.. أقصر وأطول مسئولين فى مصر. اقتربت من كمال الشاذلى خلال هذه الفترة، أو هو الذى اقترب مني.. كان لا يزال يصارع على السلطة، ولم يجد أمامه إلا خصومه القدامى وعلى رأسهم صفوت الشريف الذى خرج هو الآخر من وزارة الإعلام إلى مجلس الشوري، كان المغضوب عليهم يجتمعون ويحرضون على جمال مبارك ومجموعته.. وبعد أن ينتهى اللقاء كل منهم كان يلعب بمفرده ولحسابه الخاص.. هذا رغم أن كمال الشاذلى كان أول من فكر فى التوريث.. وأول من دفع بجمال مبارك إلى معسكرات الشباب.

فى هذه الفترة عرفت الكثير عما يدور فى البلد من كمال الشاذلي، حكى لى مرة عن الجراج الذى يوجد تحت مبنى أمانة الحزب الوطنى على الكورنيش.. أكد لى أن به سيارات فخمة وحديثة.. وأن باب الجراج يفتح بكود إلكتروني.. ولا يوجد كثيرون يعرفون أمر هذا الجراج.

وقد حدث بعد يوم 25 يناير.. أن فُتح هذا الجراج وخرجت منه السيارات الفخمة والحديثة.. ولا أحد يعرف أين اختفت.. ولا من صاحبه.. وهو موضع مغرٍ بالتحقيق.. رغم أن أحدا لم يلتفت له حتى الآن.. وكان هو من قال لي: إن أحمد عز سيتزوج من شاهيناز النجار ، ويجعلها تترك المجلس لتتفرغ له.

فى العامين الأخيرين له قبل وفاته أُصيب بمرض خطير فى الأمعاء.. سافر إلى أمريكا ليجرى عملية جراحية، لكن يبدو أن العملية لم تنجح فقد نتج منها ما يطلق عليه «تعقيد الجراحة»، وكان لابد أن يجرى عملية أخري.. وظل لفترة طويلة جدًا فى الخارج.. وقد فقد أكثر من ثلثى وزنه.. أو نصف وزنه على الأقل. وقد يكون من كرم ربنا لهذا الرجل أنه مات قبل أن يسقط نظام مبارك.. فقد وجد من يمشى فى جنازته.. ومن ينعيه.. ومن يقول فى حقه كلمة حسنة على طريقة اذكروا محاسن موتاكم.. لكن لا شيء يكتمل.. فأولاده الذين كانوا من المفروض أن يرثوا ما تركه من مال ومنصب وبرلمان.. وجدوا أنفسهم يرثون عن أبيهم قضايا الكسب غير المشروع.. فما زرعه كمال الشاذلى حصده أبناؤه.

كل رجال الرئيس : مصطفى الفقى سكرتير المعلومات الذى كان يوفق بين مبارك ومصر كلها

الرئيس قال له: مش إنت اللى هتنظم لى دماغى

63

■ مصطفى الفقى

■ مكان الميلاد: الجيزة

■ تاريخ الميلاد: 1944

■ المؤهل: بكالوريس اقتصاد وعلوم سياسية

■ الوظيفة: سكرتير الرئيس للمعلومات

عضو سياسى بالحزب الوطنى

أمين معهد الدراسات الدبلوماسية

رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب

كان الرئيس مبارك يستيقظ من نومه مبكرا.. وفى مرة وهو داخل إلى مكتبه وجد 3 ملفات.. كل ملف منها بلون مختلف.. ملف باللون الأحمر وعليه خطير وعاجل.. وملف لونه أصفر للمناقشة.. والملف الثالث أخضر وعليه موضوعات تم حسمها وانتهت.. طلب مبارك سكرتيره للمعلومات وقال له: ما هذا الكلام الفارغ.. وقال له: مش إنت اللى هتنظم لى دماغى.

هذا السكرتير هو الدكتور مصطفى الفقى الذى كان نموذجا لجيلنا.. خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. تخرج قبلى فى الكلية.. هو خريج قسم سياسة وأنا خريج قسم اقتصاد.. كنا نسمع عنه ونحن طلبة باعتباره نموذجاً.. مثقفاً وذكياً ولماحاً وخفيف الظل.

كان عضوا لامعا فى منظمة الشباب.. وكان رئيساً لاتحاد الطلبة فى الكلية لقدراته السريعة فى تقديم الخدمات لمن حوله، وهو ما جعل عبد الناصر يعينه بقرار جمهورى قنصلا لمصر فى لندن.. وخلال وجوده هناك حصل على درجة الدكتوراه.. وكانت رسالته عن مكرم عبيد ودوره فى قضية الوحدة الوطنية.

وعندما عاد مصطفى من لندن تحمس له وبشدة الدكتور أسامة الباز ورشحه ليشغل منصب سكرتير الرئيس للمعلومات.. كان الفقى مدنياً من بين المدنيين القلائل فى المؤسسة.. وكان لذكائه وشطارته وخبرته وجاذبيته فى وسط المجتمع، وخاصة جاذبيته للجنس الآخر.. كان مثار اهتمام وغيرة من الآخرين وبالذات زكريا عزمى الذى لم يكن يحب مصطفى الفقى على الإطلاق.. فهو من الأساس لا يحب أحدا.

