vendredi 30 mars 2012

العلاقات المصرية الأمريكية بين تركة الماضي وآحتمالات المستقبل

يوم 11 فبراير 2012 التقى المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري في القاهرة مع الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية.

التعليق على الصورة: يوم 11 فبراير 2012 التقى المشير حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري في القاهرة مع الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية. (swissinfo)


اعتمدت الولايات المتحدة لعدة عقود في تحقيق مصالحها في الشرق الأوسط من خلال علاقات وثيقة بمصر على علاقة مباشرة بالرئيس حسني مبارك الذي انفرد بحكم مصر خلال الثلاثين عاما الماضية دون أن تحسب للرأي العام المصري أي حساب في إطار سياسة تفضيل الاستقرار في المنطقة على الديمقراطية..

ولكن مع قيام الثورة الشعبية في مصر تغير الوضع وتمت الإطاحة بالرئيس مبارك وأصبح للشعب المصري كلمته في توجيه دفة السياسة الخارجية المصرية، لذلك يرى خبراء شئون العلاقات المصرية الأمريكية أن الولايات المتحدة تجد نفسها الآن في وضع بالغ السوء.
فكما يقول شادي حامد مدير الأبحاث بفرع معهد بروكنجز في قطر إنه إذا كانت المشاعر المناهضة للولايات المتحدة تتنامى في مصر حاليا فإن ذلك سيلقي بظلاله وتأثيراته على من سيمسك بزمام السلطة في مصر بعد الفترة الانتقالية، وكذلك على قوى المعارضة وسيتنافس الطرفان في إظهار من هو الأكثر تمسكا بالوطنية المصرية والأكثر رفضا للنفوذ الأجنبي ويقول: "لو عدنا إلى الشعارات التي رفعها الثوار سنجد أنها لم تقتصر على العيش والحرية بل تركزت بشكل أكبر على الشعور بالكرامة الوطنية متمثلة في شعار: إرفع راسك إنت مصري وهو يعني الرغبة الشعبية في عودة مصر إلى دورها الإقليمي الرائد في المنطقة وتحرير مصر من النفوذ الأجنبي بما في ذلك النفوذ الأمريكي"

شادي حامد، مدير الأبحاث بفرع معهد بروكنجز في قطر

شادي حامد، مدير الأبحاث بفرع معهد بروكنجز في قطر (swissinfo)

متطلبات جديدة

لهذه الأسباب، يرى شادي حامد أنه آن الأوان للولايات المتحدة أن تعيد تقييم الشكل الذي يجب أن تتجه إليه العلاقات الأمريكية ليس فقط مع الحكومة المصرية المنتخبة ولكن أيضا مع الشعب المصري ويتطلب ذلك حسب اعتقاده:
أولا: استعادة مصداقية الولايات المتحدة بعد عقود من مساندة نظام حكم استبدادي سلطوي وإظهار التزام واشنطن بمساندة التحول نحو الديمقراطية في مصر.
ثانيا: عدم تكرار أخطاء الماضي والمضي قدما في تعميق العلاقات الأمريكية مع الإخوان المسلمين والسلفيين وباقي القوى السياسية في المجتمع المصري.
ثالثا:إعادة النظر في نسب توزيع المساعدات الأمريكية بحيث تزداد نسبة المساعدات الاقتصادية ومخصصات دعم الديمقراطية ليدرك الشعب المصري تغير أولويات الولايات المتحدة في مصر.
رابعا: ضرورة واتباع سياسة واضحة تحدد موقف الولايات المتحدة من الثورة المصرية لأن انتهاكات المجلس العسكري لحقوق الإنسان في الفترة الانتقالية لم تسفر عن التلويح بقطع المساعدات وإنما جاء ذلك التهديد من إدارة أوباما ردا على احتجاز أمريكيين يعملون في منظمات المجتمع المدني.
خامسا: التوقف عن التناقض بين القول والفعل فالولايات المتحدة تعلن مساندتها للتحول الديمقراطي في مصر ولكنها لم تؤجل استئناف المساعدات لمصر لحين تولي حكومة منتخبة ويظهر ذلك استمرار سياسة الاعتماد على العسكر في توفير الاستقرار.