استمر مصطفى فى منصبه 8 سنوات.. كانت لديه قدرة مذهلة على الاتصال مع الناس، إذا حدثت مشكلة يقوم بسرعة بالتوفيق بين أطراف المشكلة.. كان مصطفى يوفق بين الرئيس وبين المجتمع كله.. وبعد أن ترك الفقى هذا المنصب تحول إلى منصب عادى جدا، يأتى السفير ويظل فيه أربع سنوات كأنه فى مهمة خارجية.

لقد قيلت أسباب كثيرة لخروج مصطفى الفقى من الرئاسة.. قيل مثلا إنه يتحدث كثيرا.. وقالوا إن لوسى آرتين كانت وراء خروجه، وقيل إن مشكلة وقعت بينه وبين الجامعة الأمريكية كانت السبب.. وأعتقد أن هذه كلها كانت أسباباً ظاهرية.. فالسبب الحقيقى كان الصراع داخل قصر الرئاسة.. وكذلك إصرار زكريا عزمى على أن «يكوش» على كل شيء حول الرئيس.. وأن يسيطر على الأفراد والسلطات داخل الرئاسة.

لم يخرج مصطفى من الرئاسة بشكل عادي.. كانت هناك مكيدة.. وعندما استدعاه عمر سليمان ليحدد مصيره فى مؤسسة الرئاسة تراهن جمال عبد العزيز وزكريا عزمي.. وكان زكريا حاسماً وجازماً فى أن مصطفى سوف يخرج من المؤسسة وهو ما جري.

بعد أن خرج من الرئاسة قابلته.. كان مصطفى وبمجرد أن يوجد فى مكان تتجمع الدنيا كلها من حوله.. لكننى وجدته وحيدا تماما.. وكأن الأرض انشقت وابتلعت كل الناس.. تناولنا الغداء معا فى النادى الدبلوماسي.. شكا لى مما جري.. ويومها كتبت مقالا فى مجلة روز اليوسف بعنوان: «بعد أن تذهب السلطة».

بعد أن نشرت المقال بأيام جمعتنى مناسبة مع الدكتور زكريا عزمي، وهى مناسبة كانت خاصة بدار الشروق، ووجدت رئيس الديوان يقول لي: إنت مجنون.. فيه حد يكتب عن واحد الرئيس مشاه.. عاوز تودى نفسك فى داهية.

عندما اختفى مصطفى الفقى من مؤسسة الرئاسة اختفت معلومات كثيرة.. كان يمكن أن تصل إلى الرئيس.. فقد حدث مرة ونحن نتناول العشاء.. وكان موجودا الدكتور عبد المنعم عمارة واللواء صبرى العدوى قائد الحرس وقت أن كان مبارك فى مجلس الشعب وأوشك أن يسقط على الأرض من الإغماء.

حكى لى صبرى العدوى الواقعة بتفاصيلها.. ماذا كان سيحدث لو جرى للرئيس شيء وهو فى مجلس الشعب.. أولا الطائرة الرئاسية ستكون جاهزة للإقلاع لنقله إلى أى مكان وفى أى لحظة.. وزير الداخلية سيتحول إلى قائد مرور العاصمة.. ويرفع كل ما يمكن أن يقابله ليكون الموكب أسرع.. والطائرة تكون على استعداد لأن تقلع من مهبط النادى الأهلى لنقله.

وعرفت من هو الأهم فى سلم من سيتخذون القرار.. وكانوا كالآتي: قائد الحرس الجمهورى ثم بعد ذلك القائد العام للقوات المسلحة وعمر سليمان ورئيس الحكومة ووزير الداخلية.. كان خارج القاعة التى يوجد فيها الرئيس كل رموز النظام ورؤساء تحرير مصر كلها، وأعضاء مجلسى الشعب والشورى وقيادات المؤسسات الصحفية القومية وقيادات المؤسسة الدينية من الكنيسة والأزهر.

وقتها تصرف زكريا عزمى بأن ترك الكاميرات كلها تعمل حتى لا تخرج أى شائعة عن الحالة الصحية للرئيس أو ما تعرض له.. وجدت صبرى العدوى يقول لى إنه كان غاضبا جدا من الدكتور زكريا عزمي.. فلو أن الدكتور مصطفى الفقى كان موجودا لنقل المعلومات بأمانة لمبارك.

ويكمل العدوي: كنت أتمنى أن ألعب هذا الدور.. لكن لم يكن لأحد أن يخرج أمام مبارك عن الدور المنوط به.. وكان مبارك مغمض العينين.. ولا يستطيع أحد أن ينقل له معلومة واحدة سيئة لأنه سيطرد.. وكان مبارك مغمض العينين بتقارير لا قيمة لها.

كل رجال الرئيس : جودت الملط فارس مزيف فى معركة تطهير مصر من الفساد

62

ليس من العدل أن نحاسبه على شىء لم يكن فى يده

■ المستشار الدكتور جودت الملط

■ ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية 1956.

■ دبلوم الاقتصاد السياسى جامعة القاهرة 1958.

■ دكتوراة فى القانون بمرتبة الشرف الأولى جامعة القاهرة 1967.

■ عمل بالسلك القضائى لمجلس الدولة منذ عام 1956 حتى 30 يونيو 1999.

عندما تنظر إليه تجده يركب سيارة بالية جدا موديل 91.. ويسكن فى شقة عبارة عن 120 متراً.. هى الشقة التى تزوج فيها.. لكن عندما تبحث عنه ستجد أنه عمل مستشارا لرئيس دولة الإمارات لمدة 12 عاما براتب شهرى 60 ألف جنيه.. وتصل ذمته المالية إلى 40 مليون جنيه.. يستطيع من خلالها أن يركب سيارة فارهة ويعيش فى شقة فاخرة.

هو المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات.. وهو أحد قضاة مجلس الدولة المحترمين.. تدرج فى المناصب حتى أصبح رئيسا للمحكمة الإدارية العليا.. وفى 10 أكتوبر 1999 وصل إلى مكتبه فى الجهاز المركزى للمحاسبات.

فى كل سنة كنا نشاهد مشاجرة بين جودت الملط وبطرس غالي.. وكنا ننتصر للملط على حساب غالي.. لكن علمنا بعد ذلك أن الملط الذى كان يقدم تقريرا خاصا بالأداء الاقتصادي.. وكان يتكلم عن عجز الموازنة والتضخم والأموال الخفية فى مصر والأمور الخاصة ببطرس غالي.. ورغم ذلك لم يكن يتحدث عن أى فساد فى مؤسسات بعينها.. بل على العكس كان يتحدث كثيرا عن الرئيس مبارك وحكمته وقدرته على إدارة الأمور.. وهذا مسجل بالصوت والصورة فى جلسات مجلس الشعب.. لكن بعد الثورة بدأ جودت الملط يتحدث عن الفساد وكأنه هو الفارس الوحيد الذى يحارب الفساد.

لقد اكتشفنا أن كل ما قاله الملط عن فساد ما قبل الثورة لم يكن إلا نقطة فى بحر هادر.. ولم يكن هذا الفارس المغوار يجرؤ على أن يقترب من رئاسة الجمهورية ولا الرقابة الإدارية ولا رئاسة الوزراء ولا أمن الدولة ولا وزارة الداخلية.

لقد جرى العرف فى الجهاز المركزى للمحاسبات أن المفتش يظل 3 أو 4 سنوات فى مكان معين حتى لا يتعود على المكان.. لكن وزارة الداخلية كان عندها مفتش واحد منذ كان مفتشا صغيرا حتى أصبح مديرا عاما يراقب وزارة الداخلية.

كانت التعليمات الواضحة ألا تقترب التقارير من هذه المؤسسات.. كان زكريا عزمى يطلب من جودت الملط تقارير عن كل الهيئات أو الوزارات، ولم يحدث أن كانت هناك تقارير عن رئاسة الجمهورية أو القصور الملكية، بل المفاجأة أنه تمت إقالة المفتش المسئول عن احتكار حديد عز.

كانت التقارير التى تعد عن الأراضى تحذف منها صفحات لا تقل عن 4 أو خمس صفحات.. وقد حدث هذا فى التقارير عن أرض شرق العوينات وتوشكى.. وكذلك كل الأراضى التى كان يمكن أن تجلب ثروة بالمليارات.. وقد حذف الملط كثيرا من تفاصيل هذه التقارير.

المفاجأة الأكبر أنه كانت هناك تقارير - تصل إلى حوالى 15 أو 16 تقريراً، كل منها من نسختين.. الأولى للمكتب عنده.. والثانية لرئاسة الجمهورية.. وهذا ما جعل مجموعة من الجهاز المركزى يطلقون على أنفسهم «رقابيون ضد الفساد».. وقدموا بلاغا ضد الملط طالبوا فيه النائب العام بالتحقيق معه.

وأذكر أنه فى الفترة من 2000 إلى 2003 فتحت ملفات كاملة بقروض رجال الأعمال من البنوك.. وأشرت إلى الفساد الذى جرى فى قطاع البنوك.. لقد وصلت القروض إلى حوالى 400 مليار جنيه حصل عليها 40 رجل أعمال.. بعضهم هرب وبعضهم دخل السجن بعد أن كتبت عنهم مثل عبد الله طايل، وعندما عرف كمال الشاذلى الذى كان يحمى طايل بأن من سرب لى المعلومات عما يدور فى بنك مصر اكستريو الذى يرأسه طايل هو الضابط محمد رأفت، وكان يعمل بمباحث الأموال العامة، ذهب الشاذلى إلى حبيب العادلى وقام بنقل رأفت إلى إدارة الترحيلات وهى إدارة شاقة جدا وتعتبر نوعاً من العقاب.. وكان هذا هو الحال فى مصر.. فمن يكشف الفساد يتم عقابه فورا.