خالد الجندي، الباحث الزائر بمعهد بروكنغز في واشنطن

خالد الجندي، الباحث الزائر بمعهد بروكنغز في واشنطن (swissinfo)

دور مصر الإقليمي

أما خالد الجندي الباحث الزائر بمعهد بروكنجز في واشنطن فيرى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى قراءة جديدة في الواقع المصري بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير ويقول: "لا يعني عدم إحراق العلم الأمريكي في ميدان التحرير عدم اهتمام المصريين بالسياسة الخارجية وخاصة العلاقات مع الولايات المتحدة كما أن تصويت غالبية المصريين لصالح الإسلاميين لا يعني بالضرورة رغبتهم في الابتعاد بمصر عن الولايات المتحدة." ويرى الجندي أن دور مصر الإقليمي لم يتغير كثيرا بعد الثورة وأن أهم ما تتخوف منه الولايات المتحدة هو تغير موقف مصر من معاهدة السلام مع إسرائيل ولكن ذلك لا يدعو للتخوف للأسباب التالية:
أولا: أعلن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي تولى إدارة المرحلة الانتقالية التزامه بالمعاهدة وتبعه في ذلك الإخوان المسلمون ثم السلفيون ولكن ظهر اتجاه عام يدعو لإعادة التفاوض حول بعض البنود لتحقيق المساواة وتحقيق مبدأ المعاملة بالمثل، وكذلك اتفاقية تصدير الغاز لإسرائيل والتي شابها الكثير من الفساد.

ثانيا: لا تزال مصر بعد الثورة تساند حل الدولتين والعودة للمفاوضات ربما وفق شروط معينة تتوافق مع مطالب الفلسطينيين لكن مصر هي التي توسطت في المصالحة الأخيرة بين السلطة الفلسطينية وحماس وجهود التهدئة بين حماس وإسرائيل.
ثالثا: لم تعد مصر إلى دورها كقائدة للمنطقة كما يطمح العديد من المصريين إلى ذلك الدور كما أن مصر بعد ثورة يناير لم تتحول لقوة ثورية كما حدث في ثورة يوليو 52 ولم يكن لها دور يذكر لا في الثورة الليبية ولا في الانتفاضة الشعبية السورية.
رابعا: يجب ألا تخشى الولايات المتحدة من الثورة وإنما من المجلس العسكري الذي اختلق أزمة منظمات المجتمع المدني واحتجاز الأمريكيين لحشد المشاعر القومية ضد الولايات المتحدة.
ووردا على سؤال طرحته swissinfo.ch عن الحقائق الجديدة التي يجب أن تراعيها الولايات المتحدة في علاقاتها مع مصر بعد الثورة قال خالد الجندي:" على الولايات المتحدة أن تدرك عددا من الحقائق الجديدة في علاقاتها مع مصر:
أولا: أن النفوذ الأمريكي لدى مصر أصبح أقل مما كانت تظن ويتضح ذلك من القدر المحدود جدا من التأثير الذي يمكن استخدامه بفرض شروط على المساعدات الأمريكية.
ثانيا: أنه أصبح يتعين على الولايات المتحدة أن تأخذ في اعتبارها ثقل الرأي العام المصري كعامل مؤثر في جوانب العلاقات المصرية الأمريكية.
ثالثا: إعادة النظر في جوانب الشراكة الإستراتيجية مع مصر بحيث يتم التركيز على إظهار الندية والمصالح المشتركة من وراء تلك الشراكة".

مستقبل التعاون الاستراتيجي

يرى الدكتور زبيغنيو بريجنسكي المستشار الأسبق للأمن القومي في عهد الرئيس كارتر أنه يتعين ألا تسارع الولايات المتحدة إلى مطالبة زعماء مصر الجدد باستئناف سريع لعلاقات الشراكة الإستراتيجية وأن تعطي الولايات المتحدة مصر مساحة من حرية الحركة وأن تتحلى بالصبر مع مصر ما بعد الثورة حتى تتمكن من رسم طريقها الجديد مع بذل قصارى الجهود الأمريكية للحفاظ على أهداف ذلك التعاون الاستراتيجي وتوفر رؤية واضحة للإستراتيجية الأمريكية في المنطقة في ضوء ثورات الربيع العربي لأن الولايات المتحدة "بدأت تختفي من الصورة"، على حد قوله.
في مقابل ذلك، يرى ستيف هادلي المستشار السابق للأمن القومي للرئيس بوش ثم أوباما أنه لكي يمكن مواصلة الشراكة الاستراتيجية مع مصر بعد الثورة يتعين على الولايات المتحدة أن توضح بالفعل وليس بالقول أنها ستقف من الآن وصاعدا في صف الحرية والتحول نحو الديمقراطية بعد عقود فضلت فيها مساندة نظم حكم فردي استبدادية مقابل تحقيق الإستقرار في المنطقة.
ويعتقد السيد هادلي أن المحك الرئيسي في تغير نظرة المصريين إلى التعاون مع الولايات المتحدة سيكون من خلال التوازن بين اقترابها من العسكر الذين تحتاج إليهم للحفاظ على السلام بين مصر وإسرائيل ومواصلة التهدئة في قطاع غزة وبين التقارب مع الإسلاميين كقوة سياسية تحظى بالأغلبية البرلمانية وأن يكون التعاون المصري الأمريكي بناء على المصالح المشتركة وفي إطار من الندية والمعاملة بالمثل.