وذات مرة انتهت مدة إبراهيم نافع كرئيس تحرير جريدة الأهرام.. لكنه استمر فى مكانه دون تجديد أو قانون.. وعندما صدر القانون فيما بعد لتجديد رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات لم ينطبق على نافع.. لأن القوانين لا تطبق بأثر رجعي.. لكن ولأن مبارك كان يريد إبراهيم نافع.. ولأن الأهرام ملك للدولة.. فقد استمر إبراهيم نافع.

رفع مجموعة من العاملين فى الأهرام دعوى أمام القضاء تشير إلى أن بقاء نافع فى المؤسسة باطل وأن كل القرارات التى يصدرها باطلة.. وحكمت المحكمة الإدارية بالفعل فى حكم أول درجة أنه لا وجود لإبراهيم فى الأهرام من الناحية القانونية.

ذهب إبراهيم نافع إلى مبارك، فطيب مبارك خاطره وقال له: نحن فوق القانون.. وأعتقد أن الأستاذ محمود كامل كان من بين من رفعوا القضية على إبراهيم نافع.. وسمع أن نافع قال إن القانون على جزمتي.. وعندما وصلت القضية إلى جودت الملط حكم بإبقاء إبراهيم نافع فى الأهرام.

كانت حيثيات الحكم تتلخص فى كلمة واحدة فقط وهى «خلونا نعمل مواءمة» أو ما يسمى اعتبار المواءمة.. ولا أعرف معنى المواءمة فى القانون.. أنا أعرف إما أن يكون الأمر صحيحاً أو خطأ.. أن يكون حقاً أو باطلاً.. لكن ما حكاية المواءمة.. قد تكون هذه من بين اختراعات جودت الملط وحده.

هناك كثيرون قالوا إن جودت الملط قبل الثورة كان لا يقدر أن يقاوم الفساد بمفرده، لم يكن يستطيع أن يفعل أكثر من أن يقدم هذه التقارير إلى مجلس الشعب.. وبعد ذلك لا علاقة له بالموضوع.. فليس من اختصاصه. لكن ما أعرفه أنا شخصيا أن المستشار جودت الملط قدم تقريرا إلى الدكتور فتحى سرور رئيس مجلس الشعب السابق.. وكان التقرير ينبه إلى دخول قمح فاسد إلى الأسواق المصرية.. وكان اللافت للنظر أو المؤسف أو المحزن فى الوقت نفسه أن هذا التقرير دخل الأدراج ولم يتم الإفراج عنه ووضعه رئيس مجلس الشعب فى الدرج، وظل القمح على فساده فى الأسواق دون أن تتم محاسبة أحد.. ولم يتحدث جودت الملط.. لكن ورغم ذلك فإننى لا أستطيع أن أنكر أن الرجل كان جادا فى مقاومة الفساد وليس من العدل أن نحاسبه على أشياء لم تكن فى يده.

كل رجال الرئيس : ابو غزالة استقبله المصريون بالورد فى أحداث الأمن المركزى فقرر مبارك التخلص منه

61

كان يعامل لوسى آرتين كابنته فقط.. وأقسم أنه لم يلمسها أبدا

■ محمد عبد الحليم أبوغزالة

■ تاريخ الميلاد: 1930

■ مكان الميلاد البحيرة

خريج الأكاديمية الحربية وأكاديمية ناصر للعلوم العسكرية

■ الرتبة: مشير

■ شارك فى حروب 48 والعدوان الثلاثى والاستنزاف وأكتوبر 73

■ وزيراً للدفاع فى آخر عهد السادات

فى العام 1983 رحت أمد جسور الحوار بينى وبين المشير أبوغزالة.. كان فى هذا الوقت وزيرا للدفاع.. لم يكن يدخن.. وكان يتقبل الهجوم بصدر رحب.. كان يرد على الهجوم كمدفعجى بالكمية المناسبة من النيران.. ظهرت زوجته وهى ترتدى غطاء للرأس.. فمنحه المصريون صفة المتدين.

عندما عمل أبو غزالة ملحقا عسكريا لمصر فى واشنطن تأثر بالمدرسة العسكرية الأمريكية - كان معه هناك وقتها حسين سالم ومنير ثابت - وعندما أصبح وزيرا للدفاع قرر أن يعمل فى صناعة سلاح.. بحيث يأخذ توكيلات من شركات أسلحة أمريكية كثيرة جدا لإنتاج دبابات ومدافع وسيارات عسكرية.. كان يريد أن يحول القاهرة لبازار للسلاح يتم تصديره إلى أسواق إفريقيا.. كان من بين طموحه أن يقيم محطات عسكرية.. وهى أماكن يعيش فيها الضباط وقريبة من المعسكرات ومناطق التدريب.

كانت لأبو غزالة شعبية كبيرة جدا فى الشارع المصري، وهى شعبية حصدها فى فبراير 1986 عندما وقعت أحداث الأمن المركزي.. نزل أبو غزالة بقواته والجيش للشارع.. كان شديد الود والرقة مع الشعب الذى استقبله بالورد ورفع يده بعلامة النصر والتأييد.

ربما فى هذه اللحظة أدرك مبارك أن أبو غزالة أصبح خطرا عليه، ولابد من التخلص منه.. وهنا جاء دور زبانية جهنم.. وهم زكريا عزمى وسوزان مبارك.

وحدث أن تفجرت قضية الكربون فى أمريكا.. كان عندنا ضابط مهم جدا اسمه عبدالقادر حلمى استطاع أن يصل إلى معادلات الكربون التى تصنع الصواريخ.. لكن المخابرات الأمريكية وقفت فى طريقه.. وعندما قبضوا عليه اكتشفوا أن أبو غزالة طرف فى القضية وأنه كان يعرف ما الذى يقوم به الضابط.

وهنا لابد أن أؤكد أن القضية التى أطاحت بأبو غزالة من منصبه كانت قضية محترمة جدا.. فقد أراد أن يستخدم عبقرية ضابط عنده لتصنيع صواريخ مصرية.

استغلها مبارك ضد أبو غزالة وأوقف كل شيء، وتم إبعاد أبوغزالة عن المؤسسة العسكرية تماما.. وأتى به مبارك وطلب منه أن يرتدى ملابسه المدنية.. اعتقد أبو غزالة أنه ذاهب ليحلف يمين نائب الرئيس.. لكن وجد مبارك يقول له إنه سيكون مساعدا لرئيس الجمهورية فقط.. وهى وظيفة بروتوكولية بلا معنى على الإطلاق.. لكن حدث بعد ذلك ما كان سببا فى الإطاحة نهائيا بأبو غزالة ليظل فى بيته حتى يلقى الله مريضا بالسرطان.

فى العام 1992 توليت مهمة تحرير مجلة «روزاليوسف» وكان معى مجموعة من الشباب الموهوبين.. فى ذلك الوقت كانت المجلة توزع حوالى 4 آلاف نسخة فقط، وكنا نريد أن ندفعها للأمام.. كان قرارنا ألا تكون هناك حواجز ولا حدود.. وأى شيء يأتى على دماغنا نعمله.

فى هذا الوقت بدا لنا أن الرقابة الإدارية والنيابة الإدارية تتابع الموظفين فى الشهر العقاري.. وهو ما مكننا من الكشف عن قضية كبيرة جدا.. هى قضية لوسى آرتين.. عرفنا فيما بعد أن لوسى آرتين كانت تعرف المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة.. الذى كان وقتها وزيرا للدفاع وحتى وقت القضية.

أول من رأى لوسى آرتين كان علاء مبارك فى فندق شيراتون هليوبوليس، أعجبته جدا لكن لم يحدث بينهما توافق.. قد يكون المشير رآها وهى تلعب تنس بالشورت.. ويبدو أنها سحرته جدا.

كان أحمد عبد الرحمن هو رئيس الرقابة الإدارية وقام بالتسجيل لشخصيات كثيرة، وفى أحد التسجيلات سمع اسم الباشا.. وعرف أن الباشا يعرف لوليتا أو لوسى آرتين.. وسمع أن هناك قاضى أحوال شخصية فى السويس وأنها طلبت منه أن يتدخل لديه ليحكم لها فى قضيتها.. فقال لها إنه سيتحدث مع تحسين شنن لأنه صديقه المقرب من أيام حرب أكتوبر.. وبالفعل تمكنت الرقابة الإدارية من ضبط القاضى متلبسا وهو يتكلم مع لوسى فى تفاصيل الحكم .

هنا أخذنا جنون المهنة ورغبتنا فى أن نحطم كل القيود.. وبالفعل نشرنا الواقعة.. وجلسنا ننتظر رد الفعل.. وجرى أن تقدم أحد النواب باستجواب إلى مجلس الشعب ضد رئيس الحكومة وقتها الدكتور عاطف صدقي، وفى رده على الاستجواب قال: أنا مالى هو كل واحد يبوس واحدة تحت بير السلم يقول لى تعالى يا حكومة.. أنا مليش دعوة بالكلام الفارغ ده كله.

وهنا ظهرت سيرة الدكتور مصطفى الفقى الذى قيل إن سبب الإطاحة به من رئاسة الجمهورية علاقته بقضية لوسى أيضا.. وقد قال لى مصطفى الفقى إن ذلك لم يحدث.. فلوسى آرتين كانت تعرف معلومات عن رئاسة الجمهورية أكثر من أى أحد آخر.. وكانت تعلم تحركات الرئيس.. وكانت على اتصال بعدد كبير جدا من رجال الرئاسة ومنهم بالطبع زكريا عزمي.

نشرنا نصوص المكالمات التى وردت فى قضية لوسي.. وبعدها اختفى أبو غزالة من الحياة تماما.. وتقريبا تفرغ لتأليف الكتب فى الاستراتيجيات.. وفى الحقيقة كنت أتمنى أن يكون أحد هذه الكتب هو مذكراته، وأتمنى أن يكون كتب مذكراته وتركها لأولاده.. لكن ما جرى أنه أصيب بالسرطان فى الفك.. وكنا نتابعه باستمرار.

كانت آخر مكالمة بينى وبينه قبل أن يموت بحوالى خمس سنوات.. كنت قد نشرت تقريرا عن السفينة ليبرتى وهى سفينة التجسس التى وضعتها أمريكا فى حرب 67، قال لى إنه سوف يرسل لى تقريرا جديدا عن التجسس الذى قامت به السفينة خلال فترة الحرب. وقد حاولت أن أوضح له أننى لم أكن طرفا فى قضية لوسى آرتين، ولم يطلب منى أحد أن أفجرها.. ويشهد على ذلك كل زملائى الذين عملوا معى وتابعوا العمل فى القضية مرحلة بمرحلة وخطوة بخطوة.. ووجدته يقول لى: بالعكس أنا أسامح كل الذين أساءوا لى سواء كانوا يعرفونى أو لا.. وسواء فعلوا ذلك بحسن نية أو بسوء نية.. وقد يكون هذا ما جعلنى أقلل من شعورى بالذنب تجاهه. وهنا من المهم أن أثبت ما قاله لى المهندس حسب الله الكفراوى فقد أقسم لى أن أبو غزالة أقسم له أنه لم يلمس لوسى آرتين.. وأنه كان يعاملها كابنته فقط.. ولخص الكفراوى الأمر بقوله: مبارك كان يخشى أبوغزالة.. أما أبو غزالة فلم يكن يخشى إلا الله.

lundi 12 septembre 2011

عادل حمودة : أسرار من واشنطن لم تنشر في القاهرة

283

مبارك استعان بشركة علاقات عامة أمريكية لمساعدته في ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة

3 شروط فرضتها الولايات المتحدة لاستمرار المعونة:

1 عدم وصول منظمة إسلامية إرهابية للحكم

2 حماية حقوق الأقليات

3 عدم المساس بمعاهدة السلام مع إسرائيل

المدونات الأمريكية اليسارية تتهم المخابرات المركزية بالعبث بالثورات العربية لصالح النظم الديكتاتورية 

«تبدو السياسة الأمريكية المضطربة تجاه مصر ما بعد الثورة كعصفورة جائعة تفتش في فضلات الحبوب عن طعام يشبعها»  

الوصف ليس من قاموس لغتي الخاصة وإنما تشبيه أدبي وسياسي توصل إليه دون ترتيب الصحفي الأمريكي المتميز بوب وود ورد في حوار تليفوني جري بيني وبينه عن سوء الفهم المتبادل بين القاهرة وواشنطن  

بدا واضحا من حجم المعلومات التي أرسلها لي عبر بريدي الإلكتروني أن كثيرا مما ينشر في الصحافة المصرية عن الأزمات الأخيرة بين البلدين لا يكشف الحقيقة   ولا يتعامل معها  

1

في يونيه الماضي قدمت الإدارة الأمريكية مشروع قرار يحمل رقم «5382» خاص بـ   تمويل المساعدات الخارجية   في    360 صفحة   إلي اللجنة المختصة في مجلس الشيوخ بالكونجرس   وبصعوبة جرت الموافقة علي القرار بفارق خمسة أصوات فقط  

كان نصيب مصر من القرار ست صفحات   وثلاثة شروط إجبارية كي تستمر المعونة الأمريكية بشقيها المدني والعسكري لها 

الشرط الأول  الحرص علي حقوق الإنسان وتوفير الديمقراطية وحماية حقوق الأقليات وعدم المساس بها ونسيان اضطهادها 

الشرط الثاني  الالتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل والحرص عليها وعدم تجاوز بنودها   بجانب استمرار جهود مكافحة التهريب علي الحدود بين البلدين  

الشرط الثالث  عدم وصول منظمة إسلامية متطرفة إلي الحكم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة 

ولو كان الجمهوريون يعتبرون الإخوان منظمة إرهابية علنا مثلهم مثل الروس، فإن الديمقراطيين يعتبرونهم منظمة إرهابية سرا رغم كل ما صرحوا به عن استعدادهم لحوار متبادل بين الطرفين لم يحدث حتي الآن  

وهناك تقارير لا حصر لها علي مكتب باراك أوباما تبحث مدي إيمان الإخوان بالديمقراطية وتداول السلطة   وغالبيتها يقترح الاعتراف بهم لو وصلوا لحكم مصر بعملية انتخابية نزيهة   وفي الوقت نفسه لا يستمر التعامل معهم   أو مساعدتهم   كما فعلوا مع حماس  

في هذه الحالة سيكون من السهل علي اللوبي اليهودي ممارسة ضغوط هائلة لحرمان مصر من المعونة العسكرية   لكن   من المؤكد أن المؤسسة العسكرية في بلادنا تتوقع مثل هذا الإجراء منذ سنوات مضت   فقامت بادخار مبالغ تغطي المعونة لعدة سنوات قادمة 

وعلي الرئيس الأمريكي أن يقدم للكونجرس تقريرا يضمن فيه تنفيذ مصر للشروط الثلاثة كي تستمر المعونة   وكانت مهمة تقديم التقرير مسئولية وزيرة الخارجية فيما قبل   التقرير هذه المرة انتقل إلي المستوي الأعلي   البيت الأبيض   وهو تغير يجب التوقف عنده طويلا 

والحقيقة أن الخوف من الإخوان يفوق الرغبة في استيعابهم   ويقف في أول الصف المعارض مراكز الأبحاث المحافظة المؤيدة لإسرائيل   بجانب دوائر الإعلام المحافظة مثل صحيفة «واشنطن تايمز» وصحيفة «وول ستريت جورنال»   وإن كان معهد كارينجي ــ الذي انتمي إليه عمرو حمزاوي قبل عودته إلي القاهرة ــ يتحمس للجماعة العريقة  

لكن   القرار الذي نجا من لجنة العلاقات الخارجية سيذهب إلي لجنة الاعتمادات المالية   ومنها إلي مجلس الشيوخ   ثم مجلس النواب   وسيكون التصويت النهائي عليه في منتصف العام القادم   في وقت سيكون أوباما نفسه بطة عرجاء بسبب الانتخابات الرئاسية القادمة  

2

في الشهر نفسه عقدت جلسات استماع في الكونجرس لستة سفراء جدد سترسلهم الولايات المتحدة إلي قطر والإمارات والكويت وكازاخستان وأوزبكستان ومصر   وتولت السفيرة آن باترسون المرشحة للعمل في القاهرة الرد علي   28 سؤالا   كان أغلبها يدور حول العلاقات المصرية الإسرائيلية   مستقبل معاهدة السلام   متاعب الحدود   وطبيعة التحالف بين حماس والإخوان   وتأثير غياب نظام مبارك  الكنز الاستراتيجي للدولة العبرية  

لكن   ذلك كله لم يلفت نظر المصريين   ولم يشغل بالهم   فقد توقفوا طويلا عند ما وصفوه بفضيحة تمويل منظمات المجتمع المدني ودعم التحول الديمقراطي   خاصة أن الاتهامات التي وجهت إلي حركة   6  أبريل   كانت حاضرة   وساخنة  

أخرجت آن باترسون من حقيبتها ملفا   قالت وهي تقرأ منه  إن بلادها صرفت   65 مليون دولار علي هذه المنظمات   بجانب   150  مليون دولار أخري ذهبت لمساندة منشآت ومؤسسات اقتصادية صغيرة   لم تثر غضب أحد   بل ربما لا يعرف بها أحد   

انفقت المعونة الأمريكية    40 مليون دولار علي ثلاث منظمات أمريكية تعمل في مصر بدعوي نشر الديمقراطية هي المعهد الجمهوري والمعهد الديمقراطي والمؤسسة الدولية للنظم الانتخابية   أما الباقي وهو لا يزيد علي   25 مليون دولار فلم ينفق بعد   كل ما حدث أن هيئة المعونة طلبت من المنظمات المصرية التقدم بمشروعات سياسية وشعبية ديمقراطية  

والمقصود أن التمويل يذهب إلي منظمات لا إلي أفراد   كما أن التمويل يسبقه مشروع يجب اعتماده قبل الإنفاق عليه   يضاف إلي ذلك أن هناك مراجعة للصرف تفرضها لوائح المعونة  

ولا تصرف الأموال نقدا وإنما تحول عبر المصارف المصرية وهو ما يعني أن البنك المركزي يعرف كل صغيرة وكبيرة عن التحويلات الأمريكية التي تأتي للمنظمات المصرية   ولو كان فيها ما يشين فلماذا لا يجري كشفها علنا كي نعرف البريء من المذنب؟

وحسب القانون الأمريكي لا يحق للحركات السياسية  مثل  6 أبريل وغيرها  الحصول علي تمويل مباشر أو غير مباشر من المعونة الأمريكية   ولو حدث ذلك فإن مسئولي المعونة يتعرضون للعقاب   لكن   لا يمنع التدريب في دورات خاصة ينفق فيها علي المشاركين تكاليف السفر والإقامة والترفيه بجانب مصروف جيب لا يزيد عادة علي   50 دولارا   

لكن   الغريب أن السلطات المصرية لم تقترب من المنظمات الأمريكية التي تعمل علي أرضها دون موافقة رسمية منا   وهو أمر لو لم يثر الدهشة فإنه يوجب الاستغراب  

3

لا هم للمنظمات الأمريكية والمصرية في الشهور القادمة سوي مراقبة الانتخابات التشريعية والرئاسية التي تدق  الأبواب   والغريب أن السلطة الجديدة في مصر تعاني من نفس حساسية سلطة مبارك الماضية تجاه المراقبة الدولية 

يضاف إلي ذلك أن الرقابة الدولية لا تفرض نفسها علي بلد إلا بموافقته   كما أن هيئات الرقابة  وأهمها مؤسسة كارتر  لا تدخل مكانا إلا بموافقة أصحابه   كما أنها في حاجة إلي ستة أشهر كي ترتب نفسها   ومن ثم ليست لها فرصة هذه المرة  

لكن   هذه الهيئات لن تيأس من مراقبة الانتخابات القادمة في مصر   فقد اتفقت مع منظمات محلية لتقوم نيابة عنها بهذه المهمة   وهو ما سبق أن حدث في الانتخابات السابقة 

4

في أبريل الماضي نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرا سعت من خلاله للإجابة عن سؤال راح يفرض نفسه وهو  هل للولايات المتحدة دور في الثورات العربية المتتالية والمفاجئة التي اجتاحت مثل الإعصار النظم الديكتاتورية المتسلطة والمظلمة؟

اعتبر التقرير أن دورات التدريب علي التحول الديمقراطي ــ واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي في التحريض علي الثورة ــ التي شارك فيها شباب من مختلف الدول العربية هي السبب المباشر لما حدث   وهو امر لا يمكن قبوله منفردا مهما كانت أهميته   فقد كانت هناك عوامل أخري   مؤثرة   وفاعلة   منها انضمام فئات وجماعات وتنظيمات شعبية وسياسية للثورة   والدفاع عنها   والاستشهاد في سبيلها  

يضاف إلي ذلك أن هذه الدورات التي وصل عددها إلي      3500 دورة استمرت عشر سنوات ولو كانت بالفاعلية الصاعقة التي يصفونها لكانت الثورات قد وقعت قبل ذلك بزمن 

وحسب التقرير نفسه فإن منظمة فريدم هاوس تولت رعاية مؤتمر للحركة الشبابية الدولية الذي جمع نشطاء من جميع انحاء العالم في نيويورك   وشاركت شركات مثل جوجل ومايكرو سوفت في التمويل والتدريب   وحضر المؤتمر شباب من مصر لن تكشف الصحيفة عنهم   وإن ذكرت أنهم عبروا عن صعوبة تحدي نظام مبارك بوسائل بدائية   فكان أن طلبوا دعمهم بأجهزة كمبيوتر محمولة  نوت بوك أو لاب توب   

وبعد أن نشرت هذا التقرير راحت مدونات أمريكية يسارية تتهم فريدم هاوس وغيرها من المنظمات المشابهة بأنها علي علاقة بوكالة المخابرات المركزية   ويعمل فيها ضباط سابقون منها  

إن نجاح الثورات العربية ــ مهما كانت المساعدات والتدريبات ــ يرجع للغضب الشعبي الذي صبر طويلا علي الظلم والقهر والفقر والعنف ليصبح مثل مخزن وقود قابل للانفجار بمجرد أن يشم اللهب   يضاف إلي ذلك أن الولايات المتحدة كانت متحمسة لنظام مبارك ولا تجد أفضل منه ليخدمها   وكل ما كانت تريده هو تقوية المعارضة من باب الضغط عليه   دون رغبة حقيقية في إسقاطه  

5

وهناك مفاجأة لم تكشف من قبل وهي أن مبارك كان ينتوي الترشح لرئاسة الجمهورية هذه المرة أيضا   وكان يناور زوجته كي لا تقاوم خطوته التي لم يكشف عنها لأحد   فهو لن يقبل بلقب رئيس سابق   فهو والسلطة توحدا معا بحيث اصبح من الصعب فصلهما ولو بالتدخل الجراحي 

والدليل علي ذلك أن السفارة المصرية في واشنطن سعت للاتصال بشركة علاقات عامة هي«سي ال إس» كي تروج لترشحه وتدعو إليه بحيث يبدو ترشحه كأنه استجابة وليس استعدادا  

ويحتاج ملف شركات العلاقات العامة التي تتعامل معها مصر أن يفتح أمام الرأي العام بكل ما فيه من أسرار وخبايا وحكايات  إن هناك شركات من هذه الفصيلة تتعامل معها مصر وتنفق عليها مئات الملايين من الدولارات   مثل شركات بوديستا ولينفنجستون وبالما وغيرها بما يصل بعدد هذه الشركات إلي سبع   وتسعي هذه الشركات التي تعمل مع مصر منذ عام     1980 إلي التأثير في الكونجرس كي لا يقف في وجه استمرار المعونة العسكرية لها    1300   مليون دولار سنويا   وحسب تقرير أخير فإن هذه الشركات أجرت ما لايقل عن   279  اتصالا بشأن القضايا العسكرية   ومعظمها حدث عندما رافق مسئولون في الشركات وفودا من ضباط الجيش المصري للقاء مسئولين في الكونجرس والبيت الأبيض وممثلين عن شركات السلاح  مثل بي ايه سيستمز وجنرال دايناميكس وجنرال إليكتريك ولوكهيد مارتن   

أما شركة العلاقات العامة هيل ونولتون فتستخدمها مصر لتعزيز صناعة تكنولوجيا الاتصالات وهو أمر لم يكشف من قبل  

وفي عام   2009 وقع نظام مبارك عقدا مع شركة شالوبك   دفع بمقتضاه   45 ألف دولار شهريا بخلاف مصاريف أخري ليقنع الولايات المتحدة بأنه نظام ديمقراطي وان ما يقال عن لجوئه للعنف والتعذيب والاعتقال هو من قبيل الدعاية السوداء المضادة  

وكان العقد الأخير تمهيدا لعقد «سي ال اس» الذي كان سيستخدم لترشحه علي خلاف ما أعلن   لكن   هل لا يزال العقد ساريا؟   هل لا نزال ندفع أقساطه؟   هل يمكن فسخه وتوفير تكاليفه لبناء مستوصف أو مدرسة أو حديقة بدلا من التسول علي الفضائيات؟   هل حان الوقت لنخرج من الغيبوبة التي كنا فيها لسنوات طويلة؟