الدكتورة تمارا كوفمان ويتيز نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى سابقا ومديرة مركز سابان للسياسة في الشرق الأوسط

الدكتورة تمارا كوفمان ويتيز نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى سابقا ومديرة مركز سابان للسياسة في الشرق الأوسط (swissinfo)

شراكة استراتيجية.. راسخة

أما الدكتورة تمارا كوفمان ويتيز نائب مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى سابقا ومديرة مركز صابان للسياسة في الشرق الأوسط فترى أن هناك عوامل ثابتة في علاقات مصر بالولايات المتحدة تجعل من المنطقي أن لا تتأثر الشراكة الإستراتيجية بين البلدين بتغير نظام الحكم في مصر:
أولا: ثبات أهداف التعاون الاستراتيجي بين البلدين في الحفاظ على السلام بين مصر وإسرائيل، ودعم عملية السلام في المنطقة، ومساندة جهود مكافحة الإرهاب ، ووقف انتشار أسلحة الدمار الشامل، واحتواء إيران وبرنامجها النووي.
ثانيا: ستجد أي حكومة يتم انتخابها ديمقراطيا في مصر أن الاستقرار الإقليمي أمر بالغ الأهمية لقدرتها على الاستجابة لطموحات الشعب المصري ولذلك سيكون من مصلحتها التعاون مع الولايات المتحدة في تحقيق الاستقرار على الحدود الشرقية مع إسرائيل والغربية مع ليبيا والجنوبية مع السودان.
ثالثا: يدرك السياسيون المصريون بعد الثورة أنه لنجاحهم في الوفاء باحتياجات الشعب المصري يتعين عليهم التواصل مع العالم الخارجي والاقتصاد العالمي والسياحة والتجارة الدولية ويقتضي كل ذلك علاقات قوية مع الولايات المتحدة التي تمتلك أكبر اقتصاد في العالم.
رابعا: سيدرك الجانبان أن علاقة الشراكة الإستراتيجية يجب ألا تكون بمثابة أن ما يكسبه طرف منها هو ما يخسره الطرف الآخر وإنما هي علاقة يكسب منها الجانبان.
ومع ذلك تعتقد الدكتورة تمارا أن نقطة التحول الحقيقية التي تواجه العلاقات المصرية الأمريكية هي هل ستقرر الولايات المتحدة العودة إلى المسار القديم بالتركيز على التعامل والتفاوض مع النخبة الحاكمة في مصر سواء من سيفوز بانتخابات الرئاسة أو الأغلبية الإسلامية التي فازت بمجلسي الشعب والشورى؟
وتقول الدبلوماسية الأمريكية السابقة إن الثورة المصرية قدمت فرصة إستراتيجية سانحة للولايات المتحدة لبناء علاقة إستراتيجية على أساس بعيد المدى يعتمد بشكل أكبر على علاقة الشعبين ويتم من خلال نشاطات مؤسسات من البلدين تقيمان شراكة تستند إلى الندية والمصالح المشتركة وتحظى بموافقة شعبية عريضة وسألت swissinfo.ch الدكتورة تمارا ويتيز عن الشروط اللازمة لبناء شراكة مع مصر بعد الثورة وليس كصفقة بين واشنطن ورئيس استبدادي بحكم مطلق كما كان مبارك فقالت: "أولا: أن تشرع الولايات المتحدة في مد جسور للتعاون مع الشعب المصري في مجالات عديدة وسيتطلب ذلك جهدا ووقتا. ثانيا: أن تتم عملية نقل السلطة في مصر إلى حكومة ديمقراطية تستجيب لطموحات الشعب المصري ليمكن التعاون معها في بناء العلاقة الإستراتيجية الجديدة بمباركة شعبية. ثالثا: الحفاظ على تقديم المساعدات الاقتصادية الأمريكية لمصر بل وزيادتها مع الاستمرار في توجه التواصل الأمريكي مع الشعب المصري خارج العاصمة المصرية. رابعا: أن تتحلى الولايات المتحدة بقدر مما يمكن وصفه الصبر الاستراتيجي على ما تمر به مصر من مرحلة انتقالية وعرة لتبدأ بعد ذلك في توسيع نطاق العلاقات لتصل كذلك إلى القوى السياسية التي تنبثق عن النظام السياسي الجديد في مصر ومستويات جديدة من العلاقات بين المجتمع المصري والمجتمع الأمريكي."

محمد ماضي - واشنطن- swissinfo.ch


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